حميدتي ليس قاهرا للإسلاميين وإليك قصته معهم
الجزيرة.نت -

يثار جدل كثيف خلال السنوات الماضية وحتى اليوم، حول مولد ومنبت ومراحل تطور مليشيا الدعم السريع وعلاقتها بالإسلاميين أفرادا وجماعات وتنظيما، ولم ينكر الإسلاميون أبوتهم حتى اكتسبت "الدعم السريع" بعد حين صفة الابن العاق، مع محاولات يائسة من قيادة "الدعم السريع" عقب أبريل/نيسان 2019 للتبرؤ من جيناتها المحورة، وإنكار ذلك الجينوم الذي يربطها بحزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك والحركة الإسلامية وعهد الرئيس عمر حسن البشير.

بسبب الحرب التي اندلعت في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش في 15 أبريل/ نيسان 2023 وتداعياتها ودعايتها، تحاول المليشيا المتمردة، بناء مبررات حربها بأن من أهدافها القضاء على "الحركة الإسلامية"، وما يسمى بفلول النظام السابق، وبُنيت هذه الدعاية على كذبة كبرى، وتضليل لطمس الحقائق والقفز فوقها والتعلق بحبال التدليس، إذ بقيت صلة الدعم السريع بالإسلاميين كالوشم على ظاهر اليد، لا تمحوها الأيام، ولا الحرب وأهوالها.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003 في إقليم دارفور.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013

وكان الشيخ موسى هلال زعيم المحاميد "بطن من قبيلة الرزيقات"، هو قائد هذه القوة التي قاتلت مع الجيش ضد المتمردين آنذاك، وجلها من القبائل العربية، ولم يكن "حميدتي" وقتذاك شيئا مذكورا سوى أنه أحد ضباط الصف يتبع لموسى هلال.

إعلان

تمرد "حميدتي"؛ بسبب خلافه مع الشيخ موسى هلال في نهاية عام 2006، وحاول عقد تحالف مع متمردي حركة "العدل والمساواة" في لقاء مشهور بالعاصمة التشادية نجامينا بحضور الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، لكن سرعان ما عملت الحكومة السودانية على احتوائه مرة أخرى وإرجاعه للعمل مع الجيش، وتكليفه بمهام محدودة في مناطق جنوب دارفور، ثم أفردت له حكومة الرئيس البشير منصبا حكوميا في ولاية جنوب دارفور بتعيينه مستشارا بدرجة معتمد.

وعندما حُلت قوات "حرس الحدود" بقيادة موسى هلال في خواتيم عام 2009، وتزامن مع ذلك الوقت حدوث تغييرات في أجهزة الدولة قضت بذهاب صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات من موقعه، وبدأ مزاولة أعمال تجارية خاصة منها تصدير الماشية إلى مصر، استعان قوش بـ"حميدتي" في شراء الأبقار وحراستها من مناطق دارفور حتى نقاط التصدير على الحدود المصرية، ووجد "حميدتي" منفذا تجاريا محدودا مع شركات ومؤسسات تتبع للجيش وجهاز المخابرات، لكن سرعان ما طواه النسيان.

بُعث "حميدتي" من مرقده في غياهب النسيان مرة أخرى، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الضياع والغياب، مع تزايد هجمات المتمردين على مناطق في دارفور وجنوب كردفان، واقتراب التمرد من شمال كردفان والنيل الأبيض في عام 2013، فقرر الرئيس البشير تكوين قوات جديدة على غرار قوات "حرس الحدود".

وتم الاتصال بالشيخ موسى هلال لكنه اعتذر عن عدم قيادتها وكان حانقا وغاضبا من تجربته السابقة. وقد استعان البشير ببعض مساعديه العسكريين، فقام أحدهم وهو الفريق أول عوض بن عوف الذي تولى حكم السودان لـ24 ساعة فقط من 11-12 أبريل/نيسان 2019، باقتراح الشقيقين محمد وعبد الرحيم حمدان دقلو، وأصدر البشير قرارا بتكوين هذه القوات في أبريل/نيسان 2013.

تم تكليف "حميدتي" بعد التكوين بجمع وتجنيد 5 آلاف من أبناء القبائل العربية بدارفور، وخصصت له 60 عربة قتالية، وحدث خلاف حول تبعية القوات، برفض هيئة أركان القوات المسلحة وأعضاء من اللجنة العسكرية السابقة التي قامت بحل وتصفية قوات "حرس الحدود" تتبيع هذه القوات للجيش، وكحل وسط أُلحقت قوات  "الدعم السريع" بجهاز الأمن والمخابرات، ومنح "حميدتي" رتبة العميد كقائد ثان، وشقيقه الأكبر عبد الرحيم رتبة المقدم، مع العلم أن كليهما في قوات "حرس الحدود" كانا في رتبة "صف ضابط" رقيب أول ورقيب.

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية

بدأ تشغيل القوات الجديدة وتنسيق عملياتها مع الجيش في دارفور وجنوب كردفان، وحدثت تجاوزات كثيرة منها مشكلة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان عندما طرد الوالي آنذاك مولانا أحمد هارون "الدعم السريع" من ولايته، ولم تكن بيئة العمل في شمال وجنوب كردفان تناسب "الدعم السريع"، لذلك فشلت مهمتها، وتقرر انتداب ضباط من الجيش والمخابرات لتنظيم هياكل "الدعم السريع"، وتنسيق العمليات العسكرية ضد الحركات المتمردة آنذاك.

إعلان

في هذا الوقت كانت العناصر المنتدبة للعمل في صفوف "الدعم السريع" من القوات المسلحة أو جهاز الأمن والمخابرات تحوز ثقة قيادة الدولة، بينما الكوادر الملتزمة من الإسلاميين تواجدت في كل الشركات والمؤسسات المدنية التي بناها "حميدتي" وأشقاؤه، وحرصت قيادة "الدعم السريع" على استشارة قيادة نظام الإنقاذ في كل البرامج، وكانت هناك سيطرة للرئيس البشير على هذه القوات تأتمر بأمره، وتتبع مباشرة لمكتبه.

وصل لقيادة شركة "الجنيد" أهم شركات "حميدتي" وذراعه المالي، أحد أهم الكوادر الإسلامية التي تعمل في المجال الأمني، وصار مديرا عاما، وكذلك كوادر أخرى توزعت على شركات الطرق والجسور والتجارة العامة والتعدين التي تتبع لـ"الجنيد"، بحلول عام 2017، وهو العام الذي صدر فيه قانون "الدعم السريع" من البرلمان في أبريل/نيسان 2017، وكان لفيف من الإسلاميين قد سيطر على مفاصل "الدعم السريع" العسكرية والمدنية واستثماراتها.

بذهاب طه عثمان من مكتب الرئيس البشير فقدت "الدعم السريع" أكبر داعم لها، لكن شبكة هائلة من العلاقات الناشئة عوضت ذلك الفقدان، بيد أن طه لعب دورا أخطر في الخارج. وعمل "حميدتي" وشقيقه وعدد من أفراد الأسرة بعد أن مُنحوا مقعدا وزاريا سبقه تخصيص مقعد برلماني لعمه (جمعة دقلو) في البرلمان، على تمتين علاقاتهم مع الإسلاميين في مختلف المستويات، والاستفادة من الكادر المدرب والمؤهل لبناء الإمبراطورية المالية، وزيادة النفوذ السياسي، ونالوا جميعا عضوية المؤتمر الوطني، وحاول "حميدتي" وشقيقه التوسل عدة مرات لقيادة المؤتمر الوطني بقبولهما وتعيينهما قياديين في الأجهزة العليا للحزب ففشل المسعى.

بداية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" وبعض إخوته وأخواله وأبناء عمومته الأقربين، كانت عندما جندوا كعناصر مقاتلة برتب دنيا كجنود صف في الفترة من 2003-2007 في قوات "حرس الحدود"، وهي قوات شبه نظامية أنشأها عهد الإنقاذ عقب اندلاع تمرد حركتي "تحرير السودان" و"العدل والمساواة" في عام 2003

بنهاية عهد الإنقاذ في أبريل/نيسان 2019 ومشاركة "حميدتي" مع القيادات العسكرية، ومنها كوادر إسلامية في الانقلاب على البشير، بات "حميدتي" في الأيام الأولى خائفا يترقب، وسعى لزيادة الاستعانة بالكوادر والقيادات السياسية الإسلامية خلال عذريته السلطوية، قبل أن تأتيه الإملاءات الخارجية بالتخلص من بعضهم، ومن المتواجدين في الجيش والأجهزة الأمنية. كما زادت قوات الدعم السريع من 20 ألف جندي في عهد البشير، إلى ما يقارب 40 ألفا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2019.

وعندما أُلغيت المادة (5) من قانون "الدعم السريع"، سارع "حميدتي" إلى التوسع الأفقي والرأسي باستيعاب ضباط القوات المسلحة وجهاز المخابرات المفصولين من الخدمة، وبلغ عدد ضباط الجيش المستوعبين غداة حرب 15 أبريل/نيسان 2023 ما يزيد على 480 ضابطا من مختلف الرتب، كما استوعب عنده عناصر من قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة، بعد حل الهيئة بضغط منه في عام 2019.

خلال أربع سنوات سبقت الحرب، فاق عدد القوات 200 ألف، وكان لـ"حميدتي" طاقم سياسي يعمل في قوات الدعم السريع (مستشارون-كبار موظفين)، جلهم من الولاة السابقين والمعتمدين والوزراء الولائيين السابقين، أكثريتهم من ولايات دارفور، وكان لديه كوادر لا حصر لها من البرلمانيين والتشريعيين الولائيين من عناصر نظام البشير.

وبحكم صلة القرابة والدم جمع حوله أهل المشورة الخاصة من "الإسلاميين"، ليديروا معه كل الملفات الخاصة والجوانب السياسية والعمل على استقطاب منظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية والاجتماعية وزعماء القبائل والعشائر، وستجدهم في مكاتبه الخاصة ووفوده للتفاوض، ومن يحركون العمل العسكري والسياسي بعد الحرب.

إعلان

ومن أبرز الإسلاميين المساندين لـ"الدعم السريع" من السياسيين، طه عثمان الحسين مدير مكتب البشير، حسبو محمد عبد الرحمن النائب الأول للرئيس البشير، بجانب قيادات دستورية سابقة يبلغ عددهم بضعة وثلاثين، من بينهم ولاة ووزراء ووزراء ولائيون ومعتمدون وبرلمانيون وأعضاء مجالس تشريعية، وأمناء ونواب أمناء بارزون في مستويات الحركة الإسلامية ومكاتبها التنظيمية والأمنية، في ولايات دارفور وكردفان، وكوادر شبابية وطلابية، منهم رؤساء اتحادات في الجامعات ومنظمات شعبية قومية.

ولعل أبرز القيادات التي التحقت بـقوات"الدعم السريع" بعد تمردها زعماء القبائل، وخاصة الإسلاميين منهم، فناظر قبيلة الرزيقات محمود موسى مادبو ظل عضوا في الجبهة الإسلامية القومية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ومحمد يعقوب ناظر الترجم هو من قدامى الإخوان المسلمين في دارفور، وكانت له صولات وجولات أيام الديمقراطية الثالثة وعهد الإنقاذ، واللواء محمد البشير موسى ناظر قبيلة السلامات، والأمير مسار عبد الرحمن أحد وجهاء قبيلة الرزيقات، وعند تصنيف كل الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور تجد 90% من داعمي المليشيا كانوا ملتزمين مع المؤتمر الوطني الحزب الحاكم في عهد البشير.

أما الكوادر العسكرية فهم كثر وكانوا إما إسلاميين أو مسؤولين دستوريين في عهد البشير، وهم الآن في قمة هرم "الدعم السريع" العسكري أبرزهم الفريق عثمان عمليات، اللواء حسن محجوب مدير مكتب حميدتي، العميد عمر حمدان حماد، اللواء مبشر جبريل، موسى خدام، الفاتح قرشي، علي محمد دخرو، عبد الرزاق محمد علي، إبراهيم حسن مدلل، موسى حسين خميس، سليمان عبد الجبار، عبد الرحمن حسن الفوتي، لواء عبد الرحمن جمعة بارك الله، عادل دقلو -الوزير في عهد البشير- والبرلماني في عهد الإنقاذ جمعة دقلو عم حميدتي شقيق والده، والقائمة تطول من العسكريين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد