الجزيرة.نت - 9/1/2026 4:03:58 PM - GMT (+3 )
Published On 1/9/2026
في قلب شمال المحيط الأطلسي، توجد منطقة بحرية تبدو للوهلة الأولى كأنها لغز جغرافي، فلا شواطئ تحيط بها ولا قارات ترسم حدودها، ومع ذلك لها اسم وموقع ونظام بيئي فريد.
إنه بحر سارجاسو (Sargasso Sea) في شمال الأطلسي، حيث ترسم التيارات حدوده بدلا من اليابسة.
يقع بحر سارجاسو في قلب الدوامة شبه المدارية لشمال الأطلسي، وتحده تيارات بحرية كبرى بدلا من السواحل.
فتيار الخليج يرسم حدوده الغربية، بينما يحده من الشمال التيار الأطلسي الشمالي، ومن الشرق تيار الكناري، ومن الجنوب التيار الاستوائي لشمال الأطلسي. لذلك فإن حدوده ليست ثابتة، بل تتغير تبعا لحركة التيارات والظروف الموسمية.
وتقدّر لجنة بحر سارجاسو مساحته بنحو مليوني ميل مربع، أي أكثر من 5 ملايين كيلومتر مربع، لكن هذا الرقم يظل تقريبيا بسبب الطبيعة المتحركة لحدوده.
وهذه الخصوصية هي ما تجعل بحر سارجاسو استثناء جغرافيا، فالإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA) تصفه بأنه "البحر الذي لا تحده اليابسة، وإنما تحدده التيارات المحيطية".
ويمتد بحر سارجاسو بالكامل في منطقة أعالي البحار، أي خارج حدود الولاية المباشرة لأي دولة ساحلية، مما يزيد من تعقيد حمايته وإدارة موارده.
لم يأتِ اسم بحر سارجاسو من فراغ، فهو مستمد من "السارجاسوم" (Sargassum)، وهو جنس من الطحالب البنية التي تطفو بحرية على سطح المحيط ولا ترتبط بقاع البحر.
تتجمع هذه الطحالب في كتل أو أحزمة عائمة، لتتحول إلى موائل توفر الغذاء والحماية ومناطق التكاثر لعدد كبير من الكائنات البحرية.
وتتميز بعض أنواع السارجاسوم الموجودة في بحر سارجاسو بكونها "هولوبيلاغية"، أي أنها تكمل دورة حياتها في عرض البحر، بما في ذلك التكاثر، من دون الحاجة إلى الالتصاق بقاع المحيط. وهذه سمة نادرة بين الطحالب البحرية.
حضانة عائمة للسلاحف والأسماكوسط هذه الكتل الطافية، تجد كائنات بحرية عديدة الغذاء والمأوى. تستخدم صغار السلاحف البحرية تجمعات السارجاسوم بوصفها مناطق حضانة توفر لها الطعام والحماية، كما تعتمد عليها أنواع من الأسماك والقشريات وغيرها من الكائنات البحرية.
إعلان
ولا تقتصر أهمية المنطقة على الكائنات الصغيرة، فبحسب الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية، يمثل بحر سارجاسو أيضا منطقة لتكاثر بعض أنواع ثعابين البحر المهددة، وممرا لهجرة أنواع من الحيتان والأسماك والطيور البحرية.
وتصف لجنة بحر سارجاسو هذه المنطقة بأنها نظام بيئي مفتوح في أعالي البحار، تدعم فيه كتل السارجاسوم العائمة مجموعة من الأنواع، بينها أنواع مستوطنة وأخرى تستخدم المنطقة في مراحل مهمة من دورة حياتها.
قد يكون من السهل الخلط بين بحر سارجاسو وبين "حزام السارجاسوم الأطلسي الكبير"، لكنهما ليسا شيئا واحدا.
فمنذ عام 2011 توسع نطاق وجود السارجاسوم في المحيط الأطلسي وظهر ما يعرف بـ"حزام السارجاسوم الأطلسي الكبير" في المناطق المدارية، وهو نطاق أوسع من منطقة بحر سارجاسو التقليدية. وتنقل التيارات كميات من هذه الطحالب إلى البحر الكاريبي وخليج المكسيك ومناطق أخرى.
بل إن دراسة علمية حديثة نُشرت عام 2025 وجدت أن كمية السارجاسوم في شمال بحر سارجاسو انخفضت بشكل كبير منذ عام 2015، بالتزامن مع توسع الحزام الأطلسي الكبير، وربط الباحثون هذه التحولات جزئيا بتغير أنماط انتقال السارجاسوم وربما بارتفاع درجات حرارة سطح البحر وموجات الحر البحرية في خليج المكسيك.
هذا يعني أن الصورة الأشهر للسارجاسوم بوصفه "غابة عائمة" لا تعني أن كل تلك الطحالب تتركز اليوم داخل بحر سارجاسو وحده.
من ظاهرة جغرافية إلى قضية بيئيةتكمن أهمية بحر سارجاسو أيضا في موقعه داخل أعالي البحار، حيث تتقاطع مصالح الملاحة والصيد وحماية التنوع البيولوجي.
وقد حددت اتفاقية التنوع البيولوجي بحر سارجاسو منطقة ذات أهمية بيئية وبيولوجية خاصة، مشيرة إلى دوره في دعم أنواع بحرية متعددة، بينها كائنات مهددة أو معرضة للخطر.
ويشير التقييم الثالث للمحيطات الصادر عن الأمم المتحدة إلى أن بحر سارجاسو ظل يُنظر إليه بوصفه منطقة من أعالي البحار يمكن أن تستفيد من حماية دولية ملزِمة، وأن اتفاقية التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج الولاية الوطنية، المعروفة اختصارا بـ(BBNJ)، تفتح مسارا جديدا لاستخدام أدوات حماية قائمة على المناطق، ومنها إنشاء مناطق بحرية محمية في أعالي البحار.
وفي هذا السياق، تعمل لجنة بحر سارجاسو منذ تأسيسها عام 2014 على تعزيز التعاون الدولي للحفاظ على النظام البيئي للمنطقة، التي تواجه ضغوطا متعددة من بينها الملاحة والصيد والتلوث البلاستيكي وتغير المناخ.
بحر بلا ساحل.. وحياة لا تعرف الحدودقد تبدو قصة بحر سارجاسو مجرد حقيقة جغرافية طريفة: بحر لا تلمسه اليابسة. لكن غرابته الحقيقية أعمق من ذلك، فحدوده التي تصنعها التيارات تحيط بنظام بيئي متحرك، تتجمع فيه الطحالب وتجد فيه السلاحف والأسماك وغيرها من الكائنات الغذاء والمأوى.
وهكذا، لا يحتاج هذا البحر إلى شاطئ كي تكون له حدود؛ فالتيارات ترسم حدوده، والطحالب تمنحه ملامحه، والكائنات البحرية تجعل منه نظاما حيا في قلب المحيط المفتوح.
إقرأ المزيد


