من غرف الخفاء إلى "زر بلاي".. كيف وثّق الهيب هوب تحولات سودانية تاريخية؟
الجزيرة.نت -

تحول الهيب هوب في السودان من فن “أندرغراوند” يمارس في الخفاء إلى صوت للمقاومة والتوثيق، مرورا بالثورات والحرب، ويوضح برنامج “غاليريتا” كيف استطاع “الراب” أن يكتب تاريخا لبلد أنهكته الانقسامات والنزوح.

ويمثل الهيب هوب السوداني اليوم أكثر من مجرد موسيقى؛ إذ هو مرآة لتحول سياسي واجتماعي عميق، وسِجل صوتي لتاريخ بلد مزقته الحروب والانقسامات، فمنذ انفصال الجنوب عام 2011، مرورا بثورة 2019، وصولا إلى الحرب المدمرة التي اندلعت عام 2023، كان الراب (نوع غنائي يعتمد على الحديث الإيقاعي السريع والتلاعب بالكلمات والقوافي دون الالتزام بلحن غنائي تقليدي) حاضرا كأداة للمقاومة والتعبير والتوثيق.

وتعود جذور الهيب هوب السوداني إلى التسعينيات، حيث كان شباب يعيشون تحت نظام قمعي وإعلام موجه، يجدون في أشرطة الكاسيت المهربة لفنانين عالميين مثل توباك متنفسا للتعبير عن التهميش والفقر والقهر، كما توضح حلقة (30 أغسطس/آب 2026) من برنامج "غاليريتا" الذي يُبث على منصة الجزيرة 360، وهذا رابطها.

وكانت منتديات الإنترنت آنذاك هي المساحة السرية التي يلتقي فيها "الرابرز" (الفنانون الذين يؤدون فن الراب) ويسجلون أغانيهم بجودة منخفضة في غرف نومهم، وينشرون بأسماء مستعارة، خوفا من نظام كان يقول لهم "صه" (اصمتوا).

وسلطت الحلقة الضوء على مرحلة "السودنة" التي شهدتها حركة الهيب هوب في العقد الأول من الألفية، حيث بدأ الرابرز بدمج الكلمات الدارجة السودانية مع الإيقاع الغربي، وكانت أغنية "حلتنا" عام 2007 لفرقة "ناس جوطة" نقطة تحول، إذ عبّرت عن اليأس والتمرد بلغة الشارع، وأثبتت أن الراب السوداني بدأ يجد صوته الخاص، بعيدا عن المحاكاة.

وفي عام 2015 جمعت مجموعة "الراكوبة" نحو 36 فنانا في "سايفر" جماعي (حلقة تجمع عدة مؤدين)، أكد أن المشهد لم يعد ظاهرة عابرة، بل أصبح له ملامح محلية واضحة.

وفي السياق ذاته، تابعت الحلقة تطور الراب مع الأحداث السياسية الكبرى، ففي انتفاضة 2013 ضد غلاء الأسعار، أصدرت "ناس جوطة" أغنية "لا للديكتاتورية"، التي أثبتت حضور الراب القوي في الحياة السياسية.

موسيقى الثورة

وخلال ثورة 2018-2019 التي أطاحت بالرئيس الأسبق عمر حسن البشير، تحول الرابرز من غرفهم إلى الميادين، وأصبحت أغانيهم الموسيقى التصويرية للثورة، فـ"رصاصة حية" لأيمن ماو وثقت لحظات المواجهة مع الرصاص، وأغنية "سودان بدون كيزان" حملت مطالب الشباب وأحلامهم بوطن جديد، وصار الراب أرشيفا صوتيا للشارع السوداني، يحمل أسماء الضحايا ويوثق ما لم تصوره كاميرا أخرى.

وبعد نجاح الثورة، لم يمت المشهد، بل تنفس وتوسع، وظهرت الموجة الجديدة "النيو سكول" متأثرة بالتراب والدريل (نوعان فرعيان شهيران من موسيقى الهيب هوب) مع دمج للغناء الشعبي والجاز السوداني، وأصدر فنانون مثل "أو دي" و"سولجا" أعمالا تنوعت مواضيعها بين الحب والهوية والحنين، ووصلت إلى جمهور عربي أوسع، خاصة مع أغنية "كينغ الحلبة" للرابر "دافن شي" عام 2022، التي وضعت الراب السوداني على الخريطة الإقليمية.

لكنّ الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 غيرت كل شيء، فمع النزوح الجماعي والدمار، تحول الرابرز مثل ملايين السودانيين إلى لاجئين في الشتات، لكنّ الراب لم يسكت، بل غير نغمته، وأصبح ديوان رثاء للوطن وحنين للنيل.

واستخدم فنانون مثل "سولجا" و"هايبر" عينات من أغان كلاسيكية ليعبروا عن لوعة الفراق، كما في أغنية "أيام" وأغنية "كانت أيام يا وطني" التي أعادت تقديم تراث الفنان والملحن الراحل سيد خليفة بصيغة حزينة تعكس واقع النزوح.

ورصدت الحلقة في الختام استمرار المشهد في الشتات، حيث أقامت منصة "راب شارع" عام 2026، حلقة "تالك أباوت سودان" (Talk about Sudan) التي جمعت رابرز سودانيين، منهم "أمنية" التي غنت بصوت يحمل تأثيرات الجاز وحرقة على وطن تخشى أن تفقده، لكنها تصر على أن يسمع العالم صوتها.

وخلصت "غاليريتا" إلى أن الهيب هوب السوداني يثبت رغم كل الانكسارات أن الفن قادر على خلق وطن في المهجر، وطنا يمكن الرجوع إليه بمجرد الضغط على زر "بلاي"، فطالما هناك شباب لديهم شيء ليقولوه، سيظل المايك مفتوحا.

ويرمز "زر بلاي" إلى المفتاح الرقمي لاستحضار الوطن في الشتات؛ فبنقرة واحدة لتشغيل أغاني الراب، يتصل السودانيون بذاكرة الثورة ولوعة النزوح، ليغدو الفن أرشيفا حيا و"وطنا محمولا" يعيدهم إلى ديارهم متى شاؤوا.

Published On 30/8/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد