حين تقطع حواجز الاحتلال أوصال الضفة.. كيف يدفع الاقتصاد الثمن؟
الجزيرة.نت -

نابلس- في مصنع الكامل لصناعة الألبان والأجبان في قرية روجيب جنوب شرق نابلس، الذي أُنشئ عام 2022، يبدو العمل طبيعيا ومتناسقا، غير أن الواقع يكشف تفاصيل تتعلق بتراجع التسويق وانحساره بسبب فرض قيود على الحركة والتنقل بين مدن الضفة الغربية.

فقبل أسبوعين، تلقى المصنع ضربة قاسية بعدما تحول انتظار شحنة الحليب على أحد الحواجز الإسرائيلية إلى خسارة قاربت 20 ألف شيكل (نحو 6700 دولار) فخمس ساعات من التأخير كانت كفيلة بإتلاف نحو 10 أطنان من الحليب.

وفي الساحة الخارجية للمصنع تقف شاحنتان لتوزيع البضائع منذ قرابة عامين بسبب قلة الطلب وضعف التسويق الناتج عن نشر الحواجز العسكرية بين مدن الضفة وإغلاقها.

شاحنات توزيع بضائع متوقفة في مصنع الكامل بسبب تراجع السوق نتيجة القيود على الحركة (الجزيرة)
تراجع التسويق وارتفاع الكلفة

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول صاحب المصنع بسام دويكات إن الحواجز العسكرية الإسرائيلية على مداخل مدينة نابلس من أكبر التحديات التي واجهته، مبينا أن المدينة مغلقة من كل جهاتها بحواجز عسكرية، إضافة إلى بوابات على الطرق الفرعية الرابطة بينها وبين قراها.

ويشير إلى أن غالبية إنتاج مصنعه يحتاج إلى توزيع في المتاجر، لكن إغلاق الحواجز وزيادة عددها أديا إلى تراجع عدد الزبائن الذين تربطه بهم اتفاقيات، إضافة إلى زيادة تكاليف النقل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج.

يقول دويكات إنه وغيره من أصحاب المصالح في الضفة حاولوا تحمل هذه الزيادة في تكاليف إنتاج السلع وعدم تحميل المواطن إياها، خاصة مع الأزمات الاقتصادية التي يعيشها أهل الضفة الغربية منذ احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وإغلاق الداخل المحتل أمام حركة العمال، وانقطاع رواتب الموظفين. غير أن ذلك ساهم بشكل طبيعي في تخفيض عدد الأيدي العاملة في المصانع والمصالح الوطنية.

ويقول دويكات إن التحدي الأكبر هو في جلب المواد الخام، وتحديدا الحليب من خارج مدينة نابلس. وفي بعض الأحيان يضطر إلى إبقاء الشاحنات ساعات على الحاجز، محملة بالحليب مع أنه مادة حساسة وسريعة التلف.

إعلان

ويؤكد أن التسويق تراجع إلى ما نسبته 40% مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب البوابات العسكرية الإسرائيلية التي تعيق التنقل والحركة.

وبحسب قوله، فإن بعض مركبات التوزيع الخاصة بالمصنع تضطر إلى العودة إلى المصنع وعدم إكمال الطريق، بعد انتظارها أحيانا ثلاث ساعات أو أربع على الحاجز العسكري. وقد اضطر المصنع إلى الاستغناء عن أكثر من 12 عاملا بسبب قلة الإنتاج وانخفاض المبيعات.

وكما هو الحال في مصنع الكامل، اضطرت مصانع ومنشآت أخرى إلى الاستغناء عن عملائها خارج محافظة نابلس كمدن رام الله وسلفيت، وذلك بسبب صعوبة الوصول وارتفاع أسعار المحروقات، التي فاقمت الأزمة أيضا، وفق دويكات.

الحال لا يختلف في الأسواق العامة، إذ يقف منصور عليوي، وهو تاجر بهارات من مدينة نابلس يراقب حركة المتسوقين القليلة في منتصف الأسبوع، وبشيء من الخيبة قال للجزيرة نت: بصراحة، الأزمة تتعمق شهرا بعد آخر بسبب إغلاق إسرائيل للمعابر والحواجز، ومنع دخول فلسطينيي 48 إلى الضفة.

ويضيف أن السوق فارغ وكأنه مدينة أشباح "نحن نعتمد بدرجة كبيرة على المتسوقين من الأرياف والقرى، لكن الحواجز منعت الناس من الوصول".

منتجات الألبان الأكثر تضررا من الانتظار على الحواجز الإسرائيلية (الجزيرة)
آثار الحواجز

بالعودة إلى خلاصة دراسة نشرها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) في مارس/آذار 2025 فإن حركة النقل انخفضت بنسبة 51.7% بعد بدء العدوان على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبتسجيل وقت الانتظار على 14 حاجزا عسكريا، وجدت الدراسة أنه يتراوح بين 15 و50 دقيقة، وأظهرت أن متوسط التأخير في الرحلات خارج محافظة نابلس -مثلا- يصل إلى 42 دقيقة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 77.9% على الوقت الأصلي للرحلة.

وتقدر الدراسة عدد ساعات العمل الضائعة يوميا بحوالي 191 ألفا و146 ساعة، مما يكلف الاقتصاد الفلسطيني حوالي 2.8 مليون شيكل (الدولار اليوم يساوي 3 شواكل) يوميا، أي ما يعادل 62.2 مليون شيكل شهريا.

بالإضافة إلى ما سبق تؤدي المسافات الإضافية التي يقطعها السائقون لتجنب الحواجز إلى استهلاك وقود إضافي يقدر بحوالي 71 ألف شيكل، أي ما يعادل 22.2 مليون شيكل سنويا.

توصلت الدراسة إلى أن قيود الحركة تؤثر بشكل كبير في الاقتصاد الفلسطيني، إذ تساهم في ارتفاع نسبة البطالة وتدني الأجور بسبب صعوبة وصول العمال إلى أماكن عملهم، كما تؤدي إلى تعطيل حركة البضائع، مما يزيد تكاليف النقل ويتسبب في تلف بعض المنتجات نتيجة الانتظار الطويل على الحواجز.

البوابات العسكرية تحكم الخناق على مدن وبلدات الضفة الغربية (الجزيرة)
بطالة ترتفع

عن انعكاسات الحواجز والقيود على الحركة، يقول الصحفي المختص بالشؤون الاقتصادية جعفر صدقة إنها تؤدي إلى منع العمال والموظفين من الوصول إلى أعمالهم، سواء في المؤسسات الحكومية أو الشركات، مما تنتج عنه خسائر فادحة وتعطل للمصالح.

ويضيف في حديثه -للجزيرة نت- أن تكثيف هذه الحواجز منذ ثلاث سنوات، أدى إلى نتائج بعيدة المدى، كإفلاس شركات وتوقفها عن العمل، ومن ثم فقدان آلاف العمال والموظفين لوظائفهم، لترتفع البطالة إلى معدلات غير مسبوقة.

إعلان

ووفق معطيات وزارة الاقتصاد الفلسطينية حتى مطلع سبتمبر/أيلول الجاري فإن الناتج المحلي الإجمالي انكمش خلال عام 2025 بنسبة 24% مقارنة بعام 2023، وبلغ معدل البطالة 46%، بواقع 28% في الضفة الغربية و78% في قطاع غزة.

اقتصاد لا يعول عليه

وبحسب صدقة فإنه لا يمكن بناء اقتصاد مقطّع الأوصال؛ فهناك فصل تام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وحصار وعزل لكل واحد منهما، ليس فقط عن الآخر، وإنما عن العالم الخارجي أيضا، بل وفصل مناطق الضفة عن بعضها، وحتى فصل المزارعين عن أراضيهم داخل التجمع السكاني الواحد.

ومن ثم "هناك نظام سيطرة وتحكم بنته سلطات الاحتلال على مدى سنوات، يتحكم تماما في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني، ناهيك عن التحكم في حركة الأفراد والبضائع وتدفقات النقد" بحسب قول صدقة.

ويضيف أنه من الصعب حساب حجم الخسارة الكلية في الاقتصاد الفلسطيني بسبب هذه الإجراءات، فهي لا تقتصر فقط على الخسائر المالية المباشرة الناتجة عن منع حركة الأفراد والبضائع، وتدمير الأراضي الزراعية والمنشآت، وإنما تشمل أيضا الفرص الضائعة أمام الاقتصاد الفلسطيني في استغلال الموارد الطبيعية والتجارية، ومنع أية إمكانية لتطوير علاقات اقتصادية إقليمية وعالمية.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وصل مجموع الحواجز والبوابات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى 925 حاجزا وبوابة، منها 147 في نابلس وحدها.



إقرأ المزيد