الجزيرة.نت - 9/1/2026 12:20:13 AM - GMT (+3 )
Published On 1/9/2026
|آخر تحديث: 00:06 (توقيت مكة)
تبدو المساحتان الداكنتان في الصورة الرئيسية هادئتين وساكنتين، لكنهما في الحقيقة من أكثر المناطق ارتباطا بتاريخ استكشاف القمر. إنهما بحر الهدوء (Mare Tranquillitatis) إلى اليمين، وبحر الصفاء (Mare Serenitatis) إلى اليسار، وهما ليسا بحرين من الماء، بل سهول واسعة تشكلت عندما ملأت الحمم البركانية القديمة أحواضا ضخمة على سطح القمر.
كان علماء الفلك قبل عصر التلسكوبات يتخيلون أن البقع الداكنة على القمر بحار ومحيطات شبيهة بما على الأرض، ولذلك استمرت تسمية هذه المناطق بـ "البحار " حتى بعد أن اتضح أنها جافة تماما.
وفي عام 1651، وضع الفلكي الإيطالي "جيوفاني باتيستا ريتشيولي " نظاما لتسمية معظم هذه المناطق، فأطلق على الأولى اسم "بحر الهدوء "، وعلى الثانية "بحر الصفاء ". وتظهر الصورتان اليوم كمساحتين داكنتين وسط المرتفعات القمرية الساطعة، لكن قيمتهما الحقيقية تتجاوز مظهرهما بكثير.
يبلغ قطر بحر الهدوء نحو 876 كيلومترا، ويقع على الوجه القريب للقمر. وتكمن شهرته في أنه شهد في 20 يوليو/تموز 1969 أول هبوط بشري على سطح جرم سماوي آخر، عندما هبطت المركبة القمرية "إيغل " التابعة لمهمة أبولو 11 ونزل منها "نيل أرمسترونغ " و "باز ألدرين ".
لكن وصول البشر إلى هذا المكان لم يكن مفاجئا. فقد سبقته سلسلة من البعثات الروبوتية التي درست السطح ومهدت الطريق للهبوط. ففي فبراير/شباط 1965، اصطدمت المركبة "رينجر 8 " ببحر الهدوء بعد أن أرسلت أكثر من 7 آلاف صورة لسطح القمر أثناء اقترابها، وأسهمت صورها في تأكيد أن المنطقة مناسبة للهبوط.
ثم وصلت "سيرفيور 5 " البحر في سبتمبر/أيلول 1967، وهبطت هبوطا سلسا وأرسلت أكثر من 19 ألف صورة، كما درست تربة القمر ووجدت أن سطح المنطقة يتكون بدرجة كبيرة من صخور بازلتية بركانية. وكانت المعلومات التي جمعتها بعثات "سيرفيور " عن طبيعة التربة وقدرتها على تحمل مركبة الهبوط مهمة في التخطيط لمهمات أبولو.
بحر الصفاء.. محطة أبولو الأخيرةأما بحر الصفاء، فيبلغ قطره نحو 674 كيلومترا، ويتصل ببحر الهدوء في جهته الجنوبية الشرقية. وهو أيضا سهل بركاني واسع، لكنه دخل تاريخ الاستكشاف القمري من طريق مختلف. ففي 11 ديسمبر/كانون الأول 1972، هبطت مركبة مهمة أبولو 17 في وادي "توروس-ليترو "، قرب الحافة الشرقية لبحر الصفاء. وكانت تلك آخر مرة يهبط فيها بشر على سطح القمر ضمن برنامج أبولو.
صورة واحدة.. قرنان من المعرفةلهذا تبدو الصورة الرئيسية أكثر من مجرد منظر جميل للقمر. فبحر الهدوء يحمل ذكرى اللحظة التي وطئت فيها أقدام البشر عالما آخر، بينما يحفظ بحر الصفاء قصة آخر هبوط بشري في عصر أبولو.
إعلان
والأهم أن هذه الإنجازات لم تبدأ بالخطوة البشرية، بل بسلسلة طويلة من المحاولات الروبوتية والصور والقياسات والتجارب. فقد كشفت بعثات "رينجر " و "سيرفيور " تفاصيل السطح، واختبرت قدرة التربة على تحمل المركبات، وقدمت البيانات التي جعلت الهبوط البشري أكثر أمنا.
وتوضح قصة البحرين أن استكشاف القمر ليس سلسلة من لحظات منفصلة، بل تراكم معرفي يبدأ بصورة تلسكوبية، ثم بمسبار صغير، ثم بمركبة هبوط، وصولا إلى إنسان يخطو على السطح.
ومن هنا تأتي قيمة العلم: فكل معلومة تجمعها مركبة اليوم قد تصبح غدا الأساس الذي يسمح للبشر بالوصول إلى مكان أبعد، وكل محاولة، حتى إن انتهت بالفشل، يمكن أن تضيف إلى المعرفة خطوة جديدة.
الأرنب الذي ترسمه بحار القمرومنذ قرون، لم ير الناس في البقع الداكنة على القمر مجرد سهول بركانية، بل تخيلوا فيها أشكالا مختلفة، أشهرها "الأرنب على القمر "، وهو شكل بصري تخيلي يتكون من تجميع عدد من البحار القمرية الداكنة، بحيث تبدو عند النظر إلى القمر بالعين المجردة كأنها ترسم هيئة أرنب.
وفي هذا التصور، يظهر بحر الصفاء كخلفية للرسم، بينما يسهم بحر الهدوء في تشكيل إحدى القوائم الخلفية، إلى جانب بحر الخصوبة. أما محيط العواصف فيمثل الأذن، وبحر الرطوبة الأنف، في حين يبدو بحر الأزمات أشبه بالذيل.
إقرأ المزيد


