آشفيل وبيشكيك.. بين أدوات الضغط الأمريكي والبحث عن هوامش بديلة
الجزيرة.نت -

بين آشفيل الأمريكية وبيشكيك القيرغيزية، اجتمعت هذا الأسبوع طاولتان دوليتان تختلفان في الحضور والأجندة، لكنهما تتقاطعان عند ملفات باتت تمس الاقتصاد العالمي وحياة الناس مباشرة، من الديون، وأسعار الطاقة، والتجارة، إلى العقوبات.

ففي آشفيل بولاية نورث كارولاينا، يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في دول مجموعة العشرين لمناقشة النمو والديون وتكاليف الاقتراض والتجارة وسلاسل الإمداد. وفي بيشكيك، يلتقي قادة منظمة شنغهاي للتعاون، حيث تتقدم ملفات الأمن الإقليمي والممرات التجارية والطاقة والتنسيق الاقتصادي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ولا يعني هذا التزامن أن العالم انقسم إلى معسكرين متقابلين أو أن منظمة شنغهاي أصبحت بديلا جاهزا لمجموعة العشرين. لكن المشهد يكشف تنافسا متزايدا على أدوات النفوذ، فالولايات المتحدة تستخدم ثقلها المالي والعقوبات، فيما تبحث قوى آسيوية وأوراسية عن قنوات تقلل اعتمادها على النظام المالي الغربي، وإن لم تستطع الاستغناء عنه بعد.

اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)
اقتصاد مثقل بالديون

تأتي اجتماعات مجموعة العشرين وسط تباطؤ متوقع في النمو العالمي، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وضغوط ديون متصاعدة، إلى جانب اضطراب أسواق الطاقة والتوترات التجارية الناتجة عن الرسوم الجمركية الأمريكية.

وبلغة أبسط، تعني تكلفة الاقتراض مقدار الفائدة التي تدفعها الحكومات والشركات للحصول على التمويل. وكلما ارتفعت، تقل الأموال المتاحة للاستثمار والخدمات، ويزداد الضغط على الموازنات العامة والأسواق، وقد ينعكس ذلك في نهاية المطاف على فرص العمل والأسعار.

وتناقش اجتماعات آشفيل أيضا تعزيز سلاسل الإمداد والاستثمارات وإعادة هيكلة ديون الدول النامية. لكن الاقتصاد لا ينفصل هنا عن السياسة؛ إذ تسعى واشنطن إلى حشد تأييد أوسع لتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، في وقت تؤدي فيه الحرب واضطراب تدفقات النفط إلى زيادة كلفة الطاقة عالميا.

طاولتان مختلفتان.. وملفات تتقاطع عند النفوذ الاقتصادي. (الجزيرة)

 البحث عن هامش أوسع

إعلان

أما قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، فلا تشبه اجتماعات العشرين من حيث المستوى أو الوظيفة. فالأولى تجمع قادة دول وتتناول الأمن الإقليمي والتعاون السياسي والاقتصادي، في حين تركز الثانية، في هذا الاجتماع، على إدارة ملفات مالية واقتصادية عالمية.

لكن الاقتصاد حاضر بقوة في بيشكيك أيضا، لأن أمن الممرات البرية والبحرية، وتدفقات الطاقة، وآليات الدفع، كلها تحولت إلى قضايا إستراتيجية. وتكتسب إيران أهمية خاصة في هذه النقاشات، لكونها تقع عند تقاطع طرق بين آسيا الوسطى والخليج والشرق الأوسط، ولارتباطها بمسارات التجارة والطاقة التي تهم الصين والهند وروسيا.

وتراهن طهران على علاقاتها داخل المنظمة لتنويع الشركاء، وطرق النقل، والعملات المستخدمة في التجارة. غير أن منظمة شنغهاي ليست اتحادا نقديا، ولا تملك حتى الآن نظاما ماليا مشتركا يحمي أعضاءها من آثار العقوبات الأمريكية.

ماذا تعني العقوبات الثانوية؟

لفهم جانب من هذا التنافس، لا يكفي الحديث عن بيع النفط أو شرائه. فالعقوبات الثانوية تستهدف أطرافا خارج الدولة المعاقبة إذا تعاملت مع جهات مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية.

وهذا يعني أن المشكلة لا تقف عند العثور على مشتر للنفط الإيراني. فبعد البيع، تبقى أسئلة أكثر تعقيدا: من ينقل الشحنة؟ ومن يؤمنها؟ وكيف تصل الأموال؟ وهل تستطيع الشركات والبنوك استخدام تلك العائدات من دون التعرض لعقوبات أو خسارة تعاملاتها مع الأسواق الأمريكية؟

ولهذا، قد لا يؤدي الدفع باليوان أو بعملة محلية إلى إزالة المخاطر تلقائيا. فالبنك وشركة الشحن وشركة التأمين قد تظل جميعها حذرة من التعرض للعقوبات الثانوية، حتى لو لم تستخدم الدولار في الصفقة.
ويصف دكتور الاقتصاد آيزاك سعيديان منظمة شنغهاي بأنها "درع لتقليل المخاطر، وليست بديلا كاملا للنظام المالي العالمي ".

بدائل ممكنة وحدود قائمة

يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف، الدكتور حسني عبيدي أن واشنطن تسعى من خلال مجموعة العشرين إلى منح عقوباتها على إيران بعدا دوليا أوسع، مستفيدة من رغبة حلفائها في تجنب التصعيد العسكري واللجوء بدلا من ذلك إلى أدوات الضغط الاقتصادي.

لكنه يشكك في قدرة منظمة شنغهاي على بناء درع مالي متكامل في المدى القريب، بسبب اختلاف المصالح بين أعضائها، وارتباط اقتصادات كبرى فيها، ومنها الصين والهند، بالأسواق الغربية وبالنظام المالي الدولي القائم.

في المقابل، يقول الإعلامي والباحث السياسي من بكين، رونغ هوان إن الصين ترفض العقوبات الأحادية التي لا تستند إلى تفويض من مجلس الأمن، وتتمسك بحقها في إقامة علاقات تجارية مع إيران. ويرى أن الاتجاه إلى التعامل بالعملات المحلية ليس مجرد موقف سياسي، بل استجابة دفاعية لاستخدام واشنطن أدواتها المالية في الصراعات السياسية.

لكن هوان يلفت أيضا إلى أن بناء شبكات دفع بديلة لا يحدث سريعا، بل يحتاج إلى وقت وثقة بين البنوك، وأسواق قادرة على توفير السيولة، وشركات نقل وتأمين مستعدة للعمل في بيئة عالية المخاطر. أي أن تقليل الاعتماد على الدولار مسار تدريجي، لا زر يمكن الضغط عليه لإنتاج نظام مالي مواز.

إعلان

تكشف آشفيل وبيشكيك أن الدول لا تتحرك داخل اصطفافات ثابتة. فالصين، مثلا، تريد الحفاظ على علاقاتها مع إيران ومصالحها في الطاقة والممرات، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل ضخامة تجارتها ومصالحها مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.

كما أن الهند، العضو في كل من مجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي، تعد مثالا واضحا على تداخل المصالح؛ فهي تسعى إلى توسيع طرق التجارة والوصول إلى آسيا الوسطى، لكنها لا تبدو مستعدة لتحمل كلفة مواجهة مالية واسعة مع واشنطن.

لذلك، لا تبدو منظمة شنغهاي بديلا فوريا لمؤسسات الحوكمة الاقتصادية العالمية، ولا تبدو مجموعة العشرين منصة قادرة تلقائيا على إنتاج توافقات أمريكية في كل الملفات. فالتباينات التجارية والسياسية حاضرة داخل العشرين نفسها، بما في ذلك الخلافات حول الرسوم الأمريكية وروسيا وإيران.

قادة ووفود الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون خلال جلسة من أعمال القمة في بيشكيك (الأوروبية)
من يربح الجولة السياسية؟

حين تتعطل الممرات أو تُفرض عقوبات على النفط والبنوك وشركات الشحن، لا يبقى الأمر نقاشا بين الحكومات. فقد يرتفع سعر الطاقة، وتتأثر كلفة النقل والإنتاج، ثم تنتقل الضغوط تدريجيا إلى أسعار السلع وفواتير الاستيراد وتكلفة التمويل.

ولهذا، فإن السؤال بين آشفيل وبيشكيك ليس فقط: من يربح الجولة السياسية؟ بل أيضا: هل يستطيع العالم إدارة التنافس بين القوى الكبرى من دون أن يتحول المال والطاقة والممرات التجارية إلى مصادر اضطراب دائم للاقتصاد العالمي؟

فالولايات المتحدة لا تزال تملك نفوذا ماليا واسعا، لكن الإفراط في استخدام العقوبات يدفع خصومها وشركاءهم إلى البحث عن بدائل. وهذه البدائل لا تبدو مكتملة أو قادرة على إزاحة النظام القائم، لكنها قد تمنح الدول المستهدفة مساحة أكبر للمناورة، وتعيد تدريجيا رسم خرائط التجارة والطاقة والنفوذ.



إقرأ المزيد