الجزيرة.نت - 8/31/2026 4:23:40 PM - GMT (+3 )
قانيتا هنتر
Published On 31/8/2026
حين توفي زويليبي جاك نغوبان عن 105 أعوام، كان قد أبلغ أسرته برغبة واحدة: أن يُدفن مسلما. فاجتمع مئات من أفراد أسرته وأبناء مجتمعه في جنازته ببلدة نكوتو، وهي منطقة ريفية شرق جنوب أفريقيا يغلب على أهلها اعتناق المسيحية والمعتقدات الأفريقية التقليدية ويشكل المسلمون فيها أقلية ضئيلة. وكان قد اعتنق الإسلام في سن متقدمة بعد أن لاحظ تدين حفيده الصغير، ونُفذت مراسم دفنه وفق الطقوس الإسلامية في مقبرة العائلة.
وكانت الجنازة حدثا جديدا على المجتمع المحلي، لكنها لم تثر جدلا، وهو ما بات يحمل دلالة متزايدة الأهمية في جنوب أفريقيا.
لكن خلال الأشهر الأخيرة، صار الخطاب المعادي للمسلمين أكثر ظهورا على الإنترنت، متقاطعا مع نقاش وطني محتدم بشأن الهجرة ومع حركات مناهضة للمهاجرين. فقد اتهمت بعض المنشورات المسلمين بمحاولة السيطرة على البلاد وشككت في انتمائهم إليها، واتهمت منظمات إسلامية باستخدام العمل الخيري والفقر لتحويل السود إلى الإسلام، ومن ذلك منشور على وسائل التواصل الاجتماعي اشتكى من أن منظمة (غيفت أوف ذي غيفرز) الإنسانية "أثارت أعصابنا بإصرارها على الترويج لمعتقداتها الإسلامية في جنوب أفريقيا".
غير أن الصورة تبدو مختلفة في تلال نكوتو وقراها. إذ تقول سامو كيليسيوي نغوبان، الناشطة المجتمعية في البلدة، إن أول احتكاك لها بالمسلمين جاء عبر أصحاب المتاجر الهنود في بلدة قريبة، وتضيف "لم تكن لدينا مشكلة قط. بعض الناس فضوليون بشأن ما يفعله المسلمون، لكن دون مشاكل".
أما شقيقها خيتوكوتولا دلامي، الذي اعتنق الإسلام عام 2012 وهو مراهق، فهو واحد من مسلمين قلائل في قريته، وملابسه الإسلامية مصدر للمزاح لا للعداء. وأكد أن في هذه المجتمعات هناك انسجام واحترام.
إعلان
ويطرح هذا التباين سؤالا: هل تشهد البلاد صعودا في الإسلاموفوبيا، أم أن منصات التواصل تجعل ظاهرة هامشية تبدو أكبر مما هي؟
فقد أحصى تعداد عام 2022 أقل من مليون مسلم، أي نحو 1.6% من السكان، في حين يقدم قادة مسلمون أرقاما أعلى تتراوح بين مليونين وخمسة ملايين. لكن حضورهم يمتد قرونا، فقد وصلوا إلى منطقة الكاب من آسيا وعالم المحيط الهندي عبر مسارات منها الاسترقاق والنفي السياسي، في ظل الحكم الاستعماري الهولندي منذ القرن السابع عشر، وكانوا حاضرين قبل وصول العالم المسلم والمنفي السياسي الشيخ يوسف المقاسري عام 1694.
ويذكر أن الشيخ يوسف المقاسري المولود في إندونيسيا لأسرة ينتمي إليها سلطان جاوة، قاد مقاومة مسلحة ضد شركة الهند الشرقية الهولندية في إندونيسيا. وبعد القبض عليه، نفاه الهولنديون أولا إلى سيلان، وهي سريلانكا الحالية، ثم إلى رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا عام 1694 برفقة عائلته وأتباعه.
ويرى دلامي أن التعبئة المنظمة ضد المسلمين لا تنبع أساسا من المجتمعات الريفية، موضحا أن التحرك نحو كراهية ممنهجة ليس على مستوى القرى بل مصدره المدن.
وقد شهدت جنوب أفريقيا مرارا موجات عنف كاره للأجانب منذ نهاية الفصل العنصري، وغالبا ما يحمل المهاجرون من بلدان أفريقية أخرى وطأتها، والسؤال هو ما إذا كان جزء منه يوجه أيضا إلى المسلمين.
زوبعة في فنجان
ويقول المحلل السياسي والصحفي الجنوب أفريقي المسلم تيمبيسا فاكودي إن المخاوف من الإسلاموفوبيا مبالغ فيها، مؤكدا أنه لا توجد حملة واسعة أو منظمة ضد المسلمين في البلاد، وإن كان يقر بوجود خطاب معاد على الإنترنت لكنه يرفض اعتباره دليلا على عداء المجتمع نفسه للإسلام، مضيفا أن مثل هذه الأصوات المتعصبة أو القومية المتطرفة موجودة في جنوب أفريقيا كما في العالم كله.
ويرى أن على المسلمين مواجهة الاتهامات بالعنصرية وممارسات العمل الاستغلالية داخل صفوفهم بدل اعتبار كل انتقاد تحيزا دينيا، معتبرا أن الأمر مجرد "زوبعة في فنجان"، مشددا على ضرورة أن يتعامل المسلمون بجدية مع الانتقادات الداخلية، وألا يُختزل كل نقد في خانة التحيز الديني.
من جانبه يقول الشيخ مولانا سليمان رواة إن غالبية الجنوب أفريقيين ليسوا معادين للإسلام، مشيرا إلى وجود مؤشرات متنوعة تدعم ذلك، لكنه حذر من أن الخطاب الرقمي قد يؤثر مع الوقت في المواقف، موضحا أن مشروع الإسلاموفوبيا يتسق مع أجندات عالمية، وإذا جرى التهاون حياله فقد يبدأ ما يتعرض له الناس على الإنترنت في التأثير على نفسياتهم وطريقة تفكيرهم.
ولا تزال الفجوة كبيرة بين النقاشات الرقمية والحياة في مجتمعات مثل نكوتو، لكن رواة شدد على أن ذلك لا يعني استبعاد احتمال عداء أعمق، معتبرا أنه من الأفضل أن يكون التعامل استباقيا لا رد فعل، محذرا من أن تزايد الظاهرة في جنوب أفريقيا قد يكون له عواقب خطيرة، وهو أمر غير مرجح لكنه ليس مستحيلا.
إقرأ المزيد


