12 كيلومترا من الصمت.. كيف تحولت أعمق حفرة في التاريخ البشرية إلى منجم طاقة؟
الجزيرة.نت -

Published On 3/9/2026

|

آخر تحديث: 11:34 (توقيت مكة)

في 24 مايو/أيار 1970، بدأ مهندسون سوفيات مشروعا علميا طموحا في شبه جزيرة "كولا" شمال غربي روسيا، بهدف الحفر عميقا في قشرة الأرض وكشف ما تخفيه طبقاتها. وبعد أكثر من عقدين من العمل المتقطع، أصبح المشروع واحدا من أعظم تجارب استكشاف باطن الأرض، بعدما وصل الحفر إلى عمق 12262 مترا، وهو الرقم الذي لا يزال يمثل أعمق بئر رأسية حفرها البشر.

لكن المفاجأة لم تكن في العمق وحده، بل فيما كشفته الصخور والحرارة عن باطن كوكبنا، وهي بيانات يعود العلماء اليوم إليها بحثا عن مصدر محتمل لطاقة المستقبل.

مخطط يوضح الموقع الجيولوجي والمقطع العرضي لأعمق بئر حفرها البشر في شبه جزيرة كولا، وامتدادها عبر طبقات القشرة الأرضية (دورية اتصالات الأرض والبيئة)

حمل المشروع اسم البئر فائقة العمق "إس جي-3" (SG-3)، ولم يكن هدفه الأساسي إنتاج الطاقة أو استخراج مورد اقتصادي، وإنما دراسة بنية القشرة القارية والعمليات الجيولوجية التي تحدث في أعماقها. واستمر الحفر حتى عام 1992، عندما اصطدم العلماء بحدود الحرارة والتقنية والتمويل.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وخلال الرحلة إلى الأعماق، عبَر الحفر طبقات صخرية احتوت على النحاس والنيكل والمغنيتيت، ووصل إلى صخور يعود عمر بعضها إلى نحو 2.5 مليار سنة. كما عثر الباحثون على أحافير لكائنات مجهرية، وهو اكتشاف مفاجئ لأن وجود آثار حياة قديمة على هذا العمق لم يكن متوقعا. وأظهرت العينات أيضا أن باطن القشرة أكثر تعقيدا ونشاطا من التصورات السابقة.

الحرارة التي أوقفت أعمق حفرة

كان العامل الحاسم في نهاية المشروع هو الحرارة، فقد بلغت درجة الحرارة في قاع البئر نحو 212 درجة مئوية، وهي أعلى بكثير مما توقعه المهندسون عند التخطيط للحفر. ومع ارتفاع الحرارة، بدأت الصخور في الأعماق تتصرف بطريقة مختلفة، فأصبحت أكثر ليونة وتدفقت تدريجيا لتغلق أجزاء من البئر، ما جعل مواصلة الحفر أمرا بالغ الصعوبة.

إعلان

وكان الهدف الأصلي الوصول إلى عمق 15 كيلومترا، كما كان العلماء يأملون في الوصول إلى منطقة "موهو" التي تمثل الحد الفاصل بين القشرة الأرضية والوشاح. لكن البئر لم تصل إليها.

موقع بئر كولا فائقة العمق المهجورة في شبه جزيرة كولا، بعد توقف أعمال الحفر التي امتدت أكثر من عقدين (مايننيغ كوم)

ومع ذلك، خلصت مراجعة علمية حديثة نشرت في دورية "اتصالات الأرض والبيئة" (Communications Earth & Environment) إلى أن مشروع كولا أعاد تشكيل فهم العلماء لبنية القشرة القارية والعمليات الجيولوجية في الأعماق، وقدم واحدة من أكثر مجموعات البيانات المباشرة شمولا عن القشرة القارية البلورية.

من إرث الحرب الباردة إلى طاقة المستقبل

اليوم، تكتسب بيانات كولا أهمية جديدة مع تنامي الاهتمام بالطاقة الحرارية الجوفية، خصوصا أنظمة الطاقة الحرارية الجوفية المحسنة، التي تعتمد على الوصول إلى الصخور الساخنة في الأعماق وحقن المياه تحت ضغط مرتفع، ثم استخدام الحرارة الناتجة لتوليد الكهرباء.

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن منطقة الحوض العظيم في غرب الولايات المتحدة وحدها قد تمتلك إمكانات نظرية تصل إلى 135 غيغاواطا من القدرة الكهربائية عبر هذه التقنية، مقارنة بنحو 4 غيغاواطات من الطاقة الحرارية الجوفية التقليدية في الولايات المتحدة.

حفرة كولا فائقة العمق، أحد أضخم مشاريع الحفر العلمي في التاريخ، تمتد كيلومترات داخل باطن الأرض لاستكشاف أسرار القشرة وحرارتها (شترستوك)

ولا تحتاج المشروعات الحديثة بالضرورة إلى الوصول إلى أعماق كولا؛ إذ تعمل مشاريع جديدة على استغلال صخور يمكن أن تصل حرارتها إلى نحو 400 درجة مئوية على أعماق أقل بكثير. ومن المقرر أن يبدأ نظام واسع النطاق في يوتا بإمداد شبكة الكهرباء بالطاقة في وقت لاحق من عام 2026، مع مشروعات أخرى في غرب تكساس ووسط أوريغون.

وهكذا، قد يكون أهم ما تركته البئر السوفياتية ليس الحفرة نفسها، التي أصبحت مهجورة، بل المعرفة التي جمعها العلماء خلال حفرها.

فمشروع بدأ في زمن الحرب الباردة بحثا عن أسرار القشرة الأرضية، يسهم اليوم في الإجابة عن سؤال مختلف تماما: كيف يمكن للإنسان تحويل حرارة الأرض العميقة إلى مصدر مستدام للطاقة؟

وتكشف هذه القصة أن قيمة البحث العلمي لا تنتهي بانتهاء المشروع؛ فقد تتحول البيانات التي تبدو بلا استخدام مباشر إلى مفتاح لتقنيات يحتاج إليها العالم بعد عقود.



إقرأ المزيد