من وعود الوظائف إلى حقول الألغام.. أفارقة ضحايا التجنيد الروسي للحرب
الجزيرة.نت -

Published On 6/9/2026

كان هواء السجن مثقلا بدخان السجائر ورائحة الشمندر المطهو، بينما كان الأسرى يتجمعون في الفناء بزيهم الأزرق الداكن، وبعضهم يخلع سترته ويواصل تقطيع الحطب بإيقاع منتظم، هؤلاء ليسوا سجناء عاديين، إنهم أسرى حرب، وقعوا في قبضة أوكرانيا بعدما قاتلوا إلى جانب روسيا.

هكذا يصف دومينيك هاوشيلد، مراسل شؤون الدفاع بصحيفة صنداي تايمز ما شاهده وقت دخوله سجنا أوكرانيا مخصصا للمقاتلين الأجانب الذين أُسروا في الحرب.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

هذا السجن، الذي شيدته ألمانيا النازية عام 1941 لاحتجاز أسرى سوفيات يضم الآن نحو ألف أسير من 20 دولة، معظمهم من أفريقيا، إلى جانب مقاتلين من أميركا الجنوبية وأوروبا الوسطى، وبينهم كوريان شماليان أُسرا العام الماضي.

ويعتقد، على نطاق واسع، وفقا للكاتب أن روسيا جندت نحو 30 ألف مقاتل أجنبي من 44 جنسية للقتال في حربها على أوكرانيا، بينهم آلاف الأفارقة.

وراء هذه الأرقام قصص رجال يقولون إنهم لم يذهبوا أصلا إلى روسيا للقتال، فقد استُدرج كثيرون منهم بوعود بوظائف مربحة في روسيا أو أوروبا، قبل أن تتحول الرحلة إلى تجنيد عسكري قسري وإرسال إلى خطوط المواجهة.

تيناشي، مزارع من زيمبابوي، كان يأمل الحصول على 20 ألف دولار من عمل لمدة عام في روسيا، بما يسمح له بشراء أرض وتحسين حياة زوجته وأطفاله الثلاثة.

لكن، عند وصوله إلى موسكو، صودر جواز سفره وهاتفه، ونُقل ليلًا إلى معسكر تدريب، حيث أُجبر على توقيع أوراق باللغة الروسية وارتداء الزي العسكري، كما يقول.

ويضيف أن 8 زيمبابويين كانوا بين مجموعة من الأفارقة الذين وصلوا بالطريقة نفسها، ليكتشفوا لاحقا أنهم خُدعوا.

وتشير شهادة مصدر أمني أوكراني إلى أن هذا الأسلوب أصبح من وسائل التجنيد الروسية، إذ تبدأ العملية بعروض عمل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتيك توك، لوظائف مدنية بأجور مرتفعة، ثم يتحول الأمر إلى توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية.

إعلان

ومن بين نحو 12 أسيرا تحدثوا إلى الصحيفة، قال أكثر من نصفهم إنهم خُدعوا للانضمام إلى الخدمة المسلحة، بعضهم كان يعتقد أنه سيعمل سائقا أو حارس أمن، وقد أغرت معظمهم وعود بمبالغ كبيرة مقابل عمل سهل.

روبرت: أجبرت مع مقاتلين أفارقة آخرين على السير أولاً في حقول ألغام لفتح الطريق أمام الجنود الروس.

وبحلول اكتشاف الحقيقة، كان الوقت قد فات، كما يوضح روبرت، وهو مهندس معماري من بوتسوانا، تلقى ثلاثة أيام فقط من التدريب قبل إرساله إلى دونيتسك.

ويقول إنه فوجئ عند وصوله إلى أوكرانيا بأنهم أعطوه بندقية وأبلغوه بأنه أصبح جنديا روسيا، ثم وجد نفسه في مواجهة القصف والجثث، ويقول إنه أُجبر مع مقاتلين أفارقة آخرين على السير أولا في حقول ألغام لفتح الطريق أمام الجنود الروس.

وهكذا، انفجر لغم تحت قدم روبرت، فأصيب في قدمه ويده، لكن قائده، وفق روايته، هدده بإطلاق النار عليه إذا توقف، ويزعم أنه شاهد أيضا مقاتلين كولومبيين اعتقلوا بعدما طلب أحدهم العلاج، ثم وجد جثثهم بعد ثلاثة أيام.

ويصف إيمانويل، مصمم الغرافيك الغاني، ظروف الجبهة بأنها كانت أقرب إلى الجوع والموت منها إلى الخدمة العسكرية، إذ كان الجنود ينتظرون أياما وصول الإمدادات، ويشربون أحيانا من البرك، ويبحثون في متعلقات القتلى عن الطعام والماء.

ويضيف أن الروس لم يكونوا بحاجة إلى أن يكونوا جنودا مدربين، بل اتخذوهم "طُعما" في مواجهة القوات الأوكرانية.

وتأتي الاستعانة بالأجانب في وقت تتزايد فيه خسائر الجيش الروسي، وتشير تقديرات غير مؤكدة إلى أن هذه القوات تخسر نحو 45 ألف جندي بين قتيل وجريح شهريا، وهو معدل يتجاوز قدرة التجنيد الحالية، بينما لا يزال الكرملين مترددا في إعلان تعبئة عامة جديدة داخل روسيا.

وتستند موسكو أيضا إلى شبكة علاقات واسعة في أفريقيا، فلديها اتفاقات تعاون عسكري مع 43 دولة أفريقية، في إطار علاقات تقدم من خلالها الحبوب والأسمدة والطاقة والأسلحة والتكنولوجيا، مقابل توسيع نفوذها والحصول على فرص لاستغلال الموارد الطبيعية.

يوسف: لا أستطيع العودة إلى روسيا، ولا أستطيع العودة إلى بلدي.. يؤلمني أن أفكر في عائلتي، لقد كتبت لهم رسالة أطلب منهم فيها أن ينسوني… لم أعد قادراً على التفكير في المستقبل.

لكن الأسرى الأجانب يجدون أنفسهم بعد انتهاء القتال في مأزق جديد، فكثيرون لا يريدون العودة إلى روسيا، وقد يواجهون السجن أو حتى الإعدام إذا اتهموا بالفرار من الخدمة، كما أن العودة إلى بلدانهم ليست سهلة، لأن بعض الدول تجرّم القتال في جيش أجنبي.

وفي نفس الإطار يقول يوسف، وهو طالب طب من شمال أفريقيا، إنه التحق بالجيش الروسي بعدما خُيّر بين الخدمة والسجن، لكنه لم يكن يريد القتال.

ويضيف أنه فرّ عبر غابات لوغانسك حتى وصل إلى القوات الأوكرانية، موضحا أن الحرب دمرت حلمه بأن يصبح طبيبا: "لقد رأيت ما يكفي من الدماء".

ويقول يوسف بمرارة: "لا أستطيع العودة إلى روسيا، ولا أستطيع العودة إلى بلدي"، "يؤلمني أن أفكر في عائلتي، لقد كتبت لهم رسالة أطلب منهم فيها أن ينسوني… لم أعد قادرا على التفكير في المستقبل".

إعلان

وهكذا يجد رجال غادروا بلدانهم بحثًا عن فرصة عمل أنفسهم عالقين بين الأسر والحرب والخوف من العودة، بعد أن تحولت الوعود بالمال إلى حقول ألغام وجبهات قتال لم يختاروها.



إقرأ المزيد