الجزيرة.نت - 8/31/2026 5:54:05 PM - GMT (+3 )
تشير أحدث أبحاث التصوير العصبي إلى نمط مميز في اتصال الجزء الأمامي من القشرة الجزيرية بمناطق سمعية وحركية. غير أن النتائج تقدم دليلا مهما على الآلية المحتملة، لا سببا نهائيا حُسم أمره.
قد يجلس أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، فيسمع معظمهم صوت المضغ بوصفه تفصيلا عاديا لا يستحق الانتباه. لكن الصوت نفسه قد يطلق لدى شخص آخر موجة فورية وحادة من الغضب أو الاشمئزاز، مع توتر في العضلات وتسارع في نبض القلب ورغبة قوية في الابتعاد عن المكان أو إيقاف الصوت. وقد يبدو رد الفعل مبالغا فيه لمن لا يختبره، غير أنه عند المصاب لا يكون مجرد انزعاج بسيط، ولا قرارا واعيا بأن يغضب.
تُعرف هذه الظاهرة باسم "الميزوفونيا" (Misophonia)، أي انخفاض القدرة على تحمّل أصوات محددة. وقد أعادت دراسة حديثة منشورة عام 2026 في مجلة "هيومن برين مابينغ" (Human Brain Mapping) تسليط الضوء على ما يحدث داخل الدماغ، بعدما ربطت شدة الأعراض بنمط مميز من الاتصال الوظيفي في الجزء الأمامي من القشرة الجزيرية، وهي منطقة محورية ضمن ما يسمى "شبكة البروز" أو "شبكة الأهمية"، وهي عبارة عن نظام دماغي واسع النطاق يحدد ويرشح أهم المحفزات الداخلية والخارجية لتوجيه الانتباه والسلوك.
فهل اكتشف العلماء أخيرا لماذا يتحول صوت هادئ كالمضغ إلى مثير شديد الاستفزاز؟ الإجابة الأقرب إلى الدقة هي: لقد وجدوا قطعة مهمة من اللغز، لكنهم لم يعرفوا الأسباب كلها بعد.
وفق تعريف توافقي وضعه خبراء دوليون عام 2022، الميزوفونيا اضطراب في تحمّل أصوات بعينها أو المثيرات المرتبطة بها. وتولد هذه "المحفزات" استجابات انفعالية وجسدية وسلوكية قوية لا تظهر لدى معظم الناس تجاه الصوت نفسه. وتشمل المحفزات الشائعة أصوات المضغ والبلع وتحريك الشفتين والتنفس والشم والتنحنح، إضافة إلى النقر بالقلم أو الأصابع والكتابة على لوحة المفاتيح وأصوات متكررة أخرى.
إعلان
المهم هنا أن المشكلة لا تتحدد بارتفاع مستوى الصوت، فقد يكون منخفضا جدا، ومع ذلك يثير استجابة جارفة، بينما قد يتحمل الشخص أصواتا أعلى بكثير لا تنتمي إلى قائمة محفزاته.
كما يتأثر رد الفعل بهوية مصدر الصوت وبمعناه والسياق الذي يحدث فيه؛ وقد يكون الصوت الصادر عن الشخص نفسه أقل إزعاجا من الصوت ذاته عندما يصدر عن شخص آخر.
لذلك لا تعني الميزوفونيا أن الأذن تسمع كل شيء بصوت أعلى، بل إن الدماغ يمنح نمطا صوتيا محددا أهمية انفعالية استثنائية. وهذا يميزها عن فرط السمع، الذي ترتبط مشكلته غالبا بشدة الصوت وإدراكه على أنه مرتفع أو مؤلم بصورة غير طبيعية. ويمكن للحالتين أن تجتمعا، لكنهما ليستا الشيء نفسه.
كما أن التضايق العابر من صوت شخص يأكل لا يكفي لتشخيص الميزوفونيا؛ إذ تصبح الظاهرة ذات أهمية سريرية عندما تكون الاستجابة شديدة ومتكررة وتؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو المشاركة في الحياة اليومية.
ماذا فعل الباحثون في الدراسة الجديدة؟حلل الباحثون بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي أثناء الراحة من "قاعدة ويلز المتقدمة للتصوير العصبي". وضمت العينة 162 بالغا من عامة السكان. ولم يكن المشاركون يستمعون إلى أصوات المضغ داخل جهاز التصوير، بل قاس الباحثون درجة تزامن النشاط بين مناطق الدماغ في حالة الراحة، وهو ما يسمى الاتصال الوظيفي.
ولأن مجموعة التصوير لم تخضع أصلا لتقييم مباشر ومخصص للميزوفونيا، اشتق الباحثون لكل مشارك درجة تقديرية لشدة الأعراض من بيانات الحساسية الحسية المتاحة.
وبُني النموذج المستخدم لهذا التقدير على عينة مستقلة من 777 بالغا في ولاية أوكلاهوما الأمريكية. وهذا تفصيل منهجي مهم؛ فالدراسة استخدمت بيانات 939 شخصا إجمالا، لكن 162 شخصا فقط خضعوا للتصوير، كما أن الميزوفونيا في عينة التصوير قُدرت بنموذج إحصائي ولم تُشخّص بمقابلة سريرية.
اتخذ الباحثون الجزء الأمامي من القشرة الجزيرية نقطة انطلاق، ثم بحثوا عن المناطق التي يتغير اتصالها بهذه المنطقة مع ارتفاع درجة الميزوفونيا المقدرة.
وجد الباحثون ارتباطا مع مجموعات دماغية شملت السطح الصدغي، وهو جزء من القشرة السمعية العليا يساعد على تحليل الأصوات المعقدة، ومع الغطاء القشري والتلفيف أمام المركزي والمنطقة الحركية التكميلية؛ وهي مناطق تشارك بدرجات مختلفة في دمج المعلومات الحسية وتمثيل الأفعال والاستعداد للحركة.
وكان النمط المرتبط بدرجات الميزوفونيا مميزا للجزء الأمامي من القشرة الجزيرية داخل شبكة البروز، كما لم يظهر النمط نفسه عند تحليل البيانات وفق درجات القلق أو الاكتئاب أو السمات التوحدية.
ومن اللافت أيضا أن العلاقة برزت عندما عوملت الأعراض بوصفها طيفا متدرجا، لكنها لم تظهر بوضوح عندما قُسم المشاركون ببساطة إلى مجموعتي "مصاب" و"غير مصاب"، وهذا يدعم فكرة أن الميزوفونيا قد تتوزع بين السكان على درجات، من حساسية خفيفة إلى اضطراب شديد يعوق الحياة.
ما دور القشرة الجزيرية وشبكة البروز؟تقع القشرة الجزيرية في عمق الدماغ خلف أجزاء من الفصين الجبهي والصدغي. ولا يصح وصفها بأنها "مركز الغضب"، لأنها تشارك في وظائف أوسع بكثير. فهي تساعد الدماغ على دمج ما يحدث في الخارج مع ما يحدث داخل الجسم، مثل نبض القلب والتنفس والتوتر العضلي والشعور بالغثيان أو الانقباض. ويطلق العلماء على إدراك هذه الإشارات الداخلية اسم "الإحساس الباطني".
إعلان
أما شبكة البروز، التي تمثل القشرة الجزيرية الأمامية إحدى عقدها الأساسية، فتعمل باعتبارها منظومة إنذار وانتقاء: تراقب سيل المعلومات الحسية والداخلية، وتحدد ما يستحق أن يلفت الانتباه وأن تُحشد له موارد الدماغ. فإذا نسبت هذه الشبكة أهمية مفرطة إلى صوت معين، فقد ينتقل الصوت سريعا من خلفية المشهد إلى مركز الوعي، ويصاحبه استنفار جسدي وانفعالي يصعب تجاهله.
تقترح النتائج، إذن، مسارا محتملا من ثلاث حلقات: تتعرف المناطق السمعية إلى نمط الصوت ومعناه؛ ثم تمنحه القشرة الجزيرية وشبكة البروز أولوية انفعالية غير عادية؛ وبعد ذلك تنخرط المناطق الحركية والجهاز العصبي الذاتي في الاستعداد للاستجابة. وهذا قد يفسر لماذا لا يسمع الشخص الصوت فحسب، بل يشعر أنه "حدث اقتحامي" يتطلب فعلا سريعا، غير أن هذا التسلسل تفسير مرجح للبيانات، وليس آلية سببية مثبتة خطوة بخطوة.
بدأت الصورة العصبية تتضح قبل نحو عقد. ففي دراسة نشرت عام 2017 في مجلة "كارنت بيولوجي" (Current Biology)، أظهرت أصوات التحفيز لدى أشخاص مصابين بالميزوفونيا استجابة مبالغا فيها في القشرة الجزيرية الأمامية، واتصالا غير معتاد بينها وبين مناطق تشارك في معالجة الانفعال والذاكرة وتنظيمهما.
وتزامن ذلك مع ارتفاع نبض القلب وزيادة التوصيل الكهربائي للجلد، ما أكد أن الاستجابة ليست شعورا ذاتيا فقط، بل يصاحبها تنشيط جسدي قابل للقياس.
وفي عام 2019، وجدت دراسة مستقلة استخدمت مقاطع سمعية وبصرية نشاطا أكبر لدى المصابين في الجزيرة والقشرة الحزامية الأمامية والقشرة الصدغية العليا. ثم اقترحت دراسة عام 2021 «أساسا حركيا» للميزوفونيا، بعدما رصدت اتصالا أقوى بين القشرة السمعية ومناطق حركية مرتبطة بحركات الفم والوجه. وظهرت فرضية أن سماع المضغ قد يفعّل تمثيل فعل المضغ لدى المستمع بصورة مفرطة، وكأن الدماغ يحاكي حركة الشخص الآخر.
لكن هذه الفرضية لا تفسر وحدها جميع المحفزات؛ فالأشخاص قد ينزعجون أيضا من نقر الأصابع أو أصوات ميكانيكية متكررة. وفي دراسة صغيرة عام 2022، امتدت فروق الاتصال إلى مناطق حسية حركية لا تخص الفم، وهو ما أضعف التفسير القائل إن الميزوفونيا اضطراب في "مرآة" حركات المضغ وحدها. وتأتي دراسة 2026 لتدعم نموذجا أوسع يربط السمع وتحديد الأهمية والإحساس بالجسم والاستعداد الحركي ضمن شبكة واحدة.
هل حدد العلماء السبب إذن؟رغم أهمية الدراسة الجديدة، فإن القول إن العلماء "حددوا سبب الميزوفونيا" يتجاوز ما تسمح به البيانات. أولا، الدراسة مقطعية وترصد ارتباطا بين شدة الأعراض ونمط الاتصال الدماغي، ولا تستطيع إثبات أن هذا النمط هو الذي أنشأ الأعراض. فمن الممكن أن يكون اختلاف الاتصال عاملا مهيئا، أو نتيجة سنوات من الانتباه المشحون والتعلم المتكرر، أو مزيجا من الاثنين.
ثانيا، لم يُقيّم المشاركون في مجموعة التصوير بأداة تشخيصية مباشرة للميزوفونيا، بل حُسبت درجاتهم تقديريا من مقياس أوسع للحساسية الحسية. وثالثا، جرى التصوير في حالة الراحة من دون تقديم محفزات صوتية، لذلك لا تخبرنا الدراسة وحدها كيف يتغير نشاط الدوائر لحظة سماع المضغ، كما أن النمط المكتشف ليس فحصا تشخيصيا جاهزا للاستخدام في العيادات، ويحتاج إلى تكراره في عينات سريرية مستقلة مع قياس مباشر للأعراض.
ومع ذلك، تحمل النتائج قيمة حقيقية؛ فهي تقدم دليلا إضافيا على أن الميزوفونيا ليست مجرد قلة صبر أو سوء خلق، وتوحي بأنها لا تختزل أيضا في القلق أو الاكتئاب أو التوحد، رغم إمكان اجتماعها مع هذه الحالات. والتفسير العصبي لا يعني أن كل سلوك يصدر عند الغضب يصبح مبررا، لكنه يساعد على فهم أن الانفعال الأولي قد يبدأ تلقائيا قبل أن يتمكن الشخص من تنظيم استجابته السلوكية.
لا يوجد حتى الآن تحليل مخبري أو صورة رنين تشخص الميزوفونيا، كما أنها لم تُعتمد بعد تشخيصا مستقلا في التصنيفات التشخيصية الكبرى. ويعتمد التقييم على الأعراض: طبيعة المحفزات وشدة الانفعال والاستجابة الجسدية ودرجة التجنب، وتأثير الحالة في الوظائف اليومية، مع التمييز بينها وبين فرط السمع ورهاب الأصوات وطنين الأذن وبعض الاضطرابات النفسية أو العصبية المصاحبة.
إعلان
ولا يوجد دواء نوعي معتمد للميزوفونيا، لكن غياب علاج واحد نهائي لا يعني غياب المساعدة. فقد أظهرت تجربة عشوائية صغيرة شملت 54 بالغا أن برنامجا جماعيا من العلاج المعرفي السلوكي خفّض الأعراض، وحقق تحسنا سريريا لدى 37% من مجموعة العلاج مقابل صفر في مجموعة الانتظار، واستمر الأثر لدى من تحسنوا أثناء المتابعة.
كما تشير تجارب أحدث إلى إمكان استفادة بعض المرضى من تدخلات نفسية تركز على المرونة والانتباه وتنظيم الاستثارة والتعامل مع التجنب، لكن قاعدة الأدلة لا تزال محدودة، ولا يستجيب الجميع بالطريقة نفسها.
عمليا قد يجمع التدبير بين فهم المحفزات، وترتيبات بيئية معقولة مثل استخدام صوت خلفي أو اختيار مكان جلوس مناسب، وتعلم مهارات خفض الاستثارة وتنظيم الانفعال، وعلاج القلق أو الاكتئاب المصاحبين عند وجودهما. وليس الهدف إجبار الشخص على تحمل الأصوات بالقوة، ولا مطالبة الأسرة بإلغاء جميع أصوات الحياة، بل الوصول إلى توازن يقلل المعاناة من دون أن يتحول التجنب إلى عزلة متزايدة، ويُفضّل أن يكون ذلك بمساعدة مختص في الصحة النفسية ملم بالحالة، مع تقييم سمعي إذا وُجد ألم من الأصوات أو حساسية لشدة الصوت أو أعراض أذنية أخرى.
الصوت عادي.. لكن أهميته في الدماغ ليست كذلكتقدم أبحاث الميزوفونيا مثالا واضحا على أن التجربة الحسية لا تحددها خصائص المثير وحدها. فالصوت الذي يكاد لا يلاحظه شخص قد يصبح لدى آخر إشارة عالية الأولوية، تربط بين السمع والانفعال والجسد والاستعداد للحركة، وتبدو القشرة الجزيرية الأمامية وشبكة البروز في قلب هذه العملية، لكنهما ليستا التفسير الوحيد ولا (زر الغضب) في الدماغ.
والصياغة العلمية الأدق ليست أن الباحثين اكتشفوا سببا واحدا نهائيا، بل أنهم حددوا نمطا دماغيا ينسجم مع شدة الميزوفونيا ويميزها مبدئيا عن سمات نفسية أخرى.
إنها خطوة مهمة تنقل النقاش من لوم المصاب إلى دراسة الآلية، لكنها تترك أسئلة أساسية مفتوحة: كيف تنشأ هذه الروابط؟ ولماذا ترتبط بأصوات وأشخاص وسياقات محددة؟ وهل يمكن تعديلها بالعلاج؟
ستحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة إلى دراسات طولية وتجارب تستمع فيها أدمغة المشاركين فعلا إلى محفزاتهم، قبل العلاج وبعده.
إقرأ المزيد


