الجزيرة.نت - 9/5/2026 6:26:59 PM - GMT (+3 )
ضوء خافت، أصوات بكاء، وذهول على وجوه زوار ركن "حين تتكلم الجدران" في جناح وزارة الداخلية السورية في معرض دمشق الدولي الذي اختتم فعالياته اليوم السبت.
يتفحص الزوار بكثير من الاهتمام ما يعرضه الركن المخصص لتوثيق التعذيب في معتقلات النظام السوري المخلوع: ثياب رثة لأطفال ونساء وشيوخ، أسلاك شائكة أخذت من سجن صيدنايا، وزنازين حقيقية، وأبواب سجون تحمل قصصا وروايات لآلاف المفقودين ذهبت معهم في مصيرهم المجهول.
يقول عبد المجيد جمال الدين من وزارة الداخلية ومدير ركن حين تتكلم الجدران لـ"سوريا الآن": "أطلقنا هذا الاسم لما وجدنا من آثار للمعتقلين وذكرياتهم المؤلمة ومقتنياتهم على جدران المعتقلات الأسدية، بعد اعتقادنا أننا سنجد معتقلين بداخلها".
ويضيف: "نقلنا هذه المشاهد التي توثق كيف كانت حياة المعتقلين السوريين في حقبة الأسد ليروا حقيقة الواقع، وسط إقبال كبير جدا على زيارة المكان، جميعهم يريدون معرفة حقيقة هذه المشاهد "، ويؤكد "كل ما نقلناه كان حقيقياً".
وأشار إلى أبواب السجون التي عرضت في الركن، منها من فرع 248 – فرع تحقيق الأمن العسكري – الذي "كان يصدّر الموت لسجن صيدنايا، وتحول إلى لوح كبير للذكريات، مثل أسماء المعتقلين وأركان الإسلام وفهرس للقرآن الكريم، وعلوم الرياضيات، وتواريخ الاعتقال وأسماء عائلاتهم وأبنائهم".
ولفت جمال الدين إلى إحضار مقتنيات زنزانة حقيقية من الفرع الأمني ذاته، مشيرا إلى أنها "بطول 4 أمتار وعرض 4 أمتار، كان يسجن فيها ما يزيد على 50 معتقلا".
ويضيف: "لقد عانى المعتقلون التجويع والتعطيش، فضلاً عن التعذيب الرهيب وإبقائهم ساعات واقفين يوميا، وعند نومهم يتناوبون على النوم على جنوبهم لضيق المكان "، وتابع أن "رائحة العفونة بالمكان لا تزال واضحة بعد كل تلك الأشهر من سقوط النظام".
أدوات التعذيبوتحدث مدير ركن "حين تتكلم الجدران" عن أدوات التعذيب المعروضة، مشيرا إلى أنها لاقت ذهولا كبيرا من الزائرين، مضيفا أن السجانين كانوا يستخدمون أنبوب مياه أخضر اللون – يسمونه (عصا الأخضر الإبراهيمي) – والعصي الحديدية في سجن صيدنايا وعصي السيليكون بوزن يصل إلى 2.5 كيلوغرام، ما يجعلها تسلخ جلود المعتقلين وتهشم عظامهم، كما أن القائمة تضم الهراوات (عصي خشبية) ذاع صيتها في فرع الأمن العسكري (215).
وعُرضت في الجناح زنازين انفرادية ضمن تصوير بانورامي، وطرق تعذيب باستخدام أدوات مثل كرسي التعذيب الألماني في فروع المخابرات الجوية، وكرسي التحقيق من فروع أمن الدولة، وبساط الريح الذي عُذّب به السوريون في فرع فلسطين حتى كُسرت أضلاعهم، والدولاب من أجل إلحاق الأذى بجسم المعتقل تحت التعذيب.
إعلان
وقال جمال الدين إن ما عرض من أدوات تعذيب هي مجرد عينة بسيطة مما استخدم في تعذيب المعتقلين حتى الموت في مختلف معتقلات نظام الأسد.
وختم كلامه بأنه عُرضت طاولة العشاء الأخير للسجانين في سجن صيدنايا، موضحا أنها طاولة كانت على بوابة السجن قبيل سقوط الأسد، مضيفا أنها "تشهد على نهاية سجون التعذيب ونهاية حقبة الأسد".
أساليب تعذيبوبرز لافتا حضور بعض المعتقلين السابقين ليروا بعض ما كانوا عاشوه في المعتقلات، ويقول عبد الناصر خشفة لـ "سوريا الآن": "كنت معتقلا في سجون فروع الجوية وأمن الدولة"، مستذكرا زنزانة اعتقل فيها كانت أصغر مساحة.
وأضاف: "كانت أرضية الزنزانة ملوثة بمياه دورة المياه في زاوية الزنزانة، ونضطر للنوم على جنوبنا بعد ضربنا بأقدام السجانين"، ويردف: "لم نكن نرى الأدوات التي نُعذّب بها، لأننا كنا معصوبي العينين، لكننا كنا نشعر بها، ونميّز كل أداة من الألم الذي تحدثه".
وتحدّث خشفة عن أداة تعذيب تميّز بها فرع الجوية بحلب، وقال إنهم كانوا يسمونها "شبح البلانغو" مضيفا أنها عبارة عن كابل حديدي معلق في سقف غرفة التحقيق، تُكبّل يدا المعتقل فيه، ويُسحب من الخلف لتعليقه عاليا مدة ساعات.
معتقلون سابقونوسط بكاء الحضور والأمهات وذوي المفقودين في السجون، كان بينهم أب يتجول مع ولده الصغير ابن الـ7 أعوام، ويحدثه عن ماضي التعذيب في السجون السورية، ويصف له قصص هذه الأبواب، وتعذيب كلّ أداة، وسط ذهول واضح على ملامح الطفل الذي تساءل مستغرباً في أروقة الركن عن المفتاح المعروض ضمن علبة زجاجية، ليجيب الأب: "هذا مفتاح الزنازين التي كانت تحمل جميع هذه القصص".
وفي لقاء مع الأب – أحمد قارصلي – من أهالي دمشق، قال لـ"سوريا الآن": "قدمت مع الأولاد رغم قسوة المشاهد ليروا ماضينا، كيف كنا نعيش، والظلم في عهد الأسد".
بدوره يقول الدكتور سمير خميس – معتقل سابق من حماة – استوقفني جناح وزارة الداخلية، مضيفا: "لقد عشت جميع الذكريات الأليمة في المعتقل مع أولى مشاهدتي للملابس البالية للمعتقلين السابقين المعلقة على الجدران في مدخل الجناح، كانت مثل هذه الملابس رغم حالها السيئ بمثابة ثروة لنا حينها ".
وتابع في حديثه لـ "سوريا الآن": "لقد صدمت حين رأيتها، خاصة أنني لم أتكلم عما تعرضت له في المعتقل لأحد، تذكرت بشكل خاص تعذيبي بعصا (الأخضر الإبراهيمي)"، وأضاف "كانت العصا تنغرز في لحم أجسادنا من شدة الضرب وخصوصا على الظهر والأقدام".
وأضاف خميس: "لقد ضربنا مرات ومرات وتلونت العصا بلون الدم مرات ومرات بلا رحمة ولا شفقة"، مردفا: "لقد عاد إليّ الخوف وأنا أشاهد الدولاب".
بدوره قال أسامة العاشق – وهو معتقل سابق من حماة – "اعتقلت وعذبت في فرع التحقيق العسكري"، مشيرا إلى أن أكثر ما لفته "هو منظر الدولاب الذي كنا نعذّب به، وطرق الضرب على الرأس والجسد، وتعليق جسدي ويديّ مفتوحتين للأعلى على حائط (الشبح) لساعات وربما يوم كامل، ثم الضرب بعصا (الأخضر الإبراهيمي) وبالعصا الكهربائية، على جميع أنحاء جسدي"، مضيفا "كنت في غالب الأحيان أشم رائحة لحمي".
الرعاية والإصلاحوعلى بعد أمتار قليلة ينتقل زائر الجناح من مشاهد الألم والتعذيب وطرقها إلى ركن إدارة السجون والإصلاحيات، حيث يستقبل الزوار أحد الشبان مرحبا بك بعبارة "أهلاً بكم في سوريا الجديدة، أهلا بكم من عصر الظلام إلى عصر النور، شرفتمونا".
إعلان
يقدم ركن إدارة السجون عرضا حول كيفية الاهتمام بالسجناء اليوم، والعناية بصحتهم وطعامهم، مع ترويسة وجدت في الأعلى "الصحة حق لا يحتجز" مع مشاهد واقعية للسجون الحالية وتحولها إلى إصلاحيات للسجناء ومساعدتهم ليكونوا فاعلين في المجتمع مع انقضاء مدد أحكامهم.
وقال يحيى خطاب وهو من المكتب الإعلامي في وزارة الداخلية: "انتهينا من الجانب المظلم لندخل إلى واقع جديد من سوريا الجديدة، التي لم تعد سجونا للاعتقال والتعذيب، بل أصبحت إصلاحيات".
وأكّد في حديث لـ"سوريا الآن " عن توفر عناية طبية والطعام الجيد، واللباس، والراحة داخل السجن مع إعادة تأهيل السجون من جديد، وتوفير دورات تدريب وتعليم بداخلها، وقاعات دراسية، ودورات محو أمية، وفعاليات رياضية فيها.
وعُرضت بعض أعمال السجناء الحاليين، من الصناعات الحرفية واليدوية، ضمن جناح وزارة الداخلية، للتأكيد على واقع السجون الحديث في عهد الحكومة السورية الجديدة.
إقرأ المزيد


