حسابات إسرائيلية توظّف كواليس مسلسل للتشكيك في مشاهد اعتقال الفلسطينيين
الجزيرة.نت -

تداولت حسابات إسرائيلية مقطع فيديو زعمت أنه يُوثق تصوير مشاهد مفبركة لعمليات تنكيل يقوم بها جنود الاحتلال بحق فلسطينيين، في محاولة لقلب الرواية وتصوير عمليات الاعتقال والتنكيل التي يُوثقها الفلسطينيون يوميا على أنها مشاهد "تمثيلية مصطنعة" لا تمت للواقع بصلة.

ونشرت الحسابات المقطع على نطاق واسع باعتباره كواليس تمثيلية لجنود إسرائيليين يعتقلون فلسطينيين، زاعمة أن الفلسطينيين يلجؤون إلى تصنيع مشاهد وهمية لتصدير روايتهم إلى العالم على أنها وقائع يومية حقيقية.

ماذا يُظهر المقطع؟

يظهر في المقطع المتداول أشخاص يرتدون الزي العسكري الإسرائيلي ويحملون أسلحة، وهم يجبرون شبانا فلسطينيين على الجثو على الأرض، ثم يعصبون أعينهم ويقيدون أيديهم من الخلف.

اقرأ أيضا list of 1 itemend of list

وفي خلفية المشهد، يصدح صوت أحدهم بالعد التنازلي "3، 2، 1.. أكشن"، إيذانا ببدء التصوير داخل ما يبدو أنه مقهى.

ويُعيد من يظهرون في المقطع تصوير المشهد أكثر من مرة حتى يخرج بالشكل المطلوب، بينما تظهر في الخلفية معدات وكاميرات تصوير مجهزة خصيصا لالتقاط المشهد.

من روج للمقطع؟

رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أن أول من نشر المقطع هو حساب (GAZAWOOD) المعروف بترويجه للدعاية الإسرائيلية والتشكيك المنهجي في حقيقة الضحايا والدمار الواقع في قطاع غزة، إذ دأب على وصف ما يوثقه الصحفيون والمدنيون هناك بأنه "مشاهد مفبركة" أو "تمثيلية".

ونشر الحساب المقطع على منصاته المختلفة بتاريخ 28 أغسطس/آب الجاري، وأرفقه بعنوان يصف المشهد بأنه "كواليس تظهر جنود الجيش الإسرائيلي وهم يقبضون على فلسطينيين مساكين".

وأضاف الحساب في تعليقه أن "إبقاء رواية زائفة بهذا الحجم قائمة ومقبولة يستلزم تدفقا لا ينتهي من المواد المصورة"، في محاولة لإيهام المتابعين بأن مشاهد الاعتقال والتنكيل التي توثقها وسائل الإعلام ليست سوى صناعة تمثيلية.

إعلان

وسرعان ما تناقلت حسابات أخرى المقطع على نطاق واسع مرددة الرواية ذاتها التي أطلقها الحساب الأصلي، الأمر الذي فتح الباب أمام موجة من التعليقات الهجومية والتحريضية ضد الفلسطينيين على منصة إكس.

فقد ذهب بعض المعلّقين إلى السخرية من الفلسطينيين لامتلاكهم "كاميرات احترافية"، بينما هم، على حد زعمهم، عاجزون عن "الاستثمار في كاتب سيناريو جيد"، وشككوا في مصداقية القصص التي يُوثقها الفلسطينيون، ووصفوها بـ"المملة والمكررة".

وذهب أحد الحسابات الإسرائيلية إلى حد الإشادة بما وصفه بـ"تصدي إسرائيل لهذا الأمر وكشف الخدعة"، معتبرا أن قدرة "هذه الدولة الصغيرة" على مواجهة ما وصفه بـ"الوحش الضخم المسمى الإسلام" أمر مدهش، في خطاب يحمل نبرة تحريضية وعدائية واضحة تتجاوز حدود التشكيك في مصداقية الفيديو.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ نشر حساب آخر المقطع على فيسبوك مرفقا برواية وتفاصيل مغايرة، زاعما أن الفيديو يعود لفلسطينيين في غزة وهم يفبركون مقاطع فيديو لجنود إسرائيليين أثناء اعتقالهم مدنيين فلسطينيين ومعاملتهم بطريقة غير إنسانية.

واعتبر أن المشهد ما هو إلا "بروباغندا زائفة"، مناشدا الجمهور الأمريكي تحديدا بعدم تصديق ما يُعرَض عليه، لا سيما إن  كان مصدره -على حد وصفه- "إسلاميا أو ديمقراطيا اشتراكيا".

علامة تثير الشكوك

عند تدقيق وحدة المصادر المفتوحة في المقطع، تبيّن أن جميع المتحدثين فيه يتحاورون باللغة العربية، ويتناقشون في كيفية إخراج الكادر بطريقة تحاكي تماما أجواء موقع تصوير عمل درامي احترافي، لا مسرح جريمة أو موقع فبركة كما زعمت الحسابات الإسرائيلية.

وقد شكّل هذا التفصيل أولى القرائن التي دفعتنا إلى التشكيك في صحة السياق الذي روّجت له تلك الحسابات.

تحديد موقع التصوير الحقيقي

وكشف التدقيق في تفاصيل المقطع عن وجود كلمتين مكتوبتين باللغة العربية تظهران في الثانية 46 بشكل معكوس، وهو ما يؤكد خضوع المقطع لعملية تعديل وقلب متعمدة من قِبل من روّجوا له، على الأرجح بهدف طمس هوية موقع التصوير الحقيقي وتعقيد عملية تتبعه.

تدقيق بصري بتفاصيل المقطع المتداول (مواقع التواصل)

وبعد قلب الكلمة المعكوسة، تبين أنها تحمل عبارة "باشا بار"، وبالبحث عنها تم التوصل إلى وجود مقهى فعلي يحمل اسم "الباشا كافيه" في البلدة القديمة بمدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة.

حساب مقهى الباشا كافيه الظاهر في الفيديو المتداول (إنستغرام)

وبتتبع حساب المقهى على إنستغرام، عثر الفريق على لقطة تُظهر العبارة ذاتها من الموقع نفسه، مع تطابق تام في الرسومات المعلقة على الجدران، وفي شكل وألوان المقاعد والديكور الداخلي للمكان، وهو ما يؤكد أن المقطع المتداول قد التُقط فعليا داخل هذا المقهى.

البحث العكسي يكشف الحقيقة

وأفضى البحث العكسي عن المقطع إلى العثور على نسخة منه منشورة على حساب فيسبوك يحمل اسم "أحمد عوادة"، يقيم صاحبه في مدينة نابلس، وذلك بتاريخ 21 أغسطس/آب الجاري، أي قبل تاريخ نشر الحساب الإسرائيلي بأيام.

واللافت أن هذه النسخة نُشرت بجودة أعلى، وأكد صاحب الحساب صراحة أن المشهد يُوثق كواليس تصوير مسلسل "نزيف التراب"، وهو عمل درامي فلسطيني يتناول الواقع الفلسطيني اليومي في ظل الاحتلال، ويجسّد بأسلوب فني ما يتعرض له الفلسطينيون من قتل وتنكيل على يد قوات الاحتلال.

وبمراجعة مواقع تصوير المسلسل، تبين أنه صُوّر فعليا في عدد من بلدات الضفة الغربية المحتلة، من بينها جنين وطولكرم والبلدة القديمة في مدينة نابلس، وهو ما يتطابق تماما مع موقع التصوير الذي رصدته الوحدة في المقطع المتداول.

إعلان

وبالبحث عن الأشخاص الظاهرين في المقطع، تبين تشابه في اللقطة مع مخرج العمل الفلسطيني بشار النجار، ومصور آخر اشتركا في اللقطة نفسها، غير أنهما ظهرا في مشاهد سابقة خلال تصوير العمل.

كما عثر أيضا على تطابق واضح بين شخصيات في العمل وعناصر بصرية مشتركة من حلقات المسلسل واللقطة المتداولة على أنها "فبركة فلسطينية".

تطابق بصري لشخصيات في العمل والمشهد المتداول على أنه مفبرك (منصات التواصل)
تطابق بصري لشخصيات في العمل والمشهد المتداول على أنه مفبرك (منصات التواصل)

وتدحض كل هذه المعطيات الرواية الإسرائيلية بشكل قاطع، وتؤكد أن الحسابات الإسرائيلية استغلت كواليس عمل فني فلسطيني وانتزعتها من سياقها، في محاولة ممنهجة لتصوير الانتهاكات الموثقة يوميا بحق الفلسطينيين على أنها مشاهد تمثيلية مصطنعة.

وتكشف الواقعة عن نمط متكرر في حملات التضليل منذ الحرب على غزة؛ إذ تلجأ حسابات مروجة للرواية الإسرائيلية إلى انتزاع مقاطع من سياقها الفني أو التوثيقي الأصلي، ثم إعادة تأطيرها بادعاءات تخدم هدفا مزدوجا هو التشكيك في مصداقية التوثيق الفلسطيني للانتهاكات من جهة، وتحييد الرأي العام الدولي عن حجم المعاناة اليومية للفلسطينيين تحت الاحتلال من جهة أخرى.

إنتاج فلسطيني يحاكي الواقع

وفي المشهد الأول من العمل تظهر معالم السجن الإسرائيلي، برج المراقبة والمجندة الحارسة، والأضواء والأسلاك الشائكة، وفي العمق أسفل منه تتناثر ذرات التراب فوق حفرة يقوم أسرى فلسطينيون بنبشها من داخل زنزانتهم في سجن عوفر الإسرائيلي قرب رام الله، لتتحول لطوق نجاة لهم بعدما تمكنوا من الفرار.

وبعد الهروب يواصل الأسرى الأربعة مسيرهم بعد أن ينقسموا لفريقين، فيتمكن الاحتلال من اعتقال اثنين منهم، بينما ينجح بلال (شخصية البطل) ورفيقه بالوصول إلى قريته "تل الصبر"، وهناك يخطف نفسه لوهلة لرؤية والدته قبل أن يقتحم الاحتلال القرية، ويدهم منزل عائلته، ومع ذلك يفر بلال هاربا لمقبرة القرية.

ويضم المسلسل 50 ممثلا فلسطينيا وأكثر من 20 من الكادر الفني، كما أن كتابته وتصويره جاءت بعد الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.



إقرأ المزيد