الجزيرة.نت - 9/1/2026 2:08:31 PM - GMT (+3 )
Published On 1/9/2026
|آخر تحديث: 13:52 (توقيت مكة)
غزة – على أعتاب موسم دراسي جديد، لم تعد فاطمة ناصر تفكر في الحقائب والزي المدرسي كما كانت تفعل كل عام قبل حرب الإبادة الإسرائيلية.
هذه النازحة مع أطفالها الخمسة وزوجها في مسجد مدمر جنوب قطاع غزة لا يشغلها اليوم سوى توفير الماء والغذاء، فيما تتحول المدرسة إلى حلم مؤجل تحت الخيمة.
تصف فاطمة، الثلاثينية، حال أسرتها بأنه "سيئ جدا"، فقد زوجها عمله منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانضم إلى جيش العاطلين، بلا مصدر دخل ثابت.
ومع اقتراب العام الدراسي في الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، تقف عاجزة أمام قائمة طويلة من احتياجات أطفالها، من الملابس والحقائب إلى الدفاتر والقرطاسية، وتسأل بحرقة: "كيف يمكن لأطفالي أن يعودوا إلى مقاعد الدراسة، ونحن لا نملك ثمن أبسط مستلزماتها؟".
الخيمة المتهالكة التي تقيم فيها الأسرة ليست بيئة للتعليم، تحاول الأم أن تدرّس أبناءها ذاتيا، لكنها تصطدم بضجيج مخيم النزوح، وغياب الكتب، وعدم امتلاك هاتف يمكّن الأطفال من متابعة الدروس عبر التطبيقات والمنصات التعليمية التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم ومبادرات مجانية لتعويض الطلبة عن مدارس دُمرت أو تحولت إلى مراكز إيواء.
تسترجع فاطمة حياتها قبل الحرب: "كنت عايشة سعيدة ومرتاحة. زوجي يعمل ويوفّر لنا كل احتياجاتنا كأسرة. أما اليوم فلا شيء يشبه حياتنا السابقة". حكايتها صورة من واقع أغلبية سكان القطاع المنكوب.
من الخيمة إلى المكتبة. على رصيف قرب مجمع ناصر الطبي في خان يونس، تدير ياسمين أبو شاويش مكتبة صغيرة، وتراقب طوال النهار ضعف قدرة الأسر على شراء احتياجات أطفالها للمدرسة.
ياسمين خريجة جامعية لم تجد عملا بشهادتها، فأنشأت مشروعها المتواضع كمصدر دخل بسيط. تقول للجزيرة نت إن أزمات التعليم في غزة متعددة، من المدارس والمدرسين إلى أزمة القرطاسية نفسها، مع قفزات كبيرة في الأسعار.
إعلان
تضرب مثلا بقلم رصاص كان يباع بنحو نصف شيكل قبل الحرب، وارتفع إلى شيكلين، بينما ارتفع سعر دفتر من 40 ورقة من شيكل إلى 3 شواكل، ودفتر من 60 ورقة إلى 7 شواكل (الدولار يعادل نحو 3 شواكل). هذه القفزات تشمل معظم المستلزمات المدرسية، في وقت بالكاد تستطيع فيه الأسر توفير الماء والغذاء.
وتقول إن ضعف الإقبال على القرطاسية، رغم اقتراب العام الدراسي، مؤشر إلى أن العودة إلى التعليم بالنسبة لكثير من العائلات ليست عودة طبيعية، بل كلفة إضافية لا تستطيع تحملها.
في مواجهة هذا الواقع، تحاول المعلمة أحلام عبد العاطي حماية ما يمكن حمايته من التعليم وسط مخيمات النزوح في منطقة المواصي غرب خان يونس، حيث تدير واحدة من أوائل "المدارس البديلة" التي أُقيمت من خيام كمبادرة تعليمية مجانية.
منذ بداية الحرب، أدركت أحلام حجم المخاطر التي تهدد الطلبة والقطاع التعليمي، مع استهداف المدارس وتدمير أغلبيتها وتحويل كثير منها إلى مراكز إيواء. ومن هنا ولدت فكرة افتتاح "روضة ومدرسة أحلام غزة النموذجية" لتوفير مساحة تعليمية للأطفال.
تشير تقديرات وزارة التربية والتعليم في غزة إلى أن 80% من المدارس خارج الخدمة، وأن 55% من المدارس القائمة عبارة عن خيام ونايلون، بينما يواجه نحو 110 آلاف طالب وطالبة صعوبة في العودة إلى مقاعد الدراسة.
ورغم الدمار المتكرر، إذ تعرضت مدرستها للتدمير 3 مرات، تواصل أحلام إعادة بنائها بتمويل ذاتي ومساعدات محدودة، وتحافظ على تقديم الخدمة مجانا، وغالبية طلبتها من الأطفال النازحين.
في هذه المدرسة، تحل الخيمة محل الغرفة الصفية، وقطعة خشب متهالكة علقتها في مقدمة الخيمة تقوم بدور السبورة. تقول إنها تشعر بالفخر أمام أطفال يصرون على الحضور يوميا، متمسكين بحقهم في التعليم رغم كل شيء، وبعضهم لا تملك أسرهم ثمن دفتر، فيكتبون دروسهم على كرتون طرود المساعدات.
تقول أحلام: "التعليم في غزة ليس خيارا بل ضرورة". بعض الأشقاء يتشاركون قلما واحدا، وأسر أخرى توفر دفترا واحدا لكل المواد. هذه التفاصيل القاسية تروي في الوقت نفسه قدرة الفلسطيني على الصمود والمواجهة.
تحاول أحلام استخدام هاتفها المحمول بديلا عن الكتب في الحصص الدراسية، وقد أصبح "الجوال"، كما تصفه، أحد أهم وسائل التعليم البديلة.
لكن هذه الوسيلة ليست متاحة لغالبية الأطفال؛ أسعار الهواتف الذكية ارتفعت، وخدمة الإنترنت لا تتوفر بصورة منتظمة في كثير من مناطق القطاع ومخيمات النزوح ومراكز الإيواء.
أمام ذلك، يجد الطالب نفسه محاصرا بسلسلة من العوائق: مدرسة مدمرة أو مغلقة، كتب وقرطاسية ووسائل بديلة مفقودة أو بأسعار فلكية، وظروف حياة قاسية تعتمد فيها أغلب الأسر على المساعدات الإغاثية بعدما أفقدتها الحرب أربابها ومصادر دخلها ومدخراتها.
ولا تقف خسارة الأطفال عند غياب المدرسة، فالنزوح ذاته يدفع كثيرين إلى أدوار شاقة، كالخروج يوميا للبحث عن الماء والغذاء لأسرهم. تقول أحلام إن هذا الواقع المنهار لا يمنح آلاف الأطفال الوقت ولا البيئة المناسبة لمواصلة تعليمهم الأساسي، في موسم دراسي جديد يرسمه الحصار والحرب أكثر مما ترسمه الكتب والدفاتر.
إعلان
إقرأ المزيد


