وثائقي "سقوط حر: محاسبة بوينغ".. موت الشاهد وأصوات الضحايا وهدير الطائرات
الجزيرة.نت -

ينتمي الفيلم السينمائي إلى عالم الترفيه، ويلجأ إليه المشاهد، غالبا، بعد يوم عمل شاق، ومرهق، بحثا عن ساعتين من المتعة والبعد عن أعباء الواقع. ولكنه في بعض الأحيان يظهر وجه آخر، لا يخلو من الترفيه، أو الشراسة والقدرة على تحويل حالة المشاهد المرهق الذي يستعد للنوم بعد كلمة النهاية إلى حالة أرق يصعب التغلب عليها.

ويفاجأ المشاهد بأدوات الفن السابع وقد تحولت إلى عدسات تكشف الحقائق الصادمة وتعمل كجسر يحمل أصوات الضعفاء والمظلومين إلى كل أركان الكرة الأرضية، وخاصة إذا رصد صانعه ملامح كارثة كبرى راح ضحيتها المئات دون أن يحاسب الفاعل أو المتسبب على جرائمه لأسباب تتعلق بالقوة والنفوذ والمال.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ويعد فيلم "سقوط حر: محاسبة بوينغ" (Freefall: A Reckoning for Boeing) نموذجا للفيلم الوثائقي ذي الأنياب التي تجرؤ على مواجهة الكبار، إذ يعود إلى كارثتي طائرات "737 ماكس" التابعة لشركة بوينغ العملاقة، وما أعقبهما من وقائع وتحذيرات.

ويجمع الفيلم الأدلة المتفرقة ويضع الرواية الرسمية أمام الحقائق التي استبعدتها، مانحاً عائلات الضحايا و"المبلغين عن المخالفات" (Whistleblower) مساحة لم توفرها لهم موازين القوة، حتى تتحول أصواتهم الفردية إلى شهادة عامة يصعب تجاهلها.

جزء ثان أو ضربة جديدة

يعود "سقوط حر.." إلى واحدة من أكبر أزمات الطيران المدني المعاصر، لكنه لا يبدأ من تحطم طائرتي "بوينغ 737 ماكس" اللتين أودتا بحياة 346 شخصاً في إندونيسيا وإثيوبيا، فقد تناولت المخرجة روري كينيدي هذه الكارثة في فيلمها السابق "السقوط: القضية ضد بوينغ" (Downfall: The Case Against Boeing) عام 2022.

ويبدأ الجزء الجديد بعد وقوع الكارثة والتحقيق فيها وعودة الطائرة إلى الخدمة، ليسأل عما إذا كانت الشركة أصلحت الخلل الذي سمح بحدوثها، أم اكتفت بإصلاح صورتها أمام الجمهور والجهات الرقابية.

إعلان

وتتخذ كينيدي والكاتب والمنتج مارك بيلي من وفاة جون بارنيت في مارس/آذار 2024 نقطة بداية لتعود إلى فتح الملف نفسه، والذي يشمل عمل بارنيت في "بوينغ" لأكثر من 3 عقود، بينها سنوات في مصنع طائرات "787 دريملاينر" بولاية ساوث كارولاينا، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز المبلغين عن مخالفات داخل الشركة.

ولكن "اللامفاجأة الكبيرة" تمثلت في العثور عليه ميتا برصاصة أثناء وجوده في في تشارلستون للإدلاء بأقواله في دعوى تتعلق بتعرضه للانتقام المهني، وانتهى تحقيق السلطات إلى أن وفاته كانت انتحارا.

ولا يحاول الفيلم تحويل وفاة بارنيت إلى لغز جنائي أو منازعة النتيجة الرسمية للتحقيق، بل يركز على ما حذر منه قبل رحيله من مشكلات في ضبط الجودة، وشعور بأن الإدارة تجاهلت ما أبلغ عنه، والثمن النفسي والمهني الذي دفعه نتيجة مواجهته الشركة.

ويصبح بارنيت الخيط الذي يربط بين خلل فني يمكن إصلاحه وثقافة إدارية تجعل الإبلاغ عن الخلل نفسه مخاطرة، وذلك من خلال تسجيلاته وشهادات أفراد عرفوه.

وينتقل الفيلم من خلال هذه القصة الفردية إلى شهادات موظفين ومهندسين ومبلغين آخرين يتحدثون عن ضغط جداول الإنتاج، والاستعانة المتزايدة بموردين خارجيين، وتراجع سلطة المهندسين أمام الإدارة، والخوف من الاعتراض على قرارات قد تمس سلامة الطائرات.

ويستعين كذلك بمواد أرشيفية وجلسات استماع في الكونغرس ومقاطع صورت بعيدا عن المقابلات الرسمية، ليحاول إثبات أن أزمة "737 ماكس" لم تكن حادثاً منفصلاً، وإنما نتيجة نموذج إداري ظل أثره قائما في برامج أخرى داخل الشركة.

حق الرد داخل العمل

ويمتد الفيلم، الذي تبلغ مدته 93 دقيقة ويعرض على نتفليكس، إلى العلاقة بين "بوينغ" والجهة المكلفة بمراقبتها، وهي إدارة الطيران الفدرالية الأميركية، لتتسع القضية من شركة أخفقت في حماية منتجاتها إلى نظام رقابي سمح لها بأداء جانب من إجراءات الفحص والاعتماد بنفسها، ثم عجز عن فرض تغيير يتناسب مع حجم الكارثة.

وترد "بوينغ" داخل الفيلم -وعبر بيان مكتوب- بأن بعض الادعاءات لا تعكس التحسينات التي نفذتها، وأنها أجرت تغييرات في القيادة ونظم الجودة وثقافة السلامة.

ولكن الوثائقي يضع هذه الردود أمام شهادات العاملين والحوادث اللاحقة، ليتساءل عن أسباب ظهور المبلغين والتحذيرات والمشكلات بعد عودة طائراتها إلى الجو، إذا كانت الشركة قد عالجت أسباب الأزمة وتعلمت من كوارثها.

جون بارنيت الشاهد الذي بدأ "سقوط حر.." برحيلها (آي إم دي بي)

يحمل الأسم "سقوط حر.." الكثير من الأسى على حال هذا العالم، إذ لا يختصر القضية في تحقيق حول أسباب سقوط طائرتين، ولكنه يتابع بحثا عن سبب أعمق وأشد خطرا على الركاب من كل أنحاء المعمورة. ويكشف الفيلم أن أسباب الخلل تكمن في صعوبة إجبار مؤسسة تملك نفوذا غير محدود على  تغيير ثقافتها، وأيضا صعوبة تحويل المعرفة العامة بالمخالفات إلى محاسبة تصل أصحاب القرار.

من الصوت الخافت إلى صورة المؤسسة

لا تتبع صانعة الفيلم روري كيندي تسلسلا تاريخيا انطاقا من كارثتي سقوط الطائرتين، وإنما تجعل من قصة جون بارنيت (المبلغ عن المخالفات) هي الأساس والمحور الدرامي الأساسي في الفيلم، وتستخدم نحو 6 ساعات من تسجيلاتها معه قبل موته. ويعود صوت بارنيت مصطحبا المشاهد إلى داخل مصانع "بوينغ" حيث يشرح ما رآه من مشكلات وما واجهه عندما حاول التحذير منها.

إعلان

ويمنح هذا الاختيار الفيلم قواما محددا كان يمكن أن يفقده بين تعدد الحوادث والشهادات والردود، لكنها تمنح بارنيت الصوت الذي افتقده حيا.

ويبدأ الفيلم من لحظة كان يفترض أن القصة انتهت عندها، بعد عودة طائرات "737 ماكس" إلى الخدمة وإعلان الشركة اتخاذ إجراءات لتحسين الجودة والسلامة، لكنه يعرض كل حادثة لاحقة وكل شهادة جديدة لتقويض هذه الوعود الفارغة، ليبني حركته على التناقض بين ما أعلنته الشركة المالكة للطائرات وما يقوله العاملون داخلها.

ولا يكرر الجزء الجديد ما قدمه الفيلم السابق "السقوط: القضية ضد بوينغ" وإنما يطرح تساؤلات جدية حول ما حدث بعد كشف الكارثة، وما قامت به الشركة من تغيير في ثقافتها وهل اكتفت بإدارة الأزمة إعلاميا وقانونيا فقط؟

وتتحرك الخيوط الدرامية داخل العمل تدريجياً من العيب الفني في الطائرة إلى القرار الإداري، ثم إلى قصور الرقابة الحكومية التي يفترض أن تمنع وصول الخلل إلى طائرة تحمل مئات الركاب.

ورغم الطبيعة الاستقصائية، يستعير الفيلم بعض أدوات الرعب والإثارة. فالمكان المغلق ليس منزلاً مسكوناً، وإنما مقصورة طائرة تحلق على ارتفاع آلاف الأمتار، والخطر لا يأتي من كائن مجهول، بل من قطعة ناقصة أو تحذير تجاهلته الإدارة.

ويبلغ التوتر ذروته عند استعادة حادثة انفصال سدادة الباب أثناء الرحلة وتعطل بعض أقنعة الأكسجين؛ إذ لا تحتاج كينيدي إلى اختراع الخطر أو المبالغة فيه، لأن معرفة أن ما نراه وقع بالفعل تمنحه رعبا يفوق كثيراً ما تصنعه أفلام الرعب المتخيلة.

الخوف والتخويف

يأتي استخدام تقنيات "الرعب" في العمل ليدعم الرسالة التي قام الفيلم عليها، لكنه يحمل المشاهد من مقعده إلى الطائرة ليتخيل رحلته القادمة، ويسقط في حالة خوف حقيقي لا يتعلق بفيلم وإنما يرتبط بحياته، وهنا يثور التناقض بين مبالغة تهدف للتوضيح وأخرى تتحول إلى تخويف حقيقي لا ينتهي بانتهاء الفيلم.

ولعل المشاهد -التي يظهر خلالها عاملون داخل مصنع "787 دريملاينر" في ساوث كارولينا وهم يعبرون عن عدم ثقتهم بالطائرات التي يشاركون في تصنيعها- هي الباب الأوسع للشك في كل طائرة يعتزم المشاهد ركوبها، فالعامل الذي يصنعها لا يرغب في ركوبها.

ويخوض "سقوط حر.." حرباً غير متكافئة ضد سلطة تمتلك المال والنفوذ والقدرة على التحكم في المعلومات، ويستند إلى الشهادات والوثائق والصور التي تعيد بناء ما حاولت الرواية الرسمية إخفاءه، ويحول الكاميرا إلى مساحة بديلة للمحاسبة، بعدما عجزت التحقيقات وجلسات الاستماع عن الوصول إلى نتائج تتناسب مع مقتل 346 شخصاً.

ويمنح الفيلم عائلات الضحايا والمبلّغين قوة جماعية في مواجهة شركة عملاقة، ويكشف كيف يمكن للفساد أن يتخفى خلف لغة الإدارة والسلامة والإجراءات القانونية.

ولا يستطيع الوثائقي إصدار حكم أو فرض عقوبة، لكنه يستطيع حماية الحقيقة من النسيان وإبقاء القضية حاضرة أمام الجمهور، ومن هنا تصبح السينما فعلاً من أفعال المقاومة، لأنها تسحب من أصحاب النفوذ احتكار رواية ما حدث.



إقرأ المزيد