الجزيرة.نت - 9/6/2026 9:02:50 PM - GMT (+3 )
طهران- مع الارتفاع الحاد في سعر الدولار بالسوق الحرة، وضع البنك المركزي الإيراني ملياري دولار على طاولة الدفاع عن العملة المحلية، في محاولة لاحتواء موجة هبوط جديدة دفعت الريال إلى مستويات قياسية.
وقال محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي إن المصرف مستعد لعرض ما يصل إلى ملياري دولار لإدارة سوق الصرف، مؤكدا أن إيران تملك ما يكفي من العملة الأجنبية، وأن تحصيل المستحقات الخارجية ما زال مستمرا، إلى جانب وجود احتياطيات وموارد داخلية لم يكشف تفاصيلها.
غير أن تصريح همتي تحدث عن "الاستعداد للعرض"، ولم يحدد موعد الضخ أو آليته، أو ما إذا كان المبلغ سيُطرح دفعة واحدة أم تدريجيا. كما لم يكشف مصدره أو حجم الاحتياطيات السائلة التي يستطيع البنك المركزي استخدامها فورا.
ووفقا لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، قال همتي إن البنك المركزي وفر نحو 18 مليار دولار منذ بداية السنة الإيرانية رغم العقوبات، وإنه مستعد لعرض ملياري دولار لإدارة التقلبات الأخيرة، معتبرا أن سيناريو انهيار الاقتصاد لم يتحقق.
ويأتي الإعلان في وقت تواجه فيه إيران معادلة مركبة تتمثل في حماية الريال، وتمويل استيراد الغذاء والدواء والمواد الأولية، ومواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب وإعادة إعمار المنشآت المتضررة، بالتزامن مع اضطراب قنوات بيع النفط وتحويل عائداته.
أكثر من عامل نفسييعزو همتي القفزة الأخيرة في سعر الدولار بدرجة كبيرة إلى الأجواء النفسية، متوقعا أن تهدأ الاضطرابات في سوق الصرف. لكنّ تحليلا نشرته وكالة إرنا ربط ارتفاع العملة بمجموعة عوامل متزامنة، بينها تراجع الوصول إلى الموارد الأجنبية، واضطراب مسارات التحويل، وزيادة الطلب على العملة لتمويل الواردات، والحصار الاقتصادي، إلى جانب التوقعات التضخمية.
وأوضح التحليل أن صعود الدولار لا يمكن تفسيره بالمضاربة أو بصدمة مؤقتة وحدهما، لأن القيود المفروضة على الوصول إلى عائدات الصادرات تضغط على جانب العرض، في حين رفعت احتياجات الاستيراد بعد الحرب الطلب الحقيقي على العملة.
إعلان
ويتعرض الريال كذلك لضغط تضخمي شديد، إذ أعلن مركز الإحصاء الإيراني أن معدل التضخم السنوي بلغ 69.9% في أغسطس/آب الماضي، بزيادة 3.9 نقاط مئوية عن الشهر السابق، بينما بلغت زيادة أسعار مجموعة الغذاء 128% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وتزيد هذه المعطيات صعوبة مهمة البنك المركزي، إذ يستطيع التدخل المباشر زيادة عرض الدولار وكبح موجة الشراء لفترة، لكنه لا يعالج وحده التضخم أو اضطراب تدفق الإيرادات أو ارتفاع كلفة الوصول إلى العملة الأجنبية.
تدفقات لم تتوقف
يرى الخبير الاقتصادي محمد إسلامي أن البنك المركزي يمتلك القدرة على توفير الملياري دولار، مستندا إلى استمرار التدفقات الناجمة عن الصادرات الإيرانية رغم الحرب والحصار.
ويقول إسلامي للجزيرة نت، إن التدفق النقدي للصادرات الإيرانية لا يزال قائما. فحتى في أصعب أيام الحرب، ثم خلال فترة الحصار، استمر تصدير النفط والمنتجات النفطية. ولا يعني ذلك أن الصادرات بقيت عند مستواها في الظروف الطبيعية أو في غياب العقوبات، لكنها لم تتوقف، كما أن إنتاج النفط لم ينخفض إلى الصفر.
وتتقاطع إفادته مع تصريح وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد بأن صادرات الخام لم تتوقف "حتى ساعة واحدة" خلال الحرب التي استمرت 40 يوما، رغم استهداف جزيرة خارك والقيود المفروضة على حركة الناقلات.
ويضيف إسلامي أن إيران اكتسبت خلال عقدين أو ثلاثة عقود خبرة في تكييف آلياتها التصديرية مع العقوبات الأمريكية، مستفيدة من امتلاكها نحو 7 آلاف كيلومتر من الحدود البرية و3 آلاف كيلومتر من الحدود البحرية، إلى جانب استمرار صادرات المنتجات النفطية والمعدنية وغيرها من السلع التي توفر دخلا بالعملة الأجنبية.
ويفرق الخبير بين تحصيل عائدات الصادرات ودخولها إلى النظام المصرفي الإيراني، موضحا أن إيرادات إيران من العملة الأجنبية لم تعد مضطرة منذ سنوات إلى العودة إلى المصارف داخل البلاد، بعدما بنت طهران آليات خاصة لتمويل الصادرات والواردات وتحويل الأموال.
وبحسب تقديره، توجد الكتلة الأساسية من الأرصدة الإيرانية في الصين وجنوب شرق آسيا، مع استمرار حركة العائدات عبر الهند وروسيا ودول بشرق أوروبا، إضافة إلى دول في المنطقة مثل العراق وعُمان.
وفي هذا السياق، يقول إسلامي إن قسما مهمّا من الملياري دولار يعود إلى إيرادات الصادرات النفطية وغير النفطية المتحققة خلال الحرب وما بعدها، وإن البنك المركزي يستطيع استخدامه للحد من تسارع سعر الصرف إذا قرر ذلك.
لكنّ استمرار التصدير لا يجيب بمفرده عن حجم الأموال القابلة للاستخدام، فإتمام عملية البيع لا يعني بالضرورة قدرة البنك المركزي على تحويل العائدات أو استخدامها بالسرعة والكلفة نفسيهما في الظروف الطبيعية.
يشدد إسلامي على أن تصريح همتي لا يعني اتخاذ قرار بضخ المبلغ كاملا، قائلا إن محافظ البنك المركزي أعلن القدرة على التدخل، لكنه "لم يقل إن الملياري دولار ستُضخان حتما".
ويربط قرار التدخل بمدة الحرب التي لا تستطيع الحكومة تقديرها بدقة، موضحا أنه إذا أخذت السلطات في الحسبان احتمال استمرار الظروف الحربية عامين أو عامين ونصف العام، فستُضطر إلى تحرير مواردها الأجنبية تدريجيا لتجنب التعرض لصدمة في المستقبل.
إعلان
ويرى إسلامي أن بعض القراءات الخارجية تخطئ عندما تفسر وضع الاقتصاد الإيراني انطلاقا من مؤشرات الاقتصاد الكلي وحدها، وتفترض أن تجاوز التضخم مستوى معينا يعني اقتراب الاقتصاد من الانهيار.
ويقول إن الأولوية الأولى للاقتصاد الإيراني منذ سنوات هي الصمود، وإن العقوبات تراكمت تدريجيا، مما دفع قطاعات الغذاء والملابس والتغليف والسيارات وغيرها إلى زيادة اعتمادها على الإنتاج المحلي وبناء قدرة على امتصاص الصدمات.
ولا ينفي إسلامي أن التضخم يمثل نقطة ضعف، لكنه يرى أنه لا يعني بمفرده أن الاقتصاد يقف على حافة الانهيار. ويضيف أن الأولوية بالنسبة إلى القطاع الخاص ليست خفض التضخم أو سعر الصرف بأي ثمن، بل جعل مسارهما قابلا للتوقع حتى تتمكن الشركات من اتخاذ قراراتها.
وبناء على ذلك، يعتقد أن هدف الحكومة في المرحلة الحالية هو إبقاء تقلبات سعر الصرف والتضخم ضمن نطاق تمكن إدارته، وليس إعادة الدولار سريعا إلى مستوياته السابقة.
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي بيمان مولوي أن ضخ ملياري دولار لن يغير الاتجاه العام للعملة ما دامت أسباب تراجعها قائمة.
ويقول مولوي للجزيرة نت إن التدخل "قد يحدث أثرا نفسيا قصير الأمد، لكنه لن يوقف انخفاض قيمة الريال بصورة مستدامة"، موضحا أنه عندما تكون الأزمة مرتبطة بالتضخم والحرب والعقوبات وتراجع الإيرادات الأجنبية وزيادة الطلب على العملة، فإن ضخ الملياري دولار "لا يمثل علاجا، بل شراء للوقت".
ويضيف أنه إذا لم تتغير العوامل الأساسية فسيعود الضغط على سعر الصرف بعد انتهاء التدخل، لافتا إلى أن السؤال الأهم لا يتعلق بإجمالي احتياطيات إيران، بل بحجم الأرصدة السائلة التي يستطيع البنك المركزي استخدامها فعليا.
ويشرح مولوي أن "هناك فرقا بين الاحتياطيات المسجلة على الورق والاحتياطيات المتاحة والقابلة للتحويل"، وأن العقوبات تجعل جزءا من الأصول الإيرانية خارج البلاد مقيدا أو صعب الاستخدام.
ويتابع: "المهم هو مقدار العملة التي يستطيع البنك المركزي ضخها من دون الإضرار بتمويل الواردات الأساسية، وهذا الرقم غير معلن".
ولا يتفق مولوي مع تفسير ارتفاع سعر الدولار بالعوامل النفسية أساسا، قائلا إن توقعات السوق نفسها تستند إلى عوامل حقيقية. فالحرب والعقوبات والتضخم وتراجع تدفقات العملة والغموض بشأن المستقبل تدفع الأفراد والشركات إلى شراء الدولار وغيره من الأصول لحماية مدخراتهم.
ويضيف أن "السوق يسعر التوقعات، لكنّ هذه التوقعات ليست منفصلة عن الواقع الاقتصادي".
احتياطيات أم واردات؟
تكشف الأرقام الرسمية حجم المنافسة على موارد البنك المركزي. فقد أعلن همتي تخصيص 3.7 مليارات دولار لاستيراد السلع الأساسية والأدوية خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة الإيرانية، وقال إن استخدام بعض الأرصدة المقيدة لشراء هذه السلع أتاح تحرير موارد أخرى لتمويل احتياجات الصناعة.
وكان نائب محافظ البنك المركزي قد أعلن قبل ذلك توفير أكثر من 17 مليار دولار منذ بداية السنة، قبل أن يرفع همتي الرقم لاحقا إلى نحو 18 مليارا. كما قال البنك المركزي إن متوسط تمويل احتياجات المستوردين بلغ 175 مليون دولار يوميا، مقارنة بنحو 205 ملايين دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويحذر مولوي من أن تكرار التدخل قد يضع المصرف أمام مفاضلة أكثر حدة بين استقرار العملة والحفاظ على احتياطياته، قائلا "إما أن يسمح البنك المركزي للريال بامتصاص جانب من الضغوط عبر انخفاض قيمته، وإما أن يستخدم مزيدا من موارده للدفاع عنه".
ويضيف أن استخدام الاحتياطيات لدعم الريال في ظل الحرب وتراجع الإيرادات قد يتحول إلى سيناريو شديد الكلفة، ولا سيما إذا لم تترافق العملية مع معالجة التضخم وعجز الموازنة وأسباب ضعف تدفقات العملة.
إعلان
ويخلص مولوي إلى أن المشكلة ليست نقص بضعة مليارات من الدولارات، بل "ضعف القدرة على الإنتاج وتوليد تدفقات مستدامة من العملة الأجنبية"، محذرا من أن السيناريو الأكثر تشاؤما يتمثل في إنفاق احتياطيات محدودة وقيّمة على الدفاع عن الريال من دون معالجة أسباب تراجعه.
ولا يقتصر اختبار الملياري دولار على قدرة البنك المركزي على خفض سعر الدولار مؤقتا، بل يمتد إلى قدرته على استعادة استقرار السوق دون الإضرار بتمويل الواردات أو استنزاف موارد تحتاجها إيران في ظل حرب لا يُعرف مداها.
إقرأ المزيد


