الجزيرة.نت - 8/31/2026 2:20:41 PM - GMT (+3 )
من أعالي الهيمالايا في التبت، اندفعت كتلة هائلة من الجليد والصخور نحو الوادي، مطلقة سيلا امتد إلى نيبال الأربعاء الماضي. لكن الكارثة التي بدأت بانهيار في الجبال وانتهت بفيضان مدمر تفتح أسئلة تتجاوز ما حدث، بشأن طبيعة الأخطار التي تواجه الهيمالايا في ظل تداعيات تغير المناخ.
فالانهيارات الجليدية ليست خطرا جديدا، لكن العلماء يحذرون من أن الاحترار يغير البيئة الجبلية والظروف التي تحدث فيها هذه الكوارث. كما تكشف كارثة نيبال كيف يمكن لخطر واحد أن يقود إلى سلسلة من الأخطار، وأن يغير المشهد الذي ستواجهه الكارثة التالية.
وتظهر حصيلة الكارثة حجم الدمار، إذ ارتفع عدد ضحايا الفيضانات المفاجئة التي اجتاحت مناطق حدودية بين نيبال والصين إلى 538 قتيلا، في حين تواصل فرق الإنقاذ البحث عن مفقودين في المناطق المتضررة، وسط تحذيرات من فيضانات جديدة.
فكيف تحول انهيار جليدي إلى فيضان مدمر؟ وكيف يغير الاحترار طبيعة المخاطر في الهيمالايا؟ وهل تستطيع أنظمة الإنذار والتخطيط مواكبة أخطار قد تغير معها الكارثة جغرافية الخطر نفسها؟
كيف ولد الفيضان؟ولفهم كيف بدأت الكارثة، تقول صحيفة فاينانشال تايمز إنه لا يزال من المبكر تحديد سبب فيضان الأربعاء بصورة قاطعة، لكن صور الأقمار الصناعية قبل الكارثة وبعدها تشير إلى انهيار جزء كبير من جرف شمال جبل لانغتانغ ليرونغ قرب التبت، مما أدى إلى انفصال كتلة ضخمة من النهر الجليدي فوقه.
وتقول كريستن كوك، عالمة أشكال سطح الأرض في جامعة غرونوبل، إن الانهيارات الصخرية ليست غير معتادة في أعالي الهيمالايا، لكن ما جعل هذه الحادثة كارثية هو حجمها الهائل.
ويضيف الباحث في مخاطر الكوارث بجامعة زيورخ سايمون ألين- لفاينانشال تايمز- أن صور الأقمار الصناعية تظهر بوضوح انهيار "كتلة كبيرة من الصخور والجليد" وسقوطها في صورة "انهيار صخري جليدي" تسبب في الفيضان المدمر.
إعلان
أما مجلة إيكونوميست فتشرح الآلية التي حولت هذا الانهيار إلى فيضان، إذ تقول إن جزءا بعرض 600 متر من نهر جليدي في الهيمالايا انفصل وسقط مسافة 1.2 كيلومتر إلى الوادي، وأدت الطاقة الحركية للسقوط إلى إذابة كمية من الجليد وتكوين مزيج كثيف، جمع مزيدا من المواد في طريقه حتى وصل إلى قاع الوادي وسده.
ويكمل دانيال بارسونز- في تحليل نشرته صحيفة إندبندنت- مسار الكارثة، موضحا أن الكتلة الهائلة من الجليد والصخور التي اندفعت نحو الوادي حركت معها المياه والرواسب والحطام، قبل أن تنتشر عبر شبكة الأنهار وصولا إلى نيبال.
ومع أن تحديد الآلية الدقيقة للكارثة سيستغرق وقتا، يرى بارسونز أن وصف ما حدث بأنه مجرد "فيضان" لا يعكس سوى المرحلة الأخيرة من عملية أطول بكثير.
ولا تنتهي آثار الكارثة بانحسار مياهها، إذ يوضح بارسونز أن الجبال والأنهار لا تعود إلى حالتها السابقة بعد الأحداث المتطرفة، فتراجع النهر الجليدي يكشف الرواسب والأراضي غير المستقرة، وكل اضطراب يغير الظروف التي سيقع فيها الاضطراب التالي. وفي الهيمالايا، يمكن لهذه الروابط أن تحول الأخطار المنفردة إلى سلسلة مدمرة من الأخطار المتتابعة.
لكن الكاتب لا يرى أن انهيار نهر جليدي وحده يعني أن تغير المناخ تسبب في هذه الكارثة تحديدا. فالاحترار يغير الظروف التي تعمل فيها هذه الظواهر؛ إذ تتراجع الأنهار الجليدية، وتفقد المنحدرات استقرارها، وتتكون بحيرات جديدة، بينما تنكشف كميات كبيرة من الرواسب المفككة.
وتظهر خطورة هذه التغيرات في ترابطها، إذ يمكن لانهيار المنحدرات أن يدمر أنهارا جليدية خلال ثوان ويغير أنماط تصريف الأنهار بالكامل، ثم يمكن للأنهار التي تغيرت أن تحرك الرواسب وتنقلها، قبل أن تسهم هذه الرواسب بدورها في زيادة حدة الفيضانات اللاحقة.
ويتقاطع ذلك مع ما ينقله فاينانشال تايمز عن خبير الأنهار الجليدية في "المعهد الهندي للعلوم في بنغالورو" أنيل كولكارني، الذي يقول إن الأنهار الجليدية في الهيمالايا تتراجع "بسرعة كبيرة"، موضحا أن ارتفاع حرارة المنطقة بمعدل أعلى بكثير من المتوسط العالمي بدأ يضعف التربة الصقيعية الواقعة بين الكتل الجليدية والصخور.
وتنقل الصحيفة أيضا عن تقرير للبنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي صدر عام 2021 أن تغير المناخ يؤثر بالفعل بصورة كبيرة في البيئة بنيبال، مع ذوبان الأنهار الجليدية وتزايد وتيرة الهطول الشديد.
ولا تعد مثل هذه الكوارث جديدة على المنطقة، إذ تشير إيكونوميست إلى أن انهيارا جليديا فوق شامولي في ولاية أوتاراخند الهندية عام 2021 أدى إلى مقتل أكثر من 200 شخص، لافتة إلى صعوبة الحماية من تداعيات مثل هذه الانهيارات، خلافا لمخاطر مثل ارتفاع مستوى سطح البحر أو ازدياد حرارة الصيف، التي يمكن التنبؤ بها والتخفيف من آثارها.
وتوسع افتتاحية صحيفة غارديان دائرة المخاطر، إذ تنقل عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن هذه التغيرات تضع المنطقة وسكانها أمام مخاطر متزايدة من الانهيارات الجليدية والانهيارات الأرضية والفيضانات، إلى جانب نقص المياه العذبة الناجم عن تراجع الأنهار الجليدية.
وأمام أخطار يصعب منعها، تصبح القدرة على اكتشافها مبكرا والاستعداد لتداعياتها أكثر أهمية. وتوضح إيكونوميست أن تحسين أنظمة الإنذار- على غرار تلك المستخدمة حاليا لموجات تسونامي– قد يتيح إجلاء السكان في بعض الحالات، لكن الطبيعة غير المنتظمة للانهيارات الجليدية تجعل بناء دفاعات استباقية ضدها أمرا مكلفا وصعبا.
إعلان
وتزداد المشكلة تعقيدا بسبب صعوبة معرفة أي الأنهار الجليدية قد تنهار، إذ يقول عالم البيئة في جامعة دندي البريطانية سايمون كوك لفاينانشال تايمز إن أنظمة الإنذار المبكر يمكن أن تساعد، لكن الأنهار الجليدية المعرضة للانهيار غالبا ما تبدو مثل غيرها، مما يجعل تحديد الخطرة منها مسبقا أمرا بالغ الصعوبة.
ولا ترتبط قابلية المنطقة للتضرر بالطبيعة وحدها، إذ تنقل الصحيفة عن كولكارني أن بناء السدود الكهرومائية وتزايد أعمال التطوير في الهيمالايا يزيدان تعرض دول المنطقة لمخاطر انهيار الأنهار الجليدية.
لكن التحدي لا يقتصر على توقع الخطر، إذ يرى بارسونز في إندبندنت أن أنظمة الإنذار المبكر مطالبة بمواكبة هذه التحولات، وأن الكارثة الأخيرة تمثل تنبيها جديدا إلى ضرورة معالجة التحديات الأساسية في إدارة مخاطر الكوارث، فالأحداث الكبرى قد تغير جغرافية الخطر نفسها.
ولهذا قد تصبح خرائط المخاطر التي أُعدت قبل وقوع مثل هذه الكارثة أقل قدرة على تمثيل ما قد يحدث بعدها. ففيضانات نيبال ستترك وراءها مجاري أنهار تغيرت، ومنحدرات غير مستقرة، وبنية تحتية متضررة، وسيواجه هذا المشهد المتغير الأمطار الغزيرة التالية أو انهيار نهر جليدي آخر.
ومن هنا تدعو غارديان إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر مع ازدياد المخاطر في الجبال، وإعطاء الاستعداد للكوارث أولوية على المستوى الوطني وفي ميزانيات المساعدات، بما يجعل الجهات المعنية أكثر قدرة على الاستجابة.
وتخلص الافتتاحية إلى أن الحد من تهديد تغير المناخ عبر التحول بعيدا عن الوقود الأحفوري يظل ضروريا، مؤكدة أن تعزيز القدرة على الصمود وإجراءات التكيف يوفران بدورهما حماية ضرورية، ولا سيما للمجتمعات الأكثر تعرضا للخطر.
المصدر: إندبندنت + إيكونوميست + غارديان + فايننشال تايمز
إقرأ المزيد


