الجزيرة.نت - 9/5/2026 6:15:54 PM - GMT (+3 )
بعد أكثر من 4 عقود على الحرب التي انتهت بانتصار بريطانيا واستعادة جزر فوكلاند من القوات الأرجنتينية، عاد النزاع على الأرخبيل الواقع في جنوب الأطلسي إلى الواجهة، لكن هذه المرة في ظروف سياسية وعسكرية مختلفة تماما.
فقد أعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أن بلاده ستستعيد الجزر، في حين منح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دفعة غير متوقعة لهذا الموقف بإعلانه أنه يعيد النظر في سياسة بلاده التقليدية تجاه سيادة بريطانيا على فوكلاند.
ولعل اللافت في التطورات الأخيرة ليس التصعيد الأرجنتيني وحده، وإنما الاهتمام الاستثنائي الذي أبدته كبريات الصحف البريطانية بالموضوع في وقت واحد.
فقد تناولت صحيفة تايمز احتمالات اندلاع حرب جديدة ومدى قدرة القوات البريطانية والأرجنتينية على خوضها، بينما ركزت إندبندنت على مقارنة القوة العسكرية بين البلدين. أما غارديان، فذهبت إلى تحليل الدور الذي يمكن أن يؤديه ترمب في إعادة إشعال النزاع، في حين طرحت ديلي تلغراف السؤال الأكثر إثارة للقلق وهو: هل يمكن أن تخسر بريطانيا فوكلاند مرة أخرى؟
ويكشف هذا الاهتمام الصحفي الواسع أن القضية تجاوزت مجرد خطاب قومي أطلقه رئيس أرجنتيني، لتصبح اختبارا لقدرة بريطانيا على حماية أراضيها ومصالحها البعيدة، في ظل تقلص حجم قواتها المسلحة، وتغير طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة.
ميلي يعيد فتح الملفوفي خطاب بثه التلفزيون الوطني، أول أمس الخميس، استغل ميلي تصريحات ترمب هذا الأسبوع التي قال فيها إن واشنطن قد تراجع موقفها بشأن الجزر، مشيرا إلى ما وصفه بالتحول المحتمل يُعَد دليلا على أن علاقته الوثيقة بالرئيس الأمريكي "تؤتي أكلها".
وأشار إلى أن هناك "رياح تغيير تهب في العالم" وتصب في مصلحة مطالبة بلاده بجزر فوكلاند، التي تطلق عليها الأرجنتين اسم لاس مالفيناس.
وقال ميلي -وهو شعبوي يميني وحليف وثيق لترمب- "إن الولايات المتحدة تدرس هذا التغيير في الموقف، لأنها تعلم أن الأرجنتين شريك موثوق به، ومنحاز للقيم الغربية، وفي موقع إستراتيجي مهم، ويمكن أن يكون حليفا ذا قيمة في العقود المقبلة".
إعلان
وأضاف -وفق تايمز- أن جزر فوكلاند "لنا"، وتعهد بأن الأرجنتين "ستنتصر" في مساعيها لاستعادتها. ولم يكتفِ ميلي بالخطاب السياسي، بل أعلن توسيع الموارد الدفاعية وبناء قاعدة بحرية في إقليم تييرا ديل فويغو الواقع في أقصى جنوب قارة أمريكا الجنوبية، في حين هدد بفرض عقوبات على شركات النفط التي تعمل في المناطق البحرية المحيطة بالجزر، في خطوة تحمل دلالة خاصة في ضوء تنامي الاهتمام بالاحتياطات النفطية الموجودة في المنطقة.
وزعم ميلي أن بريطانيا "تواجه أزمات هجرة وأزمات ديمغرافية واقتصادية"، وأنه "من الواضح أنها في حالة تراجع"، بينما وصف الأرجنتين بأنها "تزدهر".
وتكتسب تصريحات الرئيس الأرجنتيني أهمية أكبر، لأنها تمثل خروجا عن النهج الدبلوماسي الأكثر حذرا الذي اتبعته حكومته في قضية الجزر.
وتأتي هذه التصريحات -طبقا لديلي تلغراف- في وقت تراجعت فيه شعبيته ويواجه فيه انتخابات مقبلة، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان دور قضية فوكلاند في السياسة الأرجنتينية، إذ استخدمتها الحكومات السابقة لتعزيز المشاعر القومية في أوقات الأزمات الداخلية، الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءة ترى في التصعيد حول فوكلاند محاولة لتعبئة الرأي العام حول قضية قومية شديدة الحساسية.
وترسم تايمز صورة لقوتين عسكريتين أصغر بكثير مما كانتا عليه في حرب 1982، معتبرة أن القوات البريطانية والأرجنتينية اليوم ليست سوى ظل للقوة التي كانت لدى الطرفين إبان مواجهتهما العسكرية في ذلك العام، والتي انتهت باستعادة بريطانيا للجزر بعد معارك دامية.
ففي الجزر تتمركز حاليا سرية بريطانية تضم نحو 120 جنديا، إلى جانب 4 مقاتلات طراز "تايفون"، ومنظومتين للدفاع الجوي "سكاي سابر" وسفينة دورية من فئة "ريفر"، إضافة إلى قوة دفاع محلية تطوعية تضم نحو 100 عنصر.
أما عام 1982، فقد أرسلت البحرية الملكية قوة مهام ضمت 127 سفينة لاستعادة الجزر. واليوم، تملك البحرية البريطانية 51 سفينة حربية، بينها حاملتا طائرات قادرتان على تشغيل مقاتلات إف-35، و10 غواصات، لكن جزءا كبيرا من السفن يعاني مشكلات في الجاهزية أو منشغل بعمليات حلف شمال الأطلسي (ناتو).
أما إندبندنت، فتقدم واحدة من أكثر المقارنات وضوحا بين القدرات العسكرية للطرفين. ووفقا للصحيفة، تنفق الأرجنتين نحو 0.8% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، بما يعادل نحو 3.9 مليارات دولار. كما أن قواتها المسلحة لا تزال أضعف بكثير مما كانت عليه عشية حرب 1982.
غير أن حكومة ميلي بدأت برنامجا لإعادة بناء جيشها. فقد تعاقدت بوينس آيرس على شراء 24 مقاتلة إف-16 مستعملة من الدانمارك مقابل 300 مليون دولار، وصلت الدفعة الأولى منها في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كما تقدمت باتفاق لشراء 235 مركبة مدرعة من طراز "سترايكر" من الولايات المتحدة.
لكن القوة البحرية الأرجنتينية لا تزال محدودة للغاية، فهي لا تمتلك حاملة طائرات، ولا غواصات عاملة، وتضم أسطولا من 3 مدمرات قديمة و6 سفن كورفيت.
إعلان
في المقابل، تنفق بريطانيا عشرات المليارات من الجنيهات على الدفاع. وتشير أرقام إندبندنت إلى أن القوات المسلحة البريطانية بلغ تعدادها نحو 182 ألف فرد في أبريل/نيسان 2025، بينهم 147 ألفا من العاملين بدوام كامل. وأنفقت لندن 62 مليار جنيه إسترليني على الدفاع في السنة المالية 2026/2025، أي نحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع ارتفاع النسبة إلى 2.6% في 2026.
كما تمتلك بريطانيا قوتها البحرية الزرقاء القادرة على العمل عبر المحيطات، وحاملتي الطائرات من فئة "كوين إليزابيث"، فضلا عن عشرات السفن والغواصات ومئات الطائرات والمروحيات والمركبات القتالية.
لكن هذه الأرقام لا تخفي مشكلة أساسية، وهي أن بريطانيا قوة عسكرية عالمية متقدمة تكنولوجيا، لكنها تعاني نقصا في الحجم والجاهزية مقارنة بما كانت عليه في عقود سابقة.
ثغرات بريطانية خطيرةتايمز نقلا عن محللين: جزر فوكلاند قد تسقط في أيدي قوة كوماندوز أرجنتينية صغيرة مستعدة لشن "مهمة انتحارية" للتغلب على القوات البريطانية المتمركزة هناك
على الرغم من ذلك، لا تتفق التحليلات البريطانية على أن الوضع مطمئن. ففرانسيس توسا، أحد محللي الدفاع الذين نقلت عنهم تايمز، حذر من أن بريطانيا تعاني ثغرات عسكرية كبيرة.
وأشار إلى أن القوة البريطانية التي كانت متمركزة في الجزر عام 1982 كانت تضم نحو 2500 جندي مع مدفعية كاملة، بينما تقتصر القوة الحالية على شركة صغيرة.
والأخطر -في رأيه- أن قدرة البحرية الملكية البريطانية على تشكيل قوة كبيرة لاستعادة الجزر في حال سقوطها أصبحت محدودة للغاية.
وتساءل توسا عما إذا كانت الأرجنتين تمتلك جيشا من الدرجة الأولى، قبل أن يجيب بالنفي زاعما أن هناك ثغرات كثيرة فيه. "لكن الثغرات في القوات المسلحة البريطانية هائلة أيضا".
بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك بقوله إن "الأفضلية مع الأرجنتين" إذا تمكنت من الوصول إلى الجزر والسيطرة على قاعدة ماونت بليزنت.
وتنسب تايمز في تقريرها إلى محللين آخرين القول إن جزر فوكلاند قد تسقط في أيدي قوة كوماندوز أرجنتينية صغيرة مستعدة لشن "مهمة انتحارية" للتغلب على القوات البريطانية المتمركزة هناك.
واقترح محلل الصناعات الدفاعية نيكولاس دروموند سيناريو يبدأ بغارة لقوات خاصة على قاعدة ماونت بليزنت، تستهدف المقاتلات ونظام الإنذار المبكر، قبل إدخال قوات أكبر.
ووصف مثل هذه العملية بأنها ممكنة، لكنها ستكون "انتحارية" بالنسبة للأرجنتين إذا فشلت في تحقيق عنصر المفاجأة.
كما حذر دروموند من احتمال حصول بوينس آيرس على مساعدة صينية غير معلنة في مجال التكنولوجيا العسكرية، ولا سيما الطائرات المقاتلة.
ترمب.. العامل الذي غيّر الحساباتلكن العامل الأكثر حساسية في الأزمة الجديدة ليس القوة العسكرية للأرجنتين وحدها، بل موقف دونالد ترمب.
فقد قال الرئيس الأمريكي إنه "يعيد النظر" في موقف الولايات المتحدة التقليدي من سيادة بريطانيا على فوكلاند، ملمحا إلى أن لندن لم تقدم له الدعم الذي طلبه خلال حرب إيران.
وفي حديث نقلته غارديان، قال ترمب: "بلدكم لم يكن هناك ليساعدني"، في إشارة إلى رفض بريطانيا الانخراط عسكريا في الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران.
وترى الصحيفة أن موقف ترمب مرتبط جزئيا بشعوره بالاستياء من حلفاء رفضوا المشاركة في الحرب، وأن ميلي سارع إلى استثمار هذا التوتر.
وطبقا لتحليل غارديان، فإن علاقة ترمب بميلي، إلى جانب سياسة الرئيس الأمريكي القائمة على الانتقام من الحلفاء الذين لا يساندونه، قد تجعل قضية فوكلاند جزءا من مساومات أكبر تتجاوز النزاع البريطاني الأرجنتيني نفسه.
أما ديلي تلغراف، فتذهب إلى أن تغير الموقف الأمريكي يمثل أحد أخطر الفروق بين أزمة اليوم وحرب 1982. ففي ذلك الوقت، انتهى الأمر بالرئيس الأمريكي رونالد ريغان إلى الوقوف إلى جانب بريطانيا رغم وجود ضغوط مؤيدة للأرجنتين داخل الولايات المتحدة.
إعلان
أما اليوم، فلا تستطيع لندن افتراض أن الدعم الأمريكي سيكون مضمونا.
ولا تقتصر القضية على السيادة والرمزية الوطنية. فقد أصبحت الموارد النفطية المحيطة بالجزر عاملا إضافيا في التصعيد.
وهذا ما أشارت إليه ديلي تلغراف، لافتة إلى أن اكتشاف احتياطات نفطية كبيرة قبالة فوكلاند يمكن أن يصل إنتاجها في بعض التقديرات إلى ضعف الإنتاج السنوي الحالي لبحر الشمال.
وقد أعلن ميلي أنه سيعاقب الشركات التي تشارك في عمليات التنقيب، ومنها شركة "روكهوبر" البريطانية و"نافيتاس بتروليم" الإسرائيلية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل تأكيد حكومة الجزر حقها في استغلال مواردها، وفي ظل تمسك بريطانيا بحق سكانها في تقرير مستقبلهم.
إرث حرب 1982يحضر شبح حرب 1982 بقوة في النقاش الحالي، فقد احتلت القوات الأرجنتينية الجزر آنذاك، قبل أن ترسل الحكومة البريطانية برئاسة مارغريت تاتشر قوة بحرية ضخمة لاستعادتها.
وتشير تايمز إلى أن الغواصة النووية البريطانية "إتش إم إس كونكرار" أغرقت الطراد الأرجنتيني "إيه آر أيه جنرال بيلغرانو"، مما أدى إلى مقتل 323 من أفراد طاقمه، في واحدة من أكثر لحظات الحرب إثارة للجدل.
لكن التشابه بين الظروف الحالية وتلك الفترة لا يعني بالضرورة تكرار الحرب. فالأرجنتين اليوم لا تمتلك القدرات البحرية والجوية التي كانت لديها عام 1982، في حين أصبحت بريطانيا أكثر تقدما من الناحية التكنولوجية.
غير أن المشكلة تكمن في أن بريطانيا نفسها تملك قوات أصغر، وأن قدرتها على خوض حرب بعيدة المدى لم تعد كما كانت.
العامل السياسي الداخليأزمة فوكلاند الحالية تكشف شيئا أكثر أهمية من احتمال الحرب نفسها يتمثل في تراجع هامش القوة البريطانية، وتغير طبيعة التحالف مع واشنطن، وعودة الموارد الإستراتيجية إلى قلب النزاعات الإقليمية
ترى صحيفتا غارديان وديلي تلغراف أن الحسابات الداخلية قد تكون عاملا مهما في التصعيد.
فالرئيس ميلي يواجه تحديات سياسية، في حين كانت قضية فوكلاند تاريخيا أداة قوية لحشد المشاعر الوطنية. كذلك تواجه بريطانيا نفسها ضغوطا اقتصادية وسياسية، ونقاشا متزايدا حول ميزانية الدفاع.
وفي هذا السياق، تلفت ديلي تلغراف إلى أن ميلي يعتقد أن بريطانيا "ضعيفة ومنهكة وفقيرة وبعيدة" إلى درجة قد تمنعها من الرد، وأن تحالفا بين قادة يمينيين في الأمريكتين الشمالية والجنوبية يمكن أن يوفر له فرصة سياسية.
خلاصة القول إن المعطيات الواردة في الصحف البريطانية لا تشير إلى أن الأرجنتين تستعد فعليا لغزو فوكلاند في المدى القريب، بل إن معظم التحليلات ترى أن أي هجوم واسع سيكون مغامرة عسكرية شديدة الخطورة على بوينس آيرس.
لكن الأزمة الحالية تكشف شيئا أكثر أهمية من احتمال الحرب نفسها يتمثل في تراجع هامش القوة البريطانية، وتغير طبيعة التحالف مع واشنطن، وعودة الموارد الإستراتيجية إلى قلب النزاعات الإقليمية.
إقرأ المزيد


