ربع قرن من ليونيل ميسي.. مسيرة مذهلة بين الأوراق
الجزيرة.نت -

Published On 2/9/2026

بدأت الحكاية على منديل صغير في أحد مطاعم برشلونة، وانتهى فصلها الدولي بعد أكثر من ربع قرن بثلاث ورقات حملت كلمات الوداع.

وربما لا توجد مسيرة في تاريخ كرة القدم ارتبطت بالأوراق والوثائق مثل مسيرة ليونيل ميسي منذ أن كان طفلا أرجنتينيا لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره وصولا إلى الرجل الذي أصبح بطلا للعالم والفائز بالكرة الذهبية ثماني مرات.

على منديل ورقي.. التدوين الأول

في 14 ديسمبر/كانون الأول 2000، جلس عدد من الرجال في نادي بومبيا للتنس في برشلونة لمحاولة إنهاء حالة التردد بشأن التعاقد مع موهبة أرجنتينية صغيرة تدعى ليونيل ميسي.

كانت عائلة اللاعب تشعر بالقلق بسبب بطء برشلونة في اتخاذ قراره بعد خضوع ميسي للاختبار، فدعا كارليس ريكساش، المدير الرياضي للنادي وقتها، والد اللاعب خورخي إلى اجتماع لحسم الموقف.

لم تكن هناك ورقة عقد جاهزة أمامهم، ولهذا كُتب التعهد على ما كان متاحا "منديل ورقي" وبالحبر الأزرق، تعهد ريكساش، بحضور مستشار الانتقالات جوسيب مينغيلا ووكيل اللاعبين هوراسيو غاجيولي، بالتعاقد مع ليونيل ميسي وفق الشروط المالية التي جرى الاتفاق عليها، وحمل المنديل توقيعات ريكساش ومينغيلا وغاجيولي.

لم يكن عقدا احترافيا كاملا بالمعنى القانوني، لكنه أصبح رمزا للحظة التي قرر فيها برشلونة وضع مستقبله في قدم طفل أرجنتيني لم يكن قد أكمل عامه الرابع عشر وبعد نحو شهر، انضم ميسي إلى برشلونة.

خاض ميسي 778 مباراة مع الفريق الأول للنادي الكتالوني، وسجل 672 هدفا، ليصبح الهداف التاريخي لبرشلونة، وقاده إلى عشرة ألقاب للدوري الإسباني وأربعة ألقاب لدوري أبطال أوروبا، فضلا عن قائمة طويلة من البطولات والأرقام الفردية.

وبعد أكثر من 23 عاماً على توقيعه، عاد المنديل إلى الواجهة من جديد، إذ عُرض في مزاد أجرته دار "بونهامز" في لندن عام 2024، بسعر افتتاحي بلغ 300 ألف جنيه إسترليني (نحو 380 ألف دولار)، قبل أن يُباع في النهاية مقابل 762 ألفاً و400 جنيه إسترليني (نحو 970 ألف دولار).

عقد "باهظ الثمن"

بعد سنوات من ذلك التوقيع البسيط، أصبحت الأوراق التي تحمل اسم ميسي أكثر تعقيدا.. وأكثر تكلفة أيضا، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وقع الأرجنتيني أحد أشهر العقود في تاريخ الرياضة مع برشلونة.

إعلان

وبقيت تفاصيل العقد سرية حتى يناير/كانون الثاني 2021، عندما نشرت صحيفة "إل موندو" (El Mundo) الإسبانية محتواه، وقالت إن قيمة الالتزامات القصوى في العقد الممتد لأربعة مواسم، قد تصل إلى 555 مليوناً و237 ألفاً و619 يورو (نحو 650 مليون دولار) إذا تحققت جميع الشروط والمتغيرات.

كان العقد يتكون من نحو 30 صفحة، ويتضمن راتبا سنويا ومتغيرات ومكافأة توقيع ومكافأة ولاء، ليتحول إلى واحدة من أكثر الوثائق إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم.

"البوروفاكس".. وثيقة كادت تنهي كل شيء

في أغسطس/آب 2020، وبعد أيام من الهزيمة التاريخية أمام بايرن ميونيخ بنتيجة 8-2 في دوري أبطال أوروبا، وصلت إلى مكاتب برشلونة وثيقة ربما كانت أكثر أوراق ميسي إثارة للصدمة حتى وقتها، "بوروفاكس" موقع من ليونيل ميسي يطلب فيه الرحيل عن النادي، والبوروفاكس هو وسيلة رسمية مستخدمة في إسبانيا لإرسال وثائق مع إثبات قانوني لمحتواها وتاريخ وصولها.

استند ميسي إلى بند في عقده يعتقد أنه يسمح له بإنهاء ارتباطه بالنادي من طرف واحد في نهاية الموسم، لكن برشلونة رأى أن الموعد المحدد لتفعيل البند كان قد انتهى في 10 يونيو/حزيران من العام المذكور.

وفي النهاية، تراجع ميسي عن الدخول في مواجهة قضائية مع النادي الذي قضى فيه معظم حياته، وقرر البقاء لموسم آخر، لكن البوروفاكس فعل ما لم تفعله عشرات الشائعات على مدار السنوات السابقة إذ أكد للمرة الأولى أن ميسي أراد فعلا الرحيل عن برشلونة.

من أجل كبح الدموع

بعد عام واحد فقط وبالتحديد في صيف عام 2021، انتهى عقد ميسي مع برشلونة، وكانت رغبة اللاعب والنادي هي الاستمرار، لكن الأزمة المالية وقواعد تسجيل اللاعبين في الدوري الإسباني جعلت الأمر مستحيلا، وفي 5 أغسطس/آب، أعلن برشلونة رسميا أن ميسي لن يستمر.

وبعد ثلاثة أيام، جلس اللاعب داخل ملعب كامب نو أمام الصحفيين ليقول وداعا للنادي الذي وصل إليه طفلا، لم يحتج ميسي في تلك اللحظة إلى عقد أو بوروفاكس بل احتاج إلى منديل ورقي كالذي بدأ منه كل شيء، وكان ذلك في محاولة مستحيلة لإخفاء البكاء على تلك المسيرة المذهلة مع النادي الكتالوني.

ثلاث ورقات أنهت مسيرة

بعد الرحيل عن برشلونة بخمسة أعوام وبالتحديد في عام 2026، وبعد تجارب متباينة في باريس سان جيرمان وإنتر ميامي ونجاح ساحق مع منتخب الأرجنتين، وصل ميسي مع "التانغو" إلى نهائي آخر لكأس العالم، قبل الخسارة أمام إسبانيا بهدف دون رد.

كانت تلك المباراة هي الأخيرة، وتلتها بيومين فقط ثلاث ورقات كتب فيها ميسي رسالة الوداع، فبعد يومين من نهائي المونديال وتحديدا في 21 يوليو/تموز، جلس ميسي ليكتب الكلمات التي لم يكن مستعدا لنشرها بعد.

كتب ميسي أنه اتخذ قرارا يؤلمه "في أعماقه" لكنه أدرك أن الوقت المناسب قد حان.

وتحدث عن أنه قدم كل شيء بقميص بلاده، ليس فقط خلال السنوات التي شهدت الانتصارات الكبرى، وإنما في السنوات السابقة أيضا، عندما كانت الانتقادات أقسى من الألقاب.

وشكر جماهير الأرجنتين وعائلته ومدربيه وزملاءه وكل من رافقه خلال الرحلة، لكنه لم ينشر الرسالة إلا بعد وفاة والده خورخي ميسي، الرجل الذي رافقه منذ خطواته الأولى، وكان حاضرا في رحلة الانتقال من روساريو إلى برشلونة، وظل مديرا لأعماله وأحد أقرب الأشخاص إليه طوال مسيرته.

إعلان

وفي 31 أغسطس/آب 2026، نشر ميسي الرسالة وأعلن رسميا اعتزاله اللعب الدولي، خرج من منتخب الأرجنتين بعد 207 مباريات و125 هدفاً، باعتباره الأكثر مشاركة والأكثر تسجيلا في تاريخ بلاده، وبعد مسيرة توج خلالها بكأس العالم 2022 وكوبا أمريكا مرتين.

ربما لم تأخذ فكرة التدوين هذا الحيز لدى أحد أساطير كرة القدم مثلما أخذت في مسيرة ليونيل ميسي، تدوين للتاريخ داخل الملعب، وتدوين لأبرز المحطات خارجه، وهكذا كتب ميسي بحروفه كل شيء في مسيرة مذهلة.



إقرأ المزيد