الجزيرة.نت - 9/6/2026 10:12:56 PM - GMT (+3 )
هي ولاية تقع في شرق ألمانيا، ذات كثافة سكانية منخفضة ولا توجد بها إلا مدينتان كبيرتان هما ماغديبورغ وهاله، ومع ذلك فإن سكسونيا-أنهالت تخطف الأنظار هذا الأسبوع، في ظل انتخابات قد تفضي إلى ما خاف منه الألمان وسائر أوروبا على مدى عقود مضت.
بحسب النتائج الأولية لاقتراع اليوم الأحد، يبدو حزب "البديل من أجل ألمانيا" أقرب من أي وقت مضى لتحقيق فوز يتيح له تشكيل حكومة محلية بالولاية التي يسكنها 2.1 مليون نسمة، في سابقة ستكون الأولى لحزب من أقصى اليمين في تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
وصف أقصى اليمين، أو "اليمين المتطرف" هنا، ليس شعبويا أو إعلاميا فقط، بل هو التصنيف الذي يضعه المكتب الاتحادي لحماية الدستور وهو بمثابة جهاز الاستخبارات الداخلية في ألمانيا، ويتبع لوزارة الداخلية ويقول إنه يجمع المعلومات عن التنظيمات والجماعات التي يمكن أن تهدد النظام الديمقراطي للبلاد.
استطلاعات الرأي خلال الأيام الماضية قالت إن الحزب الذي يرأسه أولريش زيغموند سيحصل على أكثر من 40% من الأصوات، (ضعف نتيجته في انتخابات 2021) وبفارق كبير عن الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ، الذي يقود الائتلاف القائم من 3 أحزاب في سكسونيا-أنهالت وحصل على 23%.
لكن الحزب يأمل في اكتمال المفاجأة بالحصول على أغلبية مطلقة، تسمح له بتجاوز "الجدار العازل" الشهير الذي تفرضه الأحزاب الرئيسية لمنع التعاون والدخول في ائتلافات مع اليمين المتطرف.
وحسب التلفزيون الألماني، فإن استطلاع رأي أُجري بين الناخبين بعد خروجهم من مقرات الاقتراع، أشار إلى أن البديل قد يحصل على أكثر من 44% من الأصوات، مقابل أقل من 19% للحزب المسيحي ونحو 9% لكل من اليسار والخضر.
ولم يسبق لحزب "البديل من أجل ألمانيا" أن نجح في الدخول ضمن ائتلاف حاكم في أي من الولايات الألمانية الـ16 أو في الحكومة الألمانية الاتحادية، إذ ترفض جميع الأحزاب الرئيسية الأخرى التعاون معه، وهي سياسة اشتهرت باسم "الجدار العازل".
إعلان
لكن في هذه المرة يبدو أن الحزب الذي تأسس قبل 13 عاما، بات يملك فرصة حقيقية لتجاوز العزل وتولي السلطة في ولاية ألمانية، علما بأن فرصته تتوقف أيضا على ما إذا كانت 3 أحزاب يسارية -حزب "اليسار" والحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر- ستتجاوز عتبة الـ5% اللازمة للفوز بمقاعد.
تأسس الحزب عام 2013 على يد مشككين في جدوى اليورو كعملة أوروبية، وهو ينتقد بشدة الاتحاد الأوروبي ويؤمن بالاعتزاز القومي بالتاريخ والثقافة الألمانية. لكن الحزب لم يدعُ صراحة في برنامجه لانتخابات البرلمان الألماني (بوندستاغ) عام 2025 إلى الانسحاب من التكتل الأوروبي.
تقول وكالة الأنباء الألمانية إن حزب البديل استفاد من سنوات من القلق لدى كثير من الناخبين الألمان بشأن الأعداد الكبيرة من اللاجئين الذين يسعون للحصول على اللجوء في البلاد قادمين من دول مزقتها الحروب مثل سوريا وأوكرانيا.
ويشعر العديد من الألمان بالإحباط من الأحزاب التقليدية والحاكمة ومما شهدته البلاد في الفترة الماضية من ركود اقتصادي وارتفاع للأسعار، علما بأن زيغموند وعد مواطني سكسونيا قبل أيام بعصر من الازدهار الاقتصادي حال فوز حزبه بالسلطة في الولاية.
كما استفاد الحزب من الانقسامات المستمرة بين الشرق والغرب، حيث يحظى الحزب المناهض للهجرة والمرتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا، بشعبية واضحة في الولايات التي كانت جزءا من ألمانيا الشرقية في السابق.
فعندما انهار جدار برلين عام 1989، مؤذنا بنهاية جمهورية ألمانيا الديمقراطية الشيوعية وتوحد شطري ألمانيا، أُغلقت العديد من الشركات المملوكة للدولة، ما أدى إلى بطالة واسعة النطاق ونزوح سكاني، ما أثار غضبا في النفوس وإحساسا بانتقاص المكانة.
وبعد عقود لا يزال متوسط الأجور والمدخرات أدنى في الشرق، فيما لا تزال الشركات الكبرى متمركزة غربا، ناهيك عن كون الألمان الشرقيين، الذين يشكلون خُمس السكان، لا يحظون بتمثيل كاف في الحياة السياسية، على حد تعبير وكالة الصحافة الفرنسية.
هناك سبب آخر لتأييد حزب البديل وهو سعيه لتعديل المناهج المدرسية التي تنتقد الرايخ الثالث وتحمله مسؤولية الخسارة في الحرب العالمية الثانية، وهو ما يروق للشعبويين الذين يمتلكون رأيا آخر في تلك الحقبة التي قادها الزعيم النازي أدولف هتلر.
كما يجذب الحزب اهتمام أصحاب الاتجاهات المحافظة خصوصا فيما يتعلق بظاهرة انتشار الشذوذ، حيث يؤكد برنامجه حال تولي السلطة في سكسونيا أنهالت على حظر أعلام الشواذ "قوس قزح" في المدارس، وكذلك تبني الهياكل الأسرية التي تقوم على الزواج بين رجل وامرأة، علما بأن الرئيسة المشاركة للحزب أليس فايدل تعيش في علاقة مع شريكة مثلية الجنس.
حسب برنامجه في آخر انتخابات عامة، يدعو الحزب إلى فرض رقابة على حدود البلاد و"إعادة التهجير"، وهو مصطلح يستخدم في أوساط اليمين المتطرف للإشارة إلى إعادة توطين بعض المهاجرين قسرا خارج ألمانيا.
حدد الحزب خطة من 10 نقاط للأولويات خلال أول 100 يوم حال وصوله إلى السلطة، متعهدا بخفض عدد الوزارات في الولاية، وإنشاء لجنة للتحقيق في التعامل مع جائحة فيروس كورونا، وكذلك تخصيص فصول منفصلة لأطفال طالبي اللجوء، وإلغاء العقود مع هيئة الإذاعة العامة الإقليمية "إم دي آر".
إعلان
وتشمل التعهدات الأخرى السماح للأطفال بالتعليم المنزلي، ووقف بناء توربينات الرياح، وإنشاء قوة مهام لتسريع عمليات الترحيل.
بداية يخشى كثير من الألمان من التوجه اليميني المتطرف لحزب البديل، وهو كما ذكرنا الوصف الذي تطلقه عليه رسميا وكالة الاستخبارات الداخلية التي سبق أن أعلنت أن "الفهم القائم على العِرق والأصل للشعب، والذي يسود داخل الحزب، يتعارض مع النظام الديمقراطي الحر".
من أبرز الفئات التي ترفض حزب البديل أولئك الذين قدموا إلى ألمانيا وحصلوا على جنسيتها في العقود الماضية، وأغلبهم من تركيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يشعرون بالقلق من مواقفه المعادية للهجرة والمهاجرين ومجاهرته بتبني سياسات للتهجير القسري تحت مسمى "الهجرة المعاكسة".
وأعلن زيغموند قبل يومين أن هناك الكثير مما يمكن تنفيذه ضد المهاجرين من اليوم الأول لوصول حزبه إلى السلطة ومن ذلك فرض العمل الإجباري على طالبي اللجوء في جميع أنحاء الولاية.
كما يخشى الألمان من انحراف مسيرة الديمقراطية التي تم تشييدها على أنقاض الحكم النازي، وبالتالي العودة مجددا إلى حكم استبدادي فاشي.
كما يخشى رافضو اليمين المتطرف من عزوف المستثمرين الأجانب حال فوز حزب البديل، وهو ما حذر منه المستشار الألماني فريدريش ميرتس قبل أسبوع من الانتخابات.
كما عبّر رئيس شركة سيمنز إنرجي لتكنولوجيا الطاقة عن رأي مماثل وقال لوكالة الأنباء الألمانية إن برنامج الحزب، الذي يدعو إلى العودة للفحم والطاقة النووية، سيضر بموقع ألمانيا الاقتصادي.
هناك أيضا موقف حزب البديل من روسيا حيث ينظر إليه على أنه أكثر تأييدا للكرملين من أي حزب رئيسي آخر، فقد سبق أن انتقد العقوبات المفروضة على موسكو بسبب حربها ضد أوكرانيا، كما دعا إلى استئناف شراء الغاز الروسي وإنهاء إمدادات الأسلحة إلى كييف.
وبالإضافة إلى رفض أجهزة الدولة لليمين المتطرف، فإن العديد من الألمان يخشون من فتح الباب لمثل هذا التغيير بالنظر إلى التصدعات الجيوسياسية الراهنة والركود الاقتصادي، فضلا عن التاريخ المضطرب للبلاد.
حلم أم كابوسفي الختام، من المهم التوضيح أن حكومات الولايات الألمانية تتمتع بصلاحيات كبيرة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والشؤون الثقافية ووسائل الإعلام، في حين تحتفظ الحكومة الاتحادية في برلين بالاختصاص الحصري في الشؤون الخارجية والدفاع والضرائب والهجرة.
ومن المفارقات في هذه الانتخابات أن فوز حزب "البديل من أجل ألمانيا" سيعني بشكل مباشر أن يصبح زيغموند، البالغ من العمر 35 عاما، أصغر رئيس حكومة ولاية في تاريخ ألمانيا، في حين سيكون الأمر بمثابة كابوس للمستشار فريدريش ميرتس، الذي سبق أن تعهد علنا بخفض شعبية الحزب اليميني المتطرف إلى النصف.
إقرأ المزيد


