تحليل لتصريحات بوتين عن "عالم القرش" وآمال ترامب المتعلقة بالسلام في أوكرانيا
موقع سي ان ان بالعربية -

تحليل بقلم الزميل ناثان هودج بـCNN

(CNN)-- توجه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى قيرغيزستان مؤخرا لحضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون، وهو اجتماع إقليمي ضم أيضاً الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وقد اجتمع القادة في العاصمة بيشكيك وسط أجواء مشحونة بالتوترات الجيوسياسية؛ إذ شهدت الفترة ذاتها جولة جديدة من الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، وهجمات مكثفة شنتها روسيا بطائرات مسيرة وصواريخ على أوكرانيا، فضلاً عن اتهام ألمانيا لروسيا بالمسؤولية عن هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطار لايبزيغ، الشهر الماضي.

ومع ذلك، بدا بوتين واثقاً تماماً وفي وضع مريح؛ ففي مؤتمر صحفي، حرص بوضوح على التأكيد على نقطة جوهرية: وهي أن الدول تعيش في حالة من المنافسة الداروينية، وأن روسيا ستخرج منتصرة في هذا الصراع القائم على مبدأ "بقاء الأصلح".

ورداً على سؤال طرحه بافيل زاروبين -مراسل الكرملين- حول تصريحات غير معتادة أدلى بها بوتين قبل بضعة أيام بشأن افتراس الحيتان القاتلة للدببة القطبية (وسنتناول لاحقاً آراء بوتين في علم الأحياء البحرية)، وصف الرئيس الروسي تصريحه بأنه تشبيه "عفوي" يعكس المواجهة المستمرة بين روسيا والغرب.

وأوضح بوتين: "أستطيع القول إن الحوت القاتل (الأوركا) هو بلا شك مفترسٌ مهيب، لكنه في الوقت ذاته كائنٌ شديد الذكاء وماكر. أما 'الغرب الجماعي'، فقد أُسبغ عليه -من جانبه- تعريفٌ محددٌ في الحقبة السوفيتية لا يزال سارياً حتى يومنا هذا، وهو: قروش الإمبريالية".

وقد لا تنتمي أسماك القرش والحيتان القاتلة (الأوركا) إلى الفئة الحيوانية ذاتها، إلا أن بوتين واصل استخدام هذا التشبيه، وقال: "لقد تمحور جوهر تصريحاتي حول أنه إذا حاول أي طرف جرّنا إلى أسفل السلسلة الغذائية لافتراسنا أو التهامنا، فعليه أن يتوقع تكسّر أسنانه".

وأضاف: "وروسيا مستعدة تماماً للقيام بذلك، رغم الشهية النهمة والأسنان التي تزداد حدةً لدى أسماك القرش تلك".

وكانت الرسالة هنا واضحة، سواء للجمهور المحلي أو لنظراء بوتين الدوليين؛ ففيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، يعتزم بوتين المضي قدماً وتصعيد الموقف، بصرف النظر عن مواقع خطوط المواجهة في ساحة المعركة، ومهما كانت الأعباء الاقتصادية التي قد تنجح كييف في إلحاقها بالمواطنين الروس العاديين من خلال حملة الضربات العميقة.

يدرك بوتين أن أوكرانيا تعاني من موقف دفاعي صعب فيما يخص حماية أجوائها، في حين تواصل القوات الروسية استهداف المدن الأوكرانية بكثافة باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ.

وفي حين حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، من أن المجال الجوي الروسي "سيُغلق فعلياً" بسبب وجود طائرات مسيّرة أوكرانية، قلّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من شأن هذا الخطاب التصعيدي، مشيراً إلى أنه لم يسمع بتلك التصريحات.

وقال بوتين إن مثل هذه التعليقات "لا تعدو كونها دعوة إلى إرهاب ترعاه الدولة. وأود أن ألفت الانتباه إلى أنهم يطالبوننا باستئناف المفاوضات وعقد لقاءات مباشرة؛ والحال أن المرء لا يتفاوض مع الإرهابيين".

كما أبدى بوتين استخفافاً مماثلاً بالادعاء الألماني القائل بأن روسيا مسؤولة عن هجوم بطائرة مسيّرة وقع مؤخراً في مطار لايبزيغ، ملمحاً إلى أن برلين قد لفّقت أدلةً في إطار استفزاز متعمد.

وقال بوتين: "لا يوجد سوى تفسير واحد مطروح: الحاجة إلى التصدي لـ ’روسيا العدوانية‘. ولكن أين الدليل؟ حسناً، لقد تم الآن تلفيق بعض ’الأدلة‘".

ربما اتسمت تصريحات بوتين في بيشكيك بنبرة صدامية، إلا أنه أبدى مرونة أكبر فيما يتعلق بإدارة ترامب، ورداً على سؤال حول الزيارة الأخيرة التي قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، جون راتكليف، إلى موسكو، أشار بوتين إلى أن اتصالات راتكليف مع مسؤولي الاستخبارات الروس كانت بناءة، دون أن يفصح عن أي تفاصيل جديدة.

وقال بوتين إن "الاتصالات قائمة دائماً، حتى في أحلك فترات الحرب الباردة، وهي كذلك الآن وبشكل أكبر. نحن نؤيد المفاوضات -أي مفاوضات- شريطة أن تكون زاخرة بمضامين ملموسة في المقام الأول. وإذا كان بوسع أي شخص تقديم مساهمة ملموسة في هذه العملية، فإننا نرحب بذلك تماماً".

وكما أوضح بوتين من يفضلهم كطرف محاور عند السعي لإبرام أي اتفاقات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهما الثنائي الدبلوماسي غير التقليدي المكون من المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترامب.

وقال الزعيم الروسي: "هؤلاء أشخاص مقربون من الرئيس ترامب. وفي رأيي، هم أناس مخلصون يسعون لإضفاء مضمون ملموس على عملنا. كما أن الرئيس يثق بهم، وهو أمر بالغ الأهمية؛ إذ يستحيل عموماً إجراء أي مفاوضات دون هذه الثقة. إن كلاً من السيد كوشنر والسيد ويتكوف ضيفان مرحب بهما دائماً لدينا، ويسعدنا العمل معهما".

لقد قام كل من ويتكوف وكوشنر بعدة زيارات إلى موسكو منذ بدء ترامب ولايته الثانية. غير أن تفضيل بوتين لهما قد يثير القلق في كييف؛ فويتكوف وكوشنر لم يزورا أوكرانيا منذ توليهما مهامهما كمبعوثين لترامب لملف السلام، ويخشى بعض المراقبين أن يدعما اتفاقاً تميل كفته لصالح روسيا.

وتواجه أوكرانيا شتاءً صعباً، وتتزايد المخاوف من احتمال أن تشن روسيا موجة جديدة من التعبئة العسكرية عقب الانتخابات البرلمانية المقررة في وقت لاحق من هذا الشهر. ورغم أن بوتين وصف هذه التكهنات بأنها "هراء محض"، إلا أن تعليقاته حول عالم الحيوان قد تعطي لمحة عما يدور في ذهنه هذه الأيام.

قد يهمك أيضاً



إقرأ المزيد