الجزيرة.نت - 9/4/2026 3:31:56 PM - GMT (+3 )
Published On 4/9/2026
|آخر تحديث: 15:16 (توقيت مكة)
لم تعد زيارة الموقع الإلكتروني الوحدة الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد الأخبار، بعدما أعادت محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الفيديو وأنظمة الذكاء الاصطناعي توزيع الجمهور، ودفعت المؤسسات الإعلامية إلى ملاحقة القراء خارج المساحات الرقمية التي تملكها.
هذه الخلاصة يقدمها المدير التنفيذي والرئيس التنفيذي للرابطة الدولية لوسائل الإعلام الإخبارية (INMA) إيرل جيه ويلكنسون، في مقال نشره عبر مدونة "ذا ديستيليشن" التابعة للرابطة، مستندا إلى نقاشات قادة المؤسسات الإعلامية وتجارب ناشرين من أوروبا وآسيا والمحيط الهادي والولايات المتحدة.
ويقول ويلكنسون إن صناعة الأخبار "تغادر المنزل الذي بنته"، ففي العقدين الماضيين كانت محركات البحث تقود المستخدم إلى الموقع، ثم تتحول زيارته إلى مشاهدات وإعلانات أو اشتراك. أما اليوم، فلم تعد زيارة الموقع نقطة البداية المضمونة، مما يجعل مؤشرات مثل عدد المشاهدات والجلسات والعائد الإعلاني لكل ألف ظهور عاجزة عن تقديم صورة دقيقة لقيمة المؤسسة وعلاقتها بجمهورها.
تكشف الأرقام حجم التحول؛ إذ انخفضت الزيارات العضوية التي ترسلها غوغل إلى مواقع الناشرين بنسبة 33% خلال عام، وتفاوت التراجع بين 22% لدى المؤسسات الكبيرة و47% لدى المتوسطة، ووصل إلى 60% لدى بعض المؤسسات الصغيرة. كما انتهت 68% من عمليات البحث من دون نقر المستخدم على أي رابط، بينما ظلت الإحالات القادمة من روبوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الاصطناعي دون 1%.
لكن ويلكنسون يؤكد أن الجمهور لم يفقد اهتمامه بالأخبار، بل انتقل إلى مساحات أخرى، منها "غوغل ديسكفر" ويوتيوب وتيك توك وإنستغرام وروبوتات المحادثة. وتبين بيانات مشاهدة الفيديو الإخباري بين عامي 2023 و2026 نمو جميع المنصات تقريبا، باستثناء مواقع المؤسسات الإعلامية نفسها.
إعلان
وتعزز مراجعة أجرتها "برس غازيت" هذا الاتجاه؛ إذ خسرت أكبر 50 منصة إخبارية أميركية 37% من زياراتها خلال عامين. وكانت المؤسسات الأكثر تماسكا هي التي بنت عادة مباشرة لدى جمهورها عبر تطبيق أو نشرة بريدية أو بودكاست أو تسجيل دخول، بينما تراجعت العلامات التي اعتمدت على جمهور مستأجر من محركات البحث والمنصات.
وتشير قاعدة أطلق عليها خبراء الإعلام "قاعدة الثلاث" إلى أن القارئ الجديد الذي يعود إلى المنصة 3 مرات خلال أسبوع يصبح قارئا طويل الأمد في 78% من الحالات، وهو ما يجعل بناء العادة أكثر أهمية من زيادة الزيارات العابرة.
خلال اجتماع ضم 40 رئيسا تنفيذيا من 6 قارات، اتفق المشاركون على أن ما تبيعه المؤسسات الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي ليس المقال وحده، بل الثقة والحكم المهني والمصداقية والحضور والعلاقة بالجمهور. فقد خفض الذكاء الاصطناعي تكلفة إنتاج النصوص، لكنه لم يستطع تعويض عمليات التحقق والمساءلة والتقدير التحريري.
غير أن المشكلة، بحسب ويلكنسون، تكمن في عجز المؤسسات عن قياس قيمة هذه العناصر. فعندما سئل المشاركون عمن يعرف المستخدمين الأكثر ولاء داخل مؤسسته، رفع 5 أشخاص فقط أيديهم، ولم يتمكن أحد تقريبا من تحديد قيمتهم المالية.
وتبرز تجربة شركة "بيبول إنك" نموذجا للتحول؛ فقد تراجعت جلسات الزيارة لديها بنسبة 22%، لكنها رفعت أسعارها بنسبة 27%، وأصبحت الإيرادات غير المرتبطة بالزيارات، مثل الترخيص والفعاليات، تمثل 43% من دخلها الرقمي.
ويحذر المقال من أن المؤسسات ستجد نفسها خلال فترة تتراوح بين 6 و24 شهرا أمام خيارين: أن تصبح موردا مدفوع الأجر لمنصات الذكاء الاصطناعي، أو تتحول موادها إلى محتوى خام مجاني تستخدمه تلك الأنظمة.
بدأت مؤسسات أوروبية تقليدية نقل خبراتها إلى المنصات الخارجية، رغم أنها لا تملكها. فقد أعلنت صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" الألمانية استحداث 29 وظيفة، بينها 11 للفيديو و6 لوسائل التواصل و5 للبودكاست، في وقت تخفض فيه مؤسسات إعلامية ألمانية أخرى أعداد موظفيها.
ولا تهدف الصحيفة إلى تحويل جميع صحفييها إلى مؤثرين، بل إلى جعل الخبرة الصحفية مرئية في الأماكن التي يوجد فيها الجمهور. وكانت تجربة إنتاج محتوى اقتصادي لمنصة شبابية قد رفعت مشاهدات الفيديو من 27 ألفا في الموسم الأول إلى نصف مليون في الموسم الثالث.
وفي صحيفة "الغارديان"، يعمل "مشروع بيرغر" على تطوير محتوى مرئي يناسب مؤسسة ظلت تعتمد بقوة على النصوص. وبدلا من قياس النجاح بعدد المشاهدات فقط، تختبر الصحيفة مدة تفاعل الجمهور مع النص والصوت والفيديو داخل منصاتها وخارجها.
أما في آسيا والمحيط الهادي، فقد سبقت وسائل التواصل والفيديو التلفزيون والمواقع الإخبارية منذ سنوات. وركزت المؤسسات هناك على بناء عادة يومية؛ إذ حقق منتج يومي لشبكة "CNA" السنغافورية معدل عودة يومية بلغ 27%، بينما حولت مجموعة "مايكيونغ" أرشيفا يضم 10 ملايين مقال إلى محرك معرفة يستشهد بالمصادر، فارتفع عدد مشتركيها بنسبة 213% خلال 30 شهرا.
لم تعد غرف الأخبار تخاطب البشر فقط، بل تواجه 3 أنواع من الجمهور: المستخدمون، والوكلاء الرقميون الذين يعملون نيابة عنهم، وأنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتها. وقد أظهر تدقيق للرابطة أن علامة تجارية واحدة من كل 4 علامات مشاركة فقط تحظى باستشهاد أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تكون حرة في اختيار مصادرها.
إعلان
ويخلص ويلكنسون إلى أن المؤسسات مطالبة بإعادة تقدير ميزانياتها على أساس احتمال تراجع زيارات البحث بنسبة 50%، وتحديد سياساتها تجاه برامج زحف الذكاء الاصطناعي، ومعرفة مستخدميها الأكثر ولاء وقيمتهم وسبل زيادة أعدادهم.
فالمؤسسات الإعلامية، بحسب الكاتب، تعرف الآن أنها تبيع الثقة والخبرة والتحقق، لكنها لم تنجح بعد في تسعير هذه القيمة. وبعبارته المكثفة: "لقد غادرنا المبنى، لكننا لم نرسل الفاتورة بعد".
إقرأ المزيد


