الجزيرة.نت - 9/6/2026 9:32:57 PM - GMT (+3 )
Published On 6/9/2026
يشهد العراق تحولا ديموغرافيا تدريجيا بدأت ملامحه تظهر في حجم الأسر ومعدلات الولادة، بعدما سجلت معدلات الخصوبة تراجعا واضحا خلال العقود الأخيرة، في مؤشر على تغير أنماط الحياة والظروف الاجتماعية والاقتصادية للعائلات العراقية.
ويقول الخبير الديموغرافي ومدير عام الشؤون الفنية في وزارة التخطيط العراقية قصي عبد الفتاح رؤوف للجزيرة، إن معدلات الزيادة السكانية بدأت تشهد نزولا واضحا، بالتزامن مع تراجع حجم الأسرة وانخفاض معدلات الخصوبة.
وتكشف مقارنة الأرقام حجم هذا التحول؛ فبينما كانت المرأة العراقية تنجب في المتوسط نحو ستة أطفال عام 1997، أظهر تعداد عام 2024 انخفاض معدل الخصوبة إلى نحو 3.1 ولادة للمرأة في سن 15 إلى 49 عاما. وبالتوازي، تراجع متوسط حجم الأسرة من سبعة أو ثمانية أفراد سابقا إلى نحو خمسة أفراد.
ولا يأتي هذا التراجع بمعزل عن التحولات التي شهدها المجتمع العراقي، إذ يربطه رؤوف بارتفاع مستويات التحضر والتعليم، حيث تسجل المناطق الحضرية والمحافظات ذات المستويات التعليمية الأعلى معدلات خصوبة أقل. كما أسهم دخول المرأة إلى سوق العمل، إلى جانب تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في إعادة تشكيل خيارات الأسر بشأن عدد الأطفال وتوقيت الإنجاب.
مرحلة الانكماش السكانيلكن انخفاض الخصوبة لا يعني أن العراق دخل مرحلة الانكماش السكاني، فمعدل 3.1 ولادة للمرأة لا يزال أعلى من مستوى الإحلال السكاني البالغ 2.1، وهو المستوى الذي يحافظ عنده السكان، في الظروف الأخرى الثابتة، على حجمهم من جيل إلى آخر.
وبذلك يستمر الزخم السكاني في العراق، لكن بوتيرة أبطأ، فيما تشير الإسقاطات السكانية لوزارة التخطيط إلى أن مسار التراجع قد يتواصل خلال العقود المقبلة، مع توقع انخفاض معدل الخصوبة إلى نحو 2.3 ولادة للمرأة بحلول عام 2050، ليقترب تدريجيا من مستوى الإحلال.
إعلان
ولا تطرح السلطات، بحسب رؤوف، مسألة تحديد عدد الأطفال، بل تتجه المعالجة نحو تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية، عبر نشر الوعي لدى النساء والرجال، وتشجيع المباعدة الصحية بين الولادات، والحد من الزواج والحمل المبكرين، وتقليل حالات الحمل غير المخطط له.
ويبرز تمكين المرأة تعليميا واقتصاديا كأحد العوامل المهمة في هذا المسار، إذ أظهرت بيانات التعداد ارتباط مستوى التعليم بقدرة الأسرة على التخطيط لعدد الولادات، في وقت بلغت فيه نسبة الزواج المبكر بين النساء نحو 24%، مع اتجاه نحو التراجع.
ولا يواجه العراق اليوم أزمة انخفاض سكاني، بل تحولا في شكل النمو السكاني نفسه؛ أسر أصغر، وخصوبة أقل، وولادات تتراجع تدريجيا، في مسار قد يقود بحلول منتصف القرن إلى الاقتراب من مستوى الإحلال السكاني، بما يفتح الباب أمام مرحلة ديموغرافية مختلفة عن تلك التي عرفها العراق خلال العقود الماضية.
إقرأ المزيد


