من الخطف إلى الترحيل.. ناشط بريطاني يكشف للجزيرة نت ما فعلته به إسرائيل
الجزيرة.نت -

لندن- عاد الطالب البريطاني فين جوغين (22 عاما) إلى لندن بعد ترحيله من إسرائيل، مع شعور بالصدمة، يقول إنها بدأت خلال وجوده متطوعا دوليا في قرية أم الخير بمسافر يطا في جنوب الضفة الغربية، وانتهت باحتجازه ثم ترحيله، على خلفية مواجهة وقعت بين أطفال فلسطينيين ومستوطِنين إسرائيليين في القرية.

وتصدرت وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع لمستوطنين مسلحين اقتادوا فين جوغين بقوة السلاح قبل أن يحتجز أياما في إسرائيل التي أصدرت أمرا بترحيله. وتواصلت الجزيرة نت مع جوغين فور عودته إلى بريطانيا ليحكي تفاصيل اختطافه.

وتقدم روايته صورة عن ما يسميه النشطاء "الحضور الوقائي"، وهو الحراك الذي يشارك فيه متطوعون دوليون في مناطق فلسطينية معرضة لاعتداءات المستوطنين.

الناشط البريطاني فين جوغين رحّلته إسرائيل من الضفة الغربية (الجزيرة)
تحت ضغط المستوطنين

تقع قرية أم الخير ضمن المنطقة المصنفة "ج" من الضفة الغربية، وهي المنطقة التي بقيت، بموجب ترتيبات اتفاقية أوسلو، تحت السيطرة الإسرائيلية الأمنية والإدارية. وتمثل المنطقة نحو 60% من مساحة الضفة، وتضم معظم المناطق الريفية المفتوحة ومساحات واسعة من الأراضي الزراعية والرعوية، إضافة إلى مستوطنات وبؤر استيطانية ومناطق عسكرية.

لكن أهمية تصنيف "ج" بالنسبة إلى نشطاء "الحضور الوقائي" لا تتوقف عند حدود السيطرة العسكرية، فتخطيط الفلسطينيين للبناء واستعمال الأرض يخضعان لإجراءات إسرائيلية تجعل توسع التجمعات الفلسطينية أو إنشاء مبان جديدة عملية شديدة الصعوبة، في وقت تتوسع فيه المستوطنات والبؤر الاستيطانية المحيطة بها.

وفي مسافر يطا تحديدا، يعيش سكان عدد من التجمعات البدوية والزراعية وسط أوامر هدم وقيود على البناء، إلى جانب التوسع الاستيطاني والاعتداءات التي يقول السكان إنها تدفعهم تدريجيا إلى ترك أراضيهم.

إعلان

وتعرف أم الخير، الواقعة في مسافر يطا، منذ سنوات بأنها إحدى القرى التي تواجه ضغوطا متزايدة من المستوطنين والسلطات الإسرائيلية. وقد تصاعد الاهتمام بها بعد مقتل الناشط الفلسطيني عودة الهذالين، أحد أبرز الوجوه الحقوقية في المنطقة، برصاص مستوطن في يوليو/تموز 2025.

ويقول الناشط جوغين إنه تعرّف على واقع القرية خلال برنامج تعليمي وحقوقي شارك فيه، ثم قرر السفر إليها والبقاء فيها مع أحد أصدقائه. وكان قد زار منطقة "التواني" القريبة في 20 أغسطس/آب، ثم عاد إلى أم الخير في 27 من الشهر نفسه، وأمضى فيها ليلتين.

وخلال وجوده هناك، حذره الفلسطينون من هجمات محتملة للمستوطنين، لكنه لم يكن يتوقع حدوثها. يقول إنه شاهد مظاهر التوتر المحيط بالسكان، ومن بينها إقامة بؤرة استيطانية جديدة بالقرب من أحد المنازل، ووضع أسلاك شائكة بالقرب من مدخل خلفي لمنزل، وقيود قال إن الجيش الإسرائيلي يفرضها على حظائر الأغنام والماعز.

فين جوغين أثناء مقابلة مع الجزيرة نت (الجزيرة)
من ملعب الكرة إلى البؤرة الاستيطانية

يروي جوغين للجزيرة نت، أن التصعيد بدأ عصر السبت (29 أغسطس/آب)، عندما كان يلعب كرة القدم مع أطفال فلسطينيين في القرية.

ويقول إن مجموعة من خمسة أو ستة مستوطنين شبان ومراهقين وصلت إلى الملعب وحاولت السيطرة عليه، ثم وصل آباء وأفراد من العائلات الفلسطينية إلى المكان. ومع تصاعد التوتر، تدخل ناشطون فلسطينيون ومتطوعون دوليون للفصل بين الأطفال.

لكن المواجهة لم تنته هناك، فقد تحرك المستوطنون باتجاه منزل أحد سكان أم الخير، وحاولوا فتح بوابته وتفكيك السياج المحيط به.

كان جوغين يصور ما يحدث، ثم وقف وظهره إلى السياج في محاولة لمنع تفكيكه، لكن مجموعة من الفتية المستوطنين بدأت بإزالته، ثم تعرض هو نفسه للركل والدفع واللكم.

وبحسب روايته، وصل رجل بالغ بعد ذلك وأمسكه ودفعه، ثم أمسك رجلان آخران بذراعيه، ووضع أحدهما ذراعه حول عنقه وقام الآخر بلي ذراعه خلف ظهره، واقتادوه إلى داخل البؤرة الاستيطانية.

هناك، يقول إنه وضع داخل مبنى إسمنتي، وكان يراقبه أربعة أو خمسة رجال مسلحين ببنادق هجومية. وأُخذ هاتفه ومحفظته، وطُلب منه إبراز جواز سفره، وكان أحد الموجودين يصوره.

ويقول إن المستوطنين اتهموه بأنه "أناركي" (ثوري متمرد) وسألوه عن علاقته بأشخاص في إيران، ثم وصلت لاحقا قوة من الجيش الإسرائيلي، ووصف جوغين اتهامات الفلسطيني بأنه "إرهابي" والناشط الدولي بأنه "أناركي" بأنها "أحكام مسبقة".

من الاحتجاز إلى الترحيل

أخبر فين جوغين الجنود بأنه تعرض للاختطاف والاعتداء، لكنه تلقى صراخا وإهانات قبل نقله إلى مركز شرطة في مستوطنة "كريات أربع" بمدينة الخليل.

في البداية، قالت له محامية إن الشرطة تحقق معه في شبهة اعتداء، وإنها شاهدت مواد مصورة للواقعة من عدة زوايا. ويقول إن محاميته أبلغته بأنها رأت خمسة أو ستة تسجيلات مختلفة، ونصحته بالتمسك ببراءته والإشارة إلى وجود شهود ومقاطع مصورة.

وفي الساعات الأولى من الصباح، أُبلغ بأنه سيُفرج عنه بشرط منعه من دخول الضفة الغربية خلال بقية فترة وجوده في البلاد. لكن عادت الشرطة وأبلغته في اللحظة الأخيرة بأن "جهة عليا" قررت إبقاءه محتجزا، قبل أن يتم توقيفه رسميا.

إعلان

وفي اليوم التالي، نُقل مكبلا إلى محكمة الصلح في القدس المحتلة، لكنه يقول إن القضية لم تُبحث أمام القاضي، وإن المحامية والمدعي العام اتفقا على مسار يقضي بترحيله بدلا من استمرار الإجراءات القضائية.

بعد ذلك نُقل إلى مركز احتجاز للمهاجرين قرب مطار اللد (بن غوريون)، حيث يقول إن أسئلة المحققين ركزت بدرجة أكبر على أسباب وجوده في إسرائيل والضفة الغربية، ومواقفه من إسرائيل والحرب على غزة وإيران، أكثر مما ركزت على تفاصيل الاتهامات الموجهة إليه.

وفي النهاية، وقع أوراق الترحيل وتنازل عن حق الاستئناف، بعدما قيل له إن الطعن قد يعني بقاءه في السجن عدة أيام إضافية وحُظرت عليه العودة مرة أخرى لعشر سنوات.

دعم قنصلي دون إدانة

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية للجزيرة نت: "قدمنا دعما قنصليا لرجل بريطاني تم احتجازه في أم الخير، وكنا على اتصال بعائلته والسلطات الإسرائيلية".

وردا على استفسارت الجزيرة نت، أشارت الحكومة البريطانية إلى أنها تواصل الضغط على إسرائيل بشأن عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وأحالت إلى بيانات رسمية تدين تصاعد عنف المستوطنين في الضفة، ودعت إسرائيل إلى حماية السكان الفلسطينيين واتخاذ إجراءات ذات معنى لمنع عنف المستوطنين ومحاسبة المسؤولين عنه، كما أكدت أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي وتقوض فرص حل الدولتين.

أبعد من حادثة فردية

بعد عودته إلى لندن، يقول فين جوغين إنه بدأ توثيق الإصابات التي تعرض لها، ويتواصل مع محامين وباحثين قانونيين، كما يناقش إمكانية طرح القضية أمام جهات دولية وبرلمانية.

ولا يرى الطالب البريطاني أن ما جرى له حادث منفصل عن السياق الأوسع في مسافر يطا. ويقول إن القضية، بالنسبة إليه، تتعلق بما يحدث لسكان أم الخير والقرى المحيطة بها، في ظل استمرار أوامر الهدم والتوسع الاستيطاني.

واختتم حديثه للجزيرة بأن أهم ما يشغله الآن هو جلسة قضائية مقررة في سبتمبر/أيلول بشأن أمر هدم موقوف التنفيذ، ويقول إن نتيجتها قد تكون حاسمة لمستقبل أجزاء من أم الخير، مؤكدا أنه سيمضي قدما في إجراءاته القانونية ضد إسرائيل ساعيا إلى العدالة من أجل الفلسطينيين وليس لقضيته الفردية.



إقرأ المزيد