الجزيرة.نت - 9/5/2026 5:21:21 PM - GMT (+3 )
بعلبك- لا تدور المعركة حول جبهة عسكرية، بل حول قلعة عمرها آلاف السنين. فهياكل بعلبك -أحد أبرز رموز الحضارة الرومانية في الشرق- دخلت خلال الأيام الماضية في صلب رواية إسرائيلية تتحدث عن أنفاق ومنشآت عسكرية أسفل الموقع الأثري، مرفقة بخرائط وصور يجري تداولها عبر منصات إعلامية وحسابات إسرائيلية.
ولا تبدو المخاوف في لبنان مرتبطة بالادعاءات بحد ذاتها فحسب، بل بما قد تؤول إليه هذه الرواية على الأرض، إذ يخشى لبنانيون أن تتحول الاتهامات إلى تمهيد إعلامي وسياسي لضرب المدينة التاريخية، على غرار ما حدث في مواقع مدنية أخرى استُهدفت خلال الحرب بذريعة ارتباطها بأغراض عسكرية.
وبينما تتسع دائرة الجدل، تتعالى أصوات لبنانية مطالبة برد رسمي يضع حدا لما تصفه بمحاولات إعادة تعريف موقع أثري عالمي بوصفه هدفا عسكريا، فبعلبك ليست مجرد قلعة لبنانية، بل هي موقع أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على قائمة التراث العالمي عام 1984، وأحد أهم الشواهد الباقية على الحضارة الرومانية في المنطقة.
ورفض الاتحاد اللبناني للنقابات السياحية الادعاءات الإسرائيلية، مشيرا إلى أنها "محاولة لصناعة ذريعة " لاستهداف بعلبك. ودعا وزارتي السياحة والثقافة إلى التحرك العاجل لدى اليونسكو والمؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث العالمي، في مسعى لمنع انتقال هذه الرواية من منصات الإعلام إلى الميدان.
وتداولت وسائل إعلام إسرائيلية وناشطون خرائط تدعي وجود بنية تحتية عسكرية أسفل القلعة ومحيطها، لكن السلطات اللبنانية نفت مرارا وجود أي معطيات رسمية تؤكد هذه المزاعم، في حين لم تصدر اليونسكو أو أي جهة دولية مختصة ما يدعم هذه الادعاءات.
ويرفض المؤرخ والباحث في الآثار الدكتور محمد شرف -في حديثه للجزيرة نت- الرواية الإسرائيلية، ويصفها بأنها "ادعاءات لا تستند إلى أي أساس علمي أو أثري".
ويؤكد أن الموقع لا يضم سوى نفق أثري واحد معروف وموثق، يمتد أسفل الباحة الكبرى على شكل حرف "يو" (U)، وهو جزء أصيل من التصميم الهندسي للمجمع الروماني، موضحا أن البنية الإنشائية للهياكل تجعل وجود أي نفق آخر أسفلها أمرا مستحيلا.
إعلان
ويضيف أن من يروّج لهذه الرواية يدرك استحالة وجود مثل هذه الأنفاق، لكنها تدخل -بحسب وصفه- في إطار الدعاية ومحاولة خلق مبررات أكثر من الاستناد إلى وقائع ميدانية.
ويشرح أن هذا النفق شُيد قبل إقامة الهياكل الرومانية، وشكّل جزءا من الأساسات التي حملت الأبنية الضخمة، وبفضل تصميمه المقوس يتحمل أوزان المعابد والساحات فوقه، وهو ما يجعل حفر نفق جديد تحته أمرا غير ممكن هندسيا.
ويتابع "إذا افترضنا جدلا وجود نفق آخر، فأين يمكن أن يمتد؟ هذا السؤال وحده يكشف عدم واقعية هذه المزاعم".
ويشير شرف إلى أن ما يُعرف اليوم بقلعة بعلبك ليست قلعة عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي مجمع ديني روماني ضخم شُيد لتكريم الآلهة، ويضم معبد جوبيتر، أكبر معابد الإمبراطورية الرومانية، إلى جانب معبدي باخوس وفينوس، ضمن مدينة هليوبوليس، أو "مدينة الشمس".
ورغم أن الأحياء المحيطة بالموقع تعرضت خلال العقود الماضية لأضرار كبيرة، لا سيما حي المنشية، فإن الموقع الأثري الرئيسي بقي بمنأى عن الاستهداف المباشر.
ولا يستبعد الباحث أن تكون الهزات الناتجة عن الانفجارات قد أثرت في بعض الهياكل، نظرا إلى أنها قائمة منذ نحو ألفي عام، رغم أعمال الترميم والتدعيم التي خضعت لها خلال القرن الماضي.
وعن المخاوف من تحول المزاعم الإسرائيلية إلى ذريعة لضرب القلعة، يقول شرف إنه يستبعد هذا السيناريو، لكنه يضيف "لا أحد يستطيع الجزم بما قد تقدم عليه إسرائيل".
ويرى الدكتور في القانون الدولي محمد مشيك -في حديثه للجزيرة نت- أن قلعة بعلبك تتمتع بمستوى مرتفع من الحماية القانونية، لأنها مدرجة على قائمة التراث العالمي، وهو ما يرتب التزامات قانونية وأخلاقية على المجتمع الدولي لحمايتها.
ويشير إلى أن اتفاقية اليونسكو لعام 1972 تفرض على الدول الأعضاء حماية المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي بوصفها جزءا من التراث الإنساني المشترك.
ولا تقتصر الحماية -بحسب مشيك- على هذه الاتفاقية، بل تشمل أيضا اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وبروتوكولها الثاني لعام 1999، الذي عزز الحماية للمواقع ذات القيمة الاستثنائية، وربط الاعتداءات الجسيمة عليها بإمكانية قيام مسؤولية جنائية دولية.
كما يلفت إلى أن البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 يحظر استهداف الآثار التاريخية والأعمال الفنية وأماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي للشعوب، في حين يصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعمد مهاجمة المواقع الأثرية -في ظروف معيَّنة- ضمن جرائم الحرب.
ويؤكد أن أي استهداف مباشر ومتعمد لقلعة بعلبك، إذا استوفى أركانه القانونية، فقد يرقى إلى جريمة حرب لا تسقط بالتقادم، وهو ما يفتح الباب أمام ملاحقة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.
هل تسقط الحماية بالادعاءات؟ويشدد مشيك على أن القانون الدولي الإنساني ينطلق من مبدأ حماية المواقع الثقافية وعدم استهدافها، ولا يمكن إسقاط هذه الحماية بمجرد إطلاق ادعاءات غير مثبتة.
إعلان
ويقول إن المزاعم المتعلقة بوجود أنفاق أو منشآت عسكرية أسفل القلعة لا تشكل بحد ذاتها مبررا قانونيا لاستهداف الموقع، موضحا أن التحقق من مثل هذه الادعاءات يجب أن يكون عبر الدولة اللبنانية والجيش اللبناني، وبالتعاون مع اليونسكو والجهات الدولية المختصة، من خلال آليات كشف وتحقيق ميدانية مستقلة.
ويلفت إلى أن القلعة مشمولة أيضا بنظام "الشارة الزرقاء"، وهو الرمز الدولي المعتمد للممتلكات الثقافية المحمية أثناء النزاعات المسلحة، والذي يهدف إلى تنبيه أطراف النزاع إلى ضرورة تجنب استهداف هذه المواقع.
لم تكن بعلبك -عبر تاريخها الممتد آلاف السنين- مجرد مدينة للمعابد والأعمدة الحجرية، بل هي سجل مفتوح لتعاقب الحضارات على لبنان. واليوم، تجد نفسها في قلب مواجهة تتجاوز الروايات الإعلامية إلى أسئلة تتعلق بمصير أحد أهم المواقع الأثرية في الشرق الأوسط.
وبين ادعاءات إسرائيلية ينفيها خبراء الآثار، وتحذيرات قانونية تؤكد أن حماية الموقع لا تسقط بمجرد المزاعم، يبقى السؤال مطروحا: هل تكفي الاتفاقيات الدولية لحماية معلم صمد ألفي عام، إذا قررت الحرب أن تطرق أبوابه؟
إقرأ المزيد


