الجزيرة.نت - 9/5/2026 3:26:30 PM - GMT (+3 )
بعد ربع قرن، لم يعد 11 سبتمبر/أيلول مجرد ذكرى لهجوم إرهابي أودى بحياة نحو 3 آلاف شخص، بل صار فاصلا بين أمريكا قبل ذلك اليوم وأمريكا التي تشكلت بعده، فالذي انهار في ذلك اليوم لم يكن -وفقا لوسائل الإعلام الأمريكية- أبراج مركز التجارة العالمي في نيويورك، بل انهارت معها أسطورة "أمريكا المحصنة".
وبينما تستعيد نيويورك تلك الذكرى الأليمة، يطل إرث آخر لذلك اليوم؛ حروب طويلة، وتوسع في أدوات الأمن، وتآكل في الثقة بالمؤسسات، وصعود خطاب جعل المسلمين -في مراحل كثيرة- في قلب دائرة الشبهة، بل كما يقول موقع ذي إنترسبت الأمريكي "أصبحوا كبش الفداء المفضل للسياسيين الأمريكيين".
صحيح أن الهجوم انتهى في صباح 11 سبتمبر 2001، لكن تداعياته السياسية والاجتماعية لم تنتهِ، إذ بعد 25 عاما، تبدو قصة المسلمين الأمريكيين واحدة من أكثر الفصول دلالة على المسافة بين الصدمة الأولى وما أفضت إليه.
وبين الذكرى التي لا تندمل، والحرب التي امتدت سنوات، والثقة التي تآكلت في المؤسسات، تبدو قصة 11 سبتمبر بعد 25 عاما أقل ارتباطاً بالحدث نفسه، وأكثر ارتباطا بما فعلته أمريكا بنفسها وبالعالم بعد ذلك اليوم.
جرح غائر
في استعادتها للذكرى في مقال لها بصحيفة وول ستريت جورنال، تبدأ بيغي نونان من الإنسان قبل السياسة، مشيرة إلى أن نيويورك كمدينة فقدت إحساسها بالأمان، وتصف أثر 11 سبتمبر بأنه أشبه بحلقة داكنة في جذع شجرة، تبقى مهما طال الزمن.
وتتذكر المستشفيات التي انتظر فيها المسعفون جرحى لم يأتوا، لأن كثيرا من الضحايا لم يصابوا فحسب، بل اختفوا تحت الانفجارات والغبار، وتتذكر كذلك مشهد ركاب قطار نيويورك وهم ينظرون إلى المكان الذي كانت فيه الأبراج، ثم يطلقون تنهيدة جماعية، قبل أن ينهار رجل قوي بالبكاء.
تلك الذاكرة تفسر إلى حد بعيد لماذا كان رد الفعل الأمريكي بالغ القوة، فالخوف لم يكن شعورا عابرا، بل سرعان ما تحول إلى قوة سياسية أعادت تعريف الأمن ومن هو "العدو".
إعلان
وتوضح أن هذا الخوف المتجذر والهلع الذي سكن قلوب الأمريكيين، شكّل الأرضية الخصبة التي بُنيت عليها قرارات كارثية ستغيّر وجه العالم.
من الخوف إلى الحربومن نيويورك إلى واشنطن، تتسع الصورة في قراءة جيرارد بيكر في صحيفة تايمز البريطانية. فقد وقع 11 سبتمبر -كما يذكّر- في لحظة كانت فيها الولايات المتحدة في ذروة تفوقها العالمي، قبل أن تقودها الصدمة إلى سلسلة من الخيارات التي أضعفت جزءا من القوة التي أرادت الدفاع عنها.
هذا الشعور الساحق بعدم الأمان دفع صانعي القرار في واشنطن إلى اتخاذ خطوات متسرعة، فبدلا من أن تُظهر أمريكا "صلابة فولاذية" كما وعدت، انجرت إلى حروب عبثية، أبرزها في العراق وأفغانستان، كما يقول بيكر.
بدأ الرد بأفغانستان وملاحقة تنظيم القاعدة، وحظيت واشنطن بتضامن دولي واسع، لكن الحرب اتسعت لاحقا إلى العراق، رغم أن غزو ذلك البلد لم يكن نتيجة حتمية للهجمات.
ويرى بيكر أن صدمة 11 سبتمبر وفرت المناخ السياسي الذي جعل الحرب ممكنة، ثم جاءت سنوات القتال الطويلة، والخسائر البشرية والتكلفة المالية الهائلة، وفضيحة أبو غريب، والجدل بشأن أسلحة الدمار الشامل، لتقوض صورة الولايات المتحدة وثقة الأمريكيين بحكومتهم.
وهنا تتقاطع قراءة تايمز مع ما يطرحه موقع إنترسبت الأمريكي، فعندما تتآكل الثقة، يصبح المجتمع أكثر قابلية للبحث عن "أعداء" يفسر بهم خوفه وقلقه.
وكان المسلمون في مراحل كثيرة من أبرز من دفعوا ثمن ذلك التحول.
المسلم قضية أمنيةتنقل روزينا علي في مقالها بإنترسبت النقاش إلى الداخل الأمريكي، حيث لم يعد أثر 11 سبتمبر مرتبطا فقط بالحرب، بل بما تركه الخوف في المجتمع والسياسة.
فالإسلاموفوبيا -بحسب الكاتبة- لم تعد مجرد رد فعل مباشر على الهجمات، وإنما أصبحت مع مرور السنوات جزءا من السياسة الأمريكية، وتزداد حدتها خلال مواسم الانتخابات، وهكذا وجد مواطنون مسلمون لا علاقة لهم بالإرهاب أنفسهم أحيانا في موقع من يطالب بإثبات براءته وولائه.
إنترسبت: المسلم الأمريكي وجد نفسه أحيانا مطالبا بإثبات ولائه للبلد الذي ينتمي إليه، لمجرد أن منفذي الهجمات قدّموا أنفسهم باسم الإسلام
وبحسب الكاتبة، فإن المسلمين يعيشون الذكرى من موقع مزدوج. فمن جهة، هم مواطنون أمريكيون فقدوا مواطنين وأصدقاء وأقارب في الهجمات، ورفضوا الإرهاب الذي ارتُكب باسم دينهم. ومن جهة أخرى، وجد بعضهم أنفسهم بعد الهجمات تحت شبهة جماعية لا تستند إلى مسؤولية فردية.
وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها: المسلم الأمريكي وجد نفسه أحيانا مطالبا بإثبات ولائه للبلد الذي ينتمي إليه، لمجرد أن منفذي الهجمات قدّموا أنفسهم باسم الإسلام.
وتتحدث إنترسبت عن حالات تعرض فيها مسلمون وعرب أمريكيون للمراقبة والملاحقة، وقوانين استُخدمت في إطار مكافحة الإرهاب وأثارت مخاوف بشأن اتساع نطاقها.
وهنا يصبح إرث 11 سبتمبر/أيلول أبعد من الإسلاموفوبيا نفسها، فالأدوات التي أنشئت لمواجهة الإرهاب يمكن أن تصبح -إذا اتسع تعريف "العدو"- أدوات لملاحقة فئات أخرى.
تآكل الأمن والثقة معالكن بيكر يذهب أبعد من ذلك، فالمشكلة -في رأيه- لا تتوقف عند الحروب أو السياسات الأمنية، بل تصل إلى قلب الحياة السياسية الأمريكية.
إعلان
فالأخطاء التي رافقت حرب العراق، والمبالغة في بعض التهديدات، وتراجع مصداقية المؤسسات، غذت شعورا عاما بأن الحكومة والإعلام والنخب السياسية لم تعد جديرة بالثقة، ومن هذا المناخ نما الاستقطاب الذي أعاد تشكيل السياسة الأمريكية لاحقا.
وبذلك يصبح المسلمون جزءا من قصة أمريكية أوسع، فالإسلاموفوبيا ليست فقط مشكلة أقلية دينية، وإنما مثال على الكيفية التي يمكن أن يعمل بها الخوف داخل الديمقراطية: يبدأ باستثناءات موجهة إلى فئة يُنظر إليها بوصفها خطرا، ثم تصبح لغة الاستثناء قابلة للتوسع.
لكن الكاتب نفسه يحذر من اختزال كل أزمات أمريكا في 11 سبتمبر، فالتاريخ الأمريكي مليء بأزمات وحروب وانقسامات سبقت الهجمات، كما أن قوة الولايات المتحدة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية لم تختف.
لذلك فإن 11 سبتمبر -في هذه القراءة- لم يكن قدرا محتوما قاد أمريكا إلى التراجع، بل كان نقطة انطلاق لسلسلة من القرارات التي كان يمكن أن تكون مختلفة.
ويُستخلص من هذه النصوص أن 11 سبتمبر لم يمثل انتصارا لتنظيم القاعدة، فالولايات المتحدة قتلت زعيم التنظيم أسامة بن لادن، وأضعفت شبكات إرهابية عديدة، وظلت قوة عالمية كبرى، كما أن أزمات أمريكا الداخلية لا يمكن اختزالها كلها في ذلك اليوم.
لكن ربع قرن يكفي لإظهار ما لم يكن واضحا في صباح الهجمات، إذ اتضح أن مواجهة الإرهاب لا تقاس فقط بقدرة الدولة على ملاحقة المسلحين، وإنما أيضا بقدرتها على حماية قيمها وحريات مواطنيها وهي تفعل ذلك.
نونان: بعد 25 عاما، لا تزال نيويورك تحمل ذاكرتها الثقيلة ولا تزال أمريكا تحمل آثار القرارات التي اتخذتها تحت وطأة الخوف
وبالنسبة للمسلمين تحديدا، يبقى السؤال أكثر إلحاحا: هل انتهت تداعيات 11 سبتمبر/أيلول بانتهاء الحروب الكبرى، أم أن بعضها انتقل من ساحات القتال إلى صناديق الاقتراع والخطاب السياسي والقوانين؟
بعد 25 عاما، لا تزال نيويورك تحمل ذاكرتها الثقيلة -كما تقول نونان في وول ستريت جورنال- ولا تزال أمريكا تحمل آثار القرارات التي اتخذتها تحت وطأة الخوف. وبين الذاكرة والحرب والسياسة، ظل المسلمون في كثير من الأحيان يدفعون كلفة إضافية: أن يعيشوا مواطنين في بلد أصابه الإرهاب، وأن يواجهوا في الوقت نفسه شبهة لا ذنب لهم فيها.
والواقع أن السؤال لم يعد: كيف تتذكر أمريكا من سقطوا في ذلك اليوم؟ بل: كيف تتذكر أيضا ما فعلته بنفسها وبمجتمعاتها بعده، وإذا كانت الذاكرة -كما تقول نونان- حلقة لا تزول في جذع شجرة، فإن أفضل ما يمكن فعله بهذه الذاكرة هو ألا نسمح لها بأن تنتج ظلما جديدا.
إقرأ المزيد


