الجزيرة.نت - 9/6/2026 6:57:49 PM - GMT (+3 )
نابلس- في قرية عورتا جنوب نابلس، استيقظ الأهالي فجر 28 أغسطس/آب الماضي على اقتحام آليات الاحتلال للقرية، وفوجئوا بإجبار عدد من المواطنين على مسح عبارات وطنية خُطّت في أوقات سابقة على جدران بنايات ومنشآت في البلدة.
تخلل الاقتحام إجبار مواطنين، بعد احتجازهم، على مسح عبارات ورسومات بعضها للرئيس الراحل ياسر عرفات وقبة الصخرة بالمسجد الأقصى، وشعارات وطنية أخرى.
حدث ذلك بالتزامن مع تحطيم نصب تذكاري لشهداء قرية مادما جنوب المدينة في الوقت ذاته، ومع حملة أوسع في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة.
ذكريات 87وفق رئيس مجلس قروي عورتا حُديْثة عواد، فإن جنود الاحتلال احتجزوا مواطنا في البلدة وقت اقتحامها، ثم أجبروه على شراء علبة طلاء على حسابه الشخصي ومسح عبارات على جدران إحدى المدارس، ثم ازداد العدد ليصل إلى خمسة مواطنين. واستمرت العملية مدة ساعتين، مسحوا خلالها عبارات ورموزا وطنية أخرى كانت مكتوبة على الجدران.
ويوضح رئيس المجلس في حديثه للجزيرة أن ما حدث يعيد الذاكرة إلى ممارسات الاحتلال أيام الانتفاضة الأولى عام 1987، حيث اعتاد الجنود على اقتحام المنازل واعتقال الرجال وإجبارهم على مسح العبارات الوطنية عن الجدران أو إنزال الأعلام الفلسطينية عن البيوت والمدارس.
ويضيف: "قسم كبير من هذه الشعارات مخطوط منذ سنوات وليس جديدا، وهذه الممارسات تهدف إلى تحجيم الفلسطيني وقمعه وإعادته إلى الوراء".
وأكد عواد أن بلدة عورتا، التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 8 آلاف نسمة، مستهدفة من المستوطنين -بحجة وجود مقامات دينية- للسيطرة عليها واعتبارها مزارا لهم.
معركة سوكوتوبالتزامن مع اقتحام عورتا، كان عضو الكنيست تسفي سوكوت يهدم بيديه نصبا تذكاريا لشهداء قرية مادما، جنوب المدينة، في مشهد أثار ردودا إسرائيلية متباينة.
أحمد أبو نصار، من سكان مادما اعتاد المرور يوميا من أمام النصب ذاته، المقام وسط القرية، وفي كل مرة يستذكر مشهد عضو الكنيست الإسرائيلي وهو يحمل معولا حديديا ويهدمه بيديه.
إعلان
يضم النصب أسماء شهداء القرية، ويعده السكان معلما وطنيا وصرحا تذكاريا لشهداء القرية، ويقول أبو نصار إن مشهد تحطيمه كان "قاسيا جدا" وخاصة على أهالي الشهداء الذين اعتادوا قراءة الفاتحة على أرواحهم عند المرور به.
يؤكد المواطن الفلسطيني في حديثه -للجزيرة نت- أن سوكوت وصل قبل نحو شهرين إلى المنطقة الشمالية من القرية، وطالب جيش الاحتلال بهدم النصب، ثم أتى بنفسه لتنفيذ ذلك، وبالفعل حطمه بحماية كاملة من جيش الاحتلال.
وبُني النصب قبل 18 عاما، ويضم أسماء شهداء القرية وقادة بعض الفصائل فيها، إضافة إلى أسماء ثلاثة شهداء لا تزال جثامينهم محتجزة في مقابر الأرقام.
ويرى أبو نصار وآخرون من أهالي القرية أن العقلية المتطرفة لدى الحكومة الإسرائيلية تحاول تثبيت فكرة لدى عموم الشعب الإسرائيلي مفادها أن العضو الأكثر تطرفا هو من يحقق آمال ورغبات دولة الاحتلال وتوسعها.
ويضيف أن الشهيد الفلسطيني محفوظ في ذاكرة الناس، واصفا أسلوب التدمير بأنه "فاشي" ومحاولة للتنكيل بالشعب الفلسطيني، "فإسرائيل لا تمارس الاحتلال من خلال الدبابات فقط، بل تمارسه بمحاربة الهوية الفلسطينية وثقافتها ونضالها".
أسماء شهداءأما رئيس مجلس قروي مادما، رامي نصار، فأوضح أن النصب يحوي أسماء شهداء البلدة جميعهم، وبعضهم استشهد خلال الحكم البريطاني قبل أكثر من قرن وآخرون لا تزال جثامينهم محتجزة لدى الاحتلال، وهو ما جعله بمثابة ضريح تزوره عائلات الشهداء الذين لم يتمكنوا من دفن أبنائهم.
ويؤكد في حديثه -للجزيرة نت- أن العمل الذي قام به عضو الكنيست يندرج ضمن الدعاية الانتخابية القائمة في إسرائيل هذه الأيام، خاصة أن المستوطنين أصبحوا أكثر دعما للتوجهات الأكثر تطرفا وعنفا ضد الشعب الفلسطيني، وفق تقديره.
أما الرسالة المراد إيصالها فهي أن السيطرة الأمنية في القرى والبلدات الفلسطينية لإسرائيل وجيشها ومستوطنيها، كما يقول رئيس المجلس القروي.
وقبل أيام، طالب وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بهدم 42 نصبا تذكاريا في الضفة الغربية، وذلك عقب انتقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، لما فعله سوكوت.
وشهدت مناطق واسعة في الضفة الغربية اعتداءات مشابهة على رموز وطنية، حيث أقدمت مجموعة من المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال، على تحطيم ضريح الشهيد محمد أبو بكر الجنيدي خلال اقتحامها قرية الجنيد غرب مدينة نابلس، في 31 يوليو/تموز الماضي.
كما أقدم مستوطن على إزالة علم فلسطين عن مدرسة في بلدة حوارة جنوب نابلس، ورفع علم الاحتلال مكانه.
ويوم الأربعاء الماضي، مزق جنود الاحتلال صور الشهداء في قرية كفر مالك، قضاء رام الله، خلال اقتحامهم البلدة، وقبل ذلك دمروا جداريات شهداء وقادة وفنانين بقرية الطبقة جنوبي الضفة.
وتشهد البلدة القديمة في مدينة نابلس بشكل مستمر اعتداءات جنود الاحتلال على النصب التذكارية للشهداء وصورهم المعلقة على جدران المنازل والمحال التجارية فيها.
ويرى خبراء أن هذه الممارسات تندرج ضمن عقلية تجريم الفعل النضالي، وقد استمرت على مدار عقود من احتلال الضفة الغربية، وتأتي ضمن عمليات مداهمة بيوت عزاء الشهداء أو منع إقامتها، ومنع الاحتفال بخروج الأسرى من السجون الإسرائيلية، ووصلت إلى الاعتراض على تسمية بعض الشوارع تيمنا بأسماء الشهداء.
إعلان
ويرى المختص في الشأن الإسرائيلي خلدون البرغوثي في حديثه للجزيرة نت أن الاستعمار يلجأ إلى ثلاثة أساليب في قمع الشعوب المستعمَرة هي:
- نزع الإنسانية: حتى يسهل على جنوده ارتكاب كل جريمة بحقهم، وصولا إلى حرمانهم من تكريم الشهداء الذين ضحوا بأغلى ما يملك الإنسان، وهو حياته.
- تشييء الفلسطيني: بتحويله إلى ما يشبه الجماد الذي يمكن فعل أي شيء به.
- التغييب: التعامل معه وكأنه غير موجود أو غير مرئي.
تصاعد الإجراءات على الأرض في الضفة ومستوى العنف الموثق وغير المسبوق في غزة، يأتي في إطار حرمان الفلسطيني من كافة أشكال النضال فعليا، وتجريمها في نظره حتى على المستوى الذهني، وفق المحلل الفلسطيني.
إقرأ المزيد


