الجزيرة.نت - 9/1/2026 5:35:03 PM - GMT (+3 )
Published On 1/9/2026
|آخر تحديث: 17:09 (توقيت مكة)
لطالما بدا المريخ للعلماء عالما جيولوجيا خاملا مقارنة بالأرض. فالكوكب الأحمر لا يمتلك صفائح تكتونية تتحرك فوق سطحه وتعيد تشكيل القشرة باستمرار، ولذلك اعتُقد أن قدرته على إنتاج بنية جيولوجية معقدة محدودة.
لكن دراسة جديدة تقلب جانبا من هذه الصورة، بعدما كشفت بيانات زلزالية عن أدلة على وجود أنظمة صهارية ضخمة امتدت عميقا داخل قشرة المريخ في ماضيه.
وتوصل إلى هذه النتيجة باحثون من جامعة أكسفورد، باستخدام بيانات جمعتها مهمة "إنسايت" (InSight) التابعة لوكالة ناسا، التي هبطت على المريخ عام 2018 لدراسة باطن الكوكب. ونشرت الدراسة في دورية "نيتشر أسترونومي" (Nature Astronomy) في يونيو/حزيران 2026، وركزت على حد زلزالي غامض يقع على عمق نحو 24 كيلومترا تحت السطح. وكانت دراسات سابقة قد رصدت هذا الحد، لكنها لم تتمكن من تحديد طبيعة الصخور التي تسببت فيه.
اعتمد الباحثون على الموجات الزلزالية الناتجة عن زلازل المريخ واصطدامات النيازك، ثم قارنوا خصائصها بمئات النماذج المحتملة لتركيب الصخور، مستخدمين نمذجة حرارية وديناميكية وإحصائية.
وأظهرت النتائج أن الطبقة الواقعة فوق الحد الزلزالي تتوافق بصورة أفضل مع صخور مافية شبيهة بالبازلت، بينما تتوافق الطبقة الواقعة تحته مع صخور فوق مافية غنية بالحديد والمغنيسيوم وأقل في السيليكا. وتقدر الدراسة سُمك هذه الطبقة السفلية بنحو 14 كيلومترا، بينما يقع الحد الحقيقي بين القشرة والوشاح على عمق يقارب 38 كيلومترا.
ويرجح العلماء أن هذه الطبقة تشكلت عندما تجمعت صخور منصهرة عميقا تحت سطح المريخ، ثم بدأت مكوناتها تنفصل تدريجيا. فمع تبريد الصهارة، استقرت البلورات الأثقل في الأعماق، بينما صعدت المواد المنصهرة الأخف إلى طبقات أعلى من القشرة.
إعلان
وتعرف هذه العملية باسم التمايز الصهاري، وهي آلية معروفة على الأرض في مناطق النشاط البركاني.
شبكة صهارة تمتد مئات الكيلومتراتالأكثر إثارة في الدراسة أن ما رصده العلماء قد لا يكون ظاهرة محلية صغيرة. فالأدلة الزلزالية تشير إلى أن الانقطاع الموجود على عمق يتراوح بين 20 و24 كيلومترا قد يمتد على مساحات واسعة من النصف الشمالي للمريخ، مما يفتح احتمال وجود أنظمة صهارية مترابطة امتدت لمئات، وربما آلاف، الكيلومترات تحت السطح.
ويصف الباحثون هذه العملية بأنها نظام صهاري عابر للقشرة، أي أن الصهارة لم تتجمع في غرفة واحدة تحت بركان، وإنما تحركت عبر مستويات مختلفة من القشرة، وتغير تركيبها أثناء صعودها، مع احتمال بقائها في خزانات داخلية قبل وصول بعضها إلى السطح.
وقال الدكتور "توبيرموري ماكاي-تشامبيون"، الباحث الرئيسي في الدراسة، وكان حينها في قسم علوم الأرض بجامعة أكسفورد وهو حاليا باحث أول في جامعة بريستول، إن العلماء اعتادوا النظر إلى النشاط البركاني على المريخ باعتباره أبسط كثيرا من نظيره على الأرض، لكن النتائج تشير إلى أن الكوكب ربما احتفظ بأنظمة صهارية ضخمة وطويلة العمر قادرة على إعادة معالجة الصخور المنصهرة في أنحاء القشرة.
المريخ يعيد طرح سؤال الحياةلا تعني النتائج أن المريخ امتلك صفائح تكتونية شبيهة بالأرض؛ فالدراسة تؤكد أن مثل هذه الأنظمة الصهارية يمكن أن تتشكل من دون حركة الصفائح. وهذا مهم لأن وجود عمليات جيولوجية معقدة لا يبدو، وفقا لهذه النتائج، حكرا على الكواكب ذات الصفائح المتحركة.
ويرى البروفيسور جون ويد، وهو أستاذ مشارك في مواد الكواكب بجامعة أكسفورد، أن النتيجة تثير سؤالا أوسع حول تطور الكواكب الصخرية وإمكان ظهور الظروف الملائمة للحياة على عوالم لا تشبه الأرض تماما. وتشير الدراسة كذلك إلى أن هذه الأنظمة الصهارية قد تكون أنتجت رواسب معدنية مهمة قرب السطح، مما يضيف بعدا مستقبليا لدراسة موارد المريخ.
وهكذا لا تقدم زلازل المريخ مجرد صورة جديدة لطبقاته الداخلية، بل تغير طريقة النظر إلى الكوكب نفسه. فما يبدو اليوم سطحا باردا وخاملا قد يكون سجلا محفوظا لنشاط حراري وصهاري هائل حدث في الماضي.
وتؤكد هذه النتيجة قيمة الاستكشاف العلمي: فمهمة واحدة مثل "إنسايت" استطاعت، عبر تسجيل اهتزازات ضعيفة، أن تكشف تاريخا عميقا لكوكب يبعد عنا ملايين الكيلومترات، وتفتح أسئلة جديدة عن كيفية نشوء العوالم الصخرية وإمكان احتضانها لظروف الحياة.
إقرأ المزيد


