ميزانية الأمن تهز إسرائيل.. مواجهة بين رئيس الأركان ووزير المالية
الجزيرة.نت -

في لحظة تنتشر فيها القوات الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، وتبقي المؤسسة العسكرية عينها على احتمال تجدد الحرب مع إيران، خرج رئيس الأركان إيال زامير من الغرف المغلقة إلى مواجهة علنية مع وزارة المالية.

فلم تعد عبارة "الخزينة فارغة" شكوى محاسبية، بل تحولت إلى سؤال عن جاهزية الجيش، وحدود سلطة الحكومة عشية الانتخابات، ومن سيدفع ثمن تأجيل قرارات التسليح.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ففي 27 أغسطس/آب 2026، نقل إليشع بن كيمون وغاد ليئور في "يديعوت أحرونوت/ واي نت" عن زامير قوله خلال تقييم متعدد الجبهات: "نحن نخوض أيضا معركة على الميزانية.. والخزينة الفارغة تضر بجاهزية الجيش"، وجاء التصريح بالتوازي مع رفع التأهب في الضفة والاستعداد من إيران ولبنان إلى غزة، مما أعطاه معنى عملياتيا يتجاوز الخلاف الإداري.

ولم يبدأ التصعيد بزامير، ففي الأول من يوليو/تموز 2026، هاجم المدير العام لوزارة الدفاع اللواء احتياط أمير برعام، نائب رئيس الأركان السابق، قسم الميزانيات خلال مؤتمر هرتسليا، واتهمه بالنظر إلى تداعيات الحرب باعتبارها "حدثا محاسبيا عابرا"، محذرا من أن بناء القوة طويل الأمد دخل "تأخرا خطيرا"، وربط برعام التأخير مباشرة بإيران، قائلا إن طهران تسرع بناء قدراتها بينما تتعطل خطة إسرائيل للعقد المقبل.

قادة الجيش الإسرائيلي يحذرون من أنه يمر بلحظة حرجة مما يهدد قدرته العملياتية (المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي)
أرقام متفجرة

ويكشف شلومو تيتلباوم في "كالكاليست"، كيف أعيد فتح ميزانية 2026 مرات متتالية، ففي ديسمبر/كانون الأول 2025 أقرت الحكومة 112 مليار شيكل، بينما طالب الجيش بنحو 143 مليارا، ومع اندلاع الحرب على إيران أضيفت 32 مليارا فوصلت الميزانية إلى 144 مليارا، ثم قال الجيش إنه يحتاج 177 مليارا، قبل أن يرفع الطلب إلى 189 مليارا مع استمرار الحملة في لبنان.

إعلان

وفي 29 أغسطس/آب، كتب يوفال أزولاي، مراسل الصناعات العسكرية في "كالكاليست"، أن الحكومة كانت مطالبة برفع الميزانية إلى 184 مليار شيكل، وأن حسابات المؤسسة الأمنية تقدر وصولها إلى نحو 195 مليارا إذا تجددت الحرب مع إيران، وفي المقابل تقول وزارة المالية إن ميزانية الأمن "تضاعفت إلى قرابة 3 أمثالها خلال عامين"، وإنها حولت كل المبالغ المتفق عليها.

وتظهر الخلافات حتى داخل رواية المؤسسة الأمنية، إذ نقلت يديعوت أحرنوت في 30 أغسطس/آب عن مسؤول أمني أن نتنياهو أقر فجوة قدرها 40 مليار شيكل وأمر بتحويل 15 مليارا "لم تصل". لكن إيتاي بلومنتال ذكر في "كان 11" أن 12 مليارا وصلت بالفعل، بينما بقيت 3 مليارات بلا مصدر تمويل، واستمر النزاع على 25 مليارا أخرى.

بلغت ديون وزارة الدفاع لشركات الصناعات العسكرية الثلاث نحو 15.5 مليار شيكل (االمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي)
انتخابات مكلفة

وبحسب تيتلباوم، أُجل النقاش في 25 مليار شيكل إلى أكتوبر/تشرين الأول، واتهم الجيش وزارة المالية بدفع القرار إلى فترة يصبح فيها تعديل الميزانية أكثر صعوبة، أما برنامج بناء القوة، فتضمن التزامات بنحو 85 مليار شيكل حتى 2029، ويحتاج قانونيا إلى مصدر تمويل ضمن "النومراتور"، أي خطة الالتزامات الحكومية متعددة السنوات. وتظهر نسخة يونيو/حزيران أن سقف الإنفاق القانوني لعام 2027 يبلغ 673.4 مليار شيكل، بينما يصل الإنفاق المتوقع بالفعل إلى 673.5 مليارا.

وحذرت وزارة الدفاع، وفق "كالكاليست"، من أن عدم إقرار الالتزامات الآن قد يؤجلها حتى يونيو/حزيران 2027 إذا جرت جولتان انتخابيتان، بما يفوّت فرص شراء قد تذهب إلى زبائن آخرين.

ووصف أساف زغريزاك في "غلوبس"، في السادس من يوليو/تموز، التسوية المرحلية بأنها "ضمادة" لشراء الوقت حتى الانتخابات، لأن الخلاف الحقيقي بشأن قاعدة الميزانية وخطة المشتريات رُحّل إلى الحكومة المقبلة.

وفي التسوية التي رصدتها "غلوبس"، خُصص لبرنامج المشتريات 3 مليارات فقط في 2027، على أن يرتفع تدريجيا إلى 25 مليارا في ذروة الخطة ثم ينخفض إلى 19 مليارا سنويا، بإجمالي 212 مليارا، وهو ما يفسر وصف مسؤولين حكوميين الاتفاق بأنه حل مؤقت لا يحسم قاعدة ميزانية الدفاع، ولا ينهي الخلاف نفسه.

الجيش يتهم المالية بدفع إقرار الميزانيات المطلوبة إلى فترة الانتخابات حيث يصبح تعديل الميزانية أكثر صعوبة (الجزيرة)

ويضيف سامي بيرتس، المعلق الاقتصادي في "ذا ماركر" ورئيس تحريرها السابق، بعدا سياسيا، ففي 28 أغسطس/آب رأى أن نتنياهو يريد تثبيت زيادة طويلة الأمد تصل إلى 400 مليار شيكل وترك الحكومة المقبلة أمام عقود جاهزة تقلص قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية، بينما تحاول المالية السماح فقط بالمشروعات الضرورية والعاجلة.

وفي التاسع من أغسطس/آب أكد بنك إسرائيل، بحسب "غلوبس"، أنه "لم يكن شريكا في عملية اتخاذ القرار" بشأن إضافة 350-400 مليار، وطالب بأن تقترن أي زيادة دائمة بمصادر تمويل.

صفقات تتعطل

وهنا يتحول الخلاف من الجداول والتمويل إلى الجاهزية، ففي 30 أغسطس/آب كشف بن كيمون في يديعوت أحرنوت أن صفقة مروحيات أباتشي التي عمل الجيش ووزارة الدفاع عليها مع الأميركيين لنحو عامين تعطلت قبل وصولها إلى الموافقة السياسية، وبعد تمديد العرض عدة مرات "انتهت صلاحية الصفقة رسميا".

إعلان

كما يعاني الجيش من نقص مئات مركبات "هامر" التي دمرت في لبنان، بينما تتوقع المؤسسة الأمنية توقف إنتاج النسخة ذات المواصفات الإسرائيلية في الولايات المتحدة، مما يجعل التأجيل فقدانا لنافذة شراء لا مجرد تأخير مالي.

مسؤول عسكري كبير: استمرار نقص الأموال قد يفرض وقف استدعاءات احتياط (الجزيرة-مولدة بالذكاء الاصطناعي)

والأكثر إلحاحا هو الذخائر إذ كشف أزولاي في 29 أغسطس/آب أن الطلبات من شركة الصناعات العسكرية "إلبيت" لقذائف الدبابات ستنتهي خلال أسابيع، ثم تنفد طلبات قذائف المدفعية في أكتوبر/تشرين الأول، وقذائف الهاون في نوفمبر/تشرين الثاني، وأن خطوطا لدى شركتي الصناعات العسكرية  "رافائيل" و"الصناعات الجوية" قد تواجه المصير نفسه إذا لم تدخل طلبيات جديدة.

كما بلغت ديون وزارة الدفاع لشركات الصناعات العسكرية الثلاث نحو 15.5 مليار شيكل، في حين ترفض المالية رواية الانهيار، وتقول إن الشركات في ذروة نشاطها ولن تغلق خطوطها.

إيران أولا

ويوم 27 أغسطس/آب نقل بلومنتال في "كان 11" عن مسؤول عسكري كبير قوله إن استمرار نقص الأموال قد يفرض وقف استدعاءات احتياط في القيادتين الشمالية والجنوبية وتقليص جمع المعلومات الاستخباراتية، وأن الجيش "لن يتمكن من الاستعداد بالشكل المطلوب" لتجدد الحملة الإيرانية.

وأوضح التقرير أن خطة التجهيز للفترة 2040/2027 تبلغ 350 مليار شيكل، استُخدم منها 70 مليارا في شراء أسراب "إف-35″ و"إف-16" ومروحيات ومشروعات فضائية، بينما يطالب الجيش بـ180 مليارا إضافية لاستمرار عمليات بناء القوة التي تستغرق سنوات، وهذا يعني أن الأزمة لا تهدد صفقة واحدة فقط، بل تهدد توقيت إعادة تكوين المخزونات والقدرات الجوية والاستخباراتية اللازمة لحرب بعيدة ومتعددة الجبهات.

صدام بلا حسم

المعركة إذن ليست بين جيش يريد المال ووزارة تريد التوفير فقط، فالمالية تخشى أن تتحول صدمة الحرب إلى التزامات بمئات المليارات تقيد الحكومة المقبلة وتضغط على الاقتصاد المدني، بينما يرى الجيش أن خطوط الإنتاج وصفقات السلاح والخصوم لا تنتظر انتهاء الانتخابات.

وقد يضر إعلان زامير عن "خزينة فارغة" بصورة الردع، لكنه يكشف خطرا أعمق، إذ يتحول التأجيل من أداة لضبط الإنفاق إلى فجوة في التسليح والجاهزية. فإذا امتد الحسم إلى صيف 2027، فقد توفر إسرائيل مالا في سنة الانتخابات، لكنها قد تخسر الزمن الصناعي والعملياتي الذي لا تستطيع أي ميزانية لاحقة شراءه بأثر رجعي.



إقرأ المزيد