الجزيرة.نت - 9/6/2026 12:23:53 AM - GMT (+3 )
تُوِّجت المسيرة الأكاديمية للشاب المغربي أسامة لشكر بحصوله على دبلوم مهندس في الطيران وعلوم الفضاء من الجامعة الدولية بالرباط بعد خمس سنوات من الدراسة الشاقة.
ونظرا لغياب تخصص مطابق، يدمج بين علوم الطيران والفضاء، في الجامعات الحكومية، لم يجد أسامة أمامه سوى الجامعة الخاصة لملاحقة شغفه بعالم الطيران، ويوضح للجزيرة نت أن الدراسة في جامعته كانت باللغة الإنجليزية، مما يفتح أمام الطلاب آفاق العمل أو متابعة الدراسة في الخارج دون حاجز لغوي.
تكلف الدراسة في هذا التخصص الطالب نحو 72 ألف درهم سنويا (نحو 7700 دولار)، قد تنقص في حال الحصول على منحة. وفي مقابل هذه التكلفة، تتيح الجامعة فرصة الحصول على دبلوم مزدوج وقضاء فصول دراسية في الخارج عبر شراكات مع مؤسسات جامعية دولية. وإلى جانب الدراسة النظرية، يحظى الطلاب بحصص تطبيقية داخل مختبرات حديثة وعلى أجهزة محاكاة الطيران.
من جهتها، اختارت فاطمة العلاوي، وهي موظفة في إحدى الإدارات الحكومية، تسجيل ابنها في مدرسة عليا خاصة معترف بها بالرباط لدراسة هندسة المعلومات.
وتوضح للجزيرة نت أن "ارتفاع معدلات البكالوريا ومحدودية المقاعد في الكليات الحكومية" هما ما دفعاها إلى هذا الخيار رغم ما يفرضه من أعباء مادية، مؤكدة بنبرة متفائلة: "إنه استثمار في مستقبل ابني".
تجسد هاتان التجربتان تحولا عميقا في نظرة الأسر المغربية نحو التعليم الجامعي الخاص، إذ لم يعد القطاع حكرا على الطبقة الميسورة، بل أصبحت الأسر المتوسطة تختاره بحثا عن تكوين جامعي أفضل لأبنائها.
وأمام ارتفاع عتبات الانتقاء في السنوات الأخيرة ومحدودية المقاعد في كليات الطب والهندسة والإدارة وغيرها، وجد الكثيرون في المؤسسات الجامعية الخاصة منفذا لتحقيق طموحات أبنائهم. ورغم الأعباء المالية الملقاة على كاهل الآباء، فإنهم يرون في هذه المدارس بديلا يوفر تكوينا عالي الجودة وشهادات معترف بها تعادل الممنوحة في القطاع الحكومي وبكلفة تظل أقل مقارنة بتكاليف إرسال أبنائهم للدراسة في الخارج.
عوامل متشابكةشهد التعليم العالي الخاص تحولا جذريا خلال العقد الماضي، فبعد أن كان مقتصرا في الثمانينيات والتسعينيات على مدارس ومعاهد متخصصة، شكل صدور القانون المتعلق بتنظيم التعليم العالي الخاص عام 2010 الأساس القانوني الذي سمح للمرة الأولى بإنشاء جامعات خاصة معترف بها وأخرى شريكة للقطاع العام تعادل شهاداتها تلك الممنوحة في الجامعات الحكومية.
إعلان
وبعد أن كانت هذه الجامعات منحصرة في محور الرباط والدار البيضاء، أُنشئت في مدن أخرى مثل فاس ومراكش وأكادير وبرشيد وسطات وغيرها من المدن.
وبلغ عدد مؤسسات التعليم العالي الخاصة وفق بيانات عام 2025 نحو 213 مؤسسة مقابل 196 عام 2023 موزعة على طيف واسع من التخصصات أغلبها في الهندسة والطب والإدارة والاقتصاد.
وشهد عدد الطلاب المسجلين في القطاع الخاص تصاعدا، إذ بلغ عددهم 66.8 ألف عام 2023، ثم زاد إلى 79.3 ألف عام 2024، ثم إلى نحو 91 ألف طالب عام 2025 بزيادة 14.8% عن العام الذي سبقه.
ويرى رئيس فيدرالية التعليم الخاص كمال الديساوي أن هذا التطور يعود في جزء منه إلى أزمة الثقة في قدرة بعض مسالك الجامعة الحكومية ذات الاستقطاب المفتوح على ضمان مسار مهني واضح لخريجيها.
وتبلغ نسبة البطالة لدى خريجي كليات الآداب والقانون والاقتصاد نحو 19% وفق البيانات الرسمية.
ويقول الديساوي للجزيرة نت إن الأسرة المغربية، وخصوصا المنتمية إلى الطبقة الوسطى الصاعدة، لم تعد تنظر إلى التعليم العالي كحق مكتسب فحسب، بل كاستثمار طويل الأمد، تقيسه بمعيار العائد المهني المتوقع وليس بقيمة الشهادة الرمزية فقط.
ويضيف أن مجهود الدولة في تأطير القطاع الخاص وتنظيمه عبر القوانين وتحفيزه عبر آليات الاعتماد والشراكة، أعطى الأسر ضمانات أكبر بجودة هذا التكوين مقارنة بالعقود السابقة.
من جهته، يشير رئيس مؤسسة أماكن لجودة التعليم عبد الناصر الناجي في تصريح للجزيرة نت إلى أن نمو التعليم الخاص يرجع إلى كونه يحقق ربحا سريعا ومضمونا للمستثمرين، خاصة مع ارتفاع نفقات الأسر على التعليم واستعدادها للتضحية والاستدانة أحيانا، مما يحول التعليم إلى أصل مالي قد يؤدي إلى عائد استثماري على المدى الطويل.
ومع ذلك، يرى أن هذا الاستثمار العائلي الكبير لم يحقق بالضرورة الأمان المهني الذي تبحث عنه الطبقة المتوسطة، ولم يسهم في الحد من هجرة الطلبة المغاربة إلى الخارج، بل على العكس، أدى فقط إلى تأخير هذه الهجرة إلى ما بعد التخرج خاصة بالنسبة للمتفوقين.
التكوين وفرص العمللا توجد أرقام أو دراسة رسمية حديثة تكشف نسبة توظيف خريجي الجامعات الخاصة بعد التخرج، وغياب هذه البيانات "ثغرة إحصائية" بحسب كمال الديساوي، الذي يؤكد ضرورة معالجتها مستقبلا لأهميتها في تقييم موضوعي لأداء القطاع.
وفي المقابل، يعلن رؤساء جامعات خاصة عن أرقام تخص توظيف خريجيهم، وكان رئيس الجامعة الدولية بالرباط قد أعلن أن 93% من خريجيها يتم توظيفهم في أقل من سنة.
أما رئيس الجامعة الخاصة بفاس فأعلن أن نسبة إدماج خريجيها في سوق العمل تقارب 87%.
ويرى عبد الناصر الناجي أن مجموعة من العوامل تعطي قيمة إضافية للتعليم الخاص لأنها تزيد من قابلية التوظيف؛ فهذه الجامعات -كما يوضح- تركز على المهارات التطبيقية، والقدرة على التكيف، والكفاءات متعددة التخصصات، وتنظم منتديات لربط الطلاب بالشركات، ويضيف إلى ذلك عامل اللغة، إذ تعتمد بعض الجامعات الإنجليزية لغة رئيسية للتدريس لتعزيز الانفتاح الدولي، وتوفر برامج التبادل والتدريب الدولي التي تمنح الطالب ميزة تنافسية.
إعلان
ومع ذلك يدعو الناجي إلى التعامل "بحذر" مع نسب التوظيف المعلنة كونها "تعكس قدرة القطاع على التسويق أكثر من كونها ضمانا مطلقا للإدماج المهني".
وفي نظره، لا تكفي الأرقام وحدها، بل "يجب أن تقترن بضمانات حقيقية للجودة والشفافية، وهو ما يظل غائبا إلى حد كبير".
مخاوفتظل أبرز المخاوف التي ترافق نمو الجامعات الخاصة بالمغرب تلك المتعلقة بتسليع التعليم فلا يستطيع الحصول عليه إلا الميسورون ماديا.
ويرى عبد الناصر الناجي أن تحول بعض المؤسسات إلى أصول مالية للمستثمرين وصناديق الاستثمار جعل تسليع التعليم حقيقة وليس مجرد مخاوف. غير أن المشكلة الأعمق في نظره تكمن في غياب الرقابة الفعالة، وهو ما كشف عنه تقرير المجلس الأعلى للحسابات لعامي 2023-2024 بوضوح.
وكان التقرير قد رصد مجموعة من الاختلالات البنيوية من بينها ضعف تغطية المراقبة الإدارية والتعليمية إذ لم يتجاوز المعدل طيلة عقد كامل 3% سنويا.
ويحذر الناجي من أن القانون المنظم للتعليم العالي يمنح القطاع الخاص وضعية تفضيلية تخل بالتوازن مع التعليم الحكومي، وذلك بتبسيط إجراءات الترخيص وتسهيل إنشاء الجامعات الخاصة بموجب مرسوم فقط مقارنة بقانون بالنسبة للجامعات الحكومية، والسماح لأساتذة التعليم الحكومي بالتدريس في الجامعات الخاصة.
ويرى أن هذه التسهيلات ستؤدي إلى إضعاف التعليم الحكومي وتكريس تفاوتات اجتماعية ومجالية عميقة ليصبح التعليم الحكومي للعامة والخصوصي للأغنياء دون توفير آليات حقيقية لضمان الجودة أو وضع سقف لرسوم الدراسة كما جاء في القانون.
ويقر كمال الديساوي بأن الآليات المعتمدة لمنع تحول الجامعات الخاصة إلى فضاء مغلق على فئات اجتماعية معينة "محدودة مقارنة بحجم التحدي"، وهذا في نظره، "واقع يجب الاعتراف به بشفافية بدل تجميله".
ويشير إلى وجود عدد من المبادرات المتفرقة مثل ما تقوم به بعض المؤسسات الخاصة من تطوير أنظمة منح داخلية وتسهيلات في السداد للطلبة المتفوقين من أسر محدودة الدخل، ومن خلال صيغ قروض شرف عبر شراكات مع بعض المؤسسات المالية.
غير أنه يرى أن هذه المبادرات " فردية غير مؤطرة بسياسة حكومية موحدة وملزمة للقطاع بأكمله"، ويؤكد أن المرحلة القادمة تستوجب تدخلا أكثر جرأة، عبر ربط الترخيص والاعتماد بحصص إلزامية من المنح الاجتماعية، "حتى لا يتحول التعليم العالي الخاص، رغم كل مزاياه، إلى امتياز طبقي يعمّق الفوارق الاجتماعية القائمة أصلا" وفق تعبيره.
إقرأ المزيد


