التحرش في العراق.. ظاهرة تتفاقم بغياب الأرقام وضوابط الردع
الجزيرة.نت -

Published On 30/8/2026

لم يعد التحرش في العراق مجرد حالات فردية تُسجّل هنا وهناك، بل بات سلوكا متزايدا يحتاج إلى قراءة أوسع لمعرفة أسبابه وحجمه وأماكن انتشاره، خصوصا مع غياب إحصاءات رسمية دقيقة تُتيح قياس الظاهرة ووضع حلول تستند إلى بيانات مبنية على أدلة.

ويقول المستشار القانوني جبار الشويلي للجزيرة إن مواجهة التحرش تبدأ قبل الوصول إلى القانون، من خلال التربية داخل الأسرة وتعزيز الوازع الديني والأخلاقي والثقافي، مؤكدا أن الأسرة تتحمل المسؤولية الأساسية في توجيه الأبناء وتعريفهم بحدود السلوك المقبول واحترام الآخرين.

ويشير الشويلي إلى أن "الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها بعض الشباب قد تُشكّل عوامل مساهمة في زيادة السلوكيات السلبية، لكنها لا تُعَدّ مبررا للتحرش أو الاعتداء. فالمسؤولية تبقى مشتركة بين الفرد والمجتمع والمؤسسات المعنية".

وتتداخل أسباب الظاهرة، بحسب الشويلي، بين ضعف الوعي المجتمعي، وغياب التوجيه الأسري، وضعف الرادع القانوني، إضافة إلى الاختلافات البيئية بين المحافظات. وتزداد حدّة هذه الحالات في المساحات الشديدة الاكتظاظ، كمرافق النقل والدوائر العامة والتجمعات الشبابية.

ويؤكد الشويلي أن "تفاوت نسب الظاهرة لا يعني أن محافظة أشد تحرشا من أخرى؛ إذ إن اختلاف مستوى الإبلاغ والوعي الاجتماعي يؤثر مباشرة في الأرقام المتداولة، ما يجعل صياغة إحصاءات رسمية منهجية ضرورة قصوى لفهم حجم المشكلة الحقيقي".

"النص القانوني وحده لا يكفي"

وفي الجانب القانوني، يلفت الشويلي إلى أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 وفّر إطارا عاما لمواجهة الأفعال التي تمس الآداب والحرية، غير أنه يرى ضرورة مراجعة هذه التشريعات وتحديثها بما يتلاءم مع التطورات الاجتماعية والتكنولوجية التي شهدها المجتمع مؤخرا.

ويؤكد المستشار القانوني أن وجود النص التشريعي وحده لا يكفي، إذ يفقد القانون جزءا من فاعليته الردعية حين يغيب التطبيق الحازم، أو عندما تتردد الضحايا في الإبلاغ عن الحالات التي يتعرضن لها خوفا من الوصمة المجتمعية.

إعلان

ومن هنا تأتي الحاجة، بحسب الشويلي، إلى إعادة النظر في التشريعات النافذة، وتطوير آليات التعامل مع الشكاوى، بما يضمن وصول الضحية إلى الجهات المختصة وفق مسارات تحفظ كرامتها وخصوصيتها وتشجعها على الإبلاغ دون تردد.

ويُشدد الخبير القانوني على أن "الوقاية تُمثّل الخطوة المفصلية في مواجهة التحرش، وأن دور الأسرة ينبغي ألا يقتصر على النصح الشفهي، بل يتعداه إلى غرس احترام الآخرين، وضبط السلوك، وتحديد الحدود الشخصية في التعامل اليومي".

كما يؤكد أهمية المؤسسات التعليمية والتربوية ومنظمات المجتمع المدني في بناء وعي مجتمعي يرفض التحرش بجميع أشكاله، مشيرا إلى ضرورة إطلاق حملات توعية مستمرة تتجاوز الطابع الموسمي أو الاقتصار على ردود الفعل المؤقتة.

ويُعد غياب الإحصاءات الدقيقة أحد أبرز التحديات التي تعوق معالجة الظاهرة، حيث لا تمتلك الجهات المختصة حتى الآن صورة بيانية شاملة تُمكّنها من تحديد عدد الحالات ومواقع انتشارها والفئات الأكثر تعرضا للاعتداء.



إقرأ المزيد