الجزيرة.نت - 8/30/2026 2:07:05 AM - GMT (+3 )
Published On 30/8/2026
كيف تبدأ أول قطرة مطر في السقوط من سحابة لا تحتوي على أي بلورات جليدية؟ ظل هذا السؤال أحد الألغاز المفتوحة في علم الغلاف الجوي، لكن دراسة جديدة أجراها باحثون من معهد ماكس بلانك لديناميات التنظيم الذاتي تقدم مفتاحا جديدا لفهم هذه العملية.
وكشفت الدراسة المنشورة في دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينس" (Proceedings of the National Academy of Sciences) عن وجود مناطق شديدة الصغر داخل السحب الركامية الدافئة تتجمع فيها قطرات الماء بكثافة أعلى بكثير من المناطق المحيطة، وهو ما يزيد فرص اصطدام القطرات واندماجها لتكوين قطرات أكبر، وقد يمهد في النهاية الطريق لتشكل المطر.
وتتكون بعض السحب من قطرات ماء سائلة فقط، من دون بلورات جليدية، وتعرف بالسحب الدافئة، وهي منتشرة على نطاق واسع فوق المحيطات والقارات، كما أنها مسؤولة عن جزء مهم من هطول الأمطار، ولا سيما في المناطق المدارية.
والمعروف أنه في السحب الباردة، يمكن لبلورات الجليد أن تؤدي دورا مهما في نمو الجسيمات المائية وتكوين المطر، لكن في السحب الدافئة لا توجد هذه البلورات، لذلك يتعين على قطرات الماء الصغيرة أن تكبر من خلال التصادم والاندماج، وهنا تظهر المشكلة.
فقطرات السحب صغيرة جدا، وغالبا ما تكون موزعة داخل السحابة، مما يجعل اصطدامها ببعضها عملية ليست سهلة بالقدر الكافي لتفسير السرعة التي يمكن أن يبدأ بها المطر.
وباستخدام منصة رصد جوية متطورة، أعاد الباحثون بناء البنية الداخلية لمقطع يبلغ طوله 55 مترا من سحابة ركامية دافئة، وكانت المفاجأة أن قطرات الماء لم تكن موزعة بالتساوي.
فقد ظهرت مناطق صغيرة للغاية، يبلغ قطر بعضها نحو متر واحد أو أقل، تتجمع فيها القطرات بصورة أكثر كثافة، وتصبح المسافات الفاصلة بينها أقصر من تلك الموجودة في بقية أجزاء السحابة.
إعلان
ويعتقد الباحثون أن هذه المناطق يمكن أن تمثل بؤرا لبدء تكون المطر، فكلما اقتربت القطرات من بعضها، زادت احتمالات تصادمها، وعندما تصطدم قطرات الماء يمكن أن تندمج لتشكل قطرة أكبر.
وتبدأ بعدها سلسلة من التصادمات والاندماجات التي قد تسمح للقطرات بالنمو تدريجيا حتى تصبح كبيرة بما يكفي للسقوط على هيئة مطر.
والوصول إلى هذه التفاصيل الدقيقة لم يكن ممكنا باستخدام وسائل الرصد الجوية التقليدية.
فقد طور فريق الباحثين في معهد ماكس بلانك منصة "كلاود كايت"، وهي مختبر جوي محمول يستخدم بالونا من نوع "هليكيت"، يجمع بين خصائص البالون والطائرة الورقية، للتحرك داخل السحب بسرعة منخفضة نسبيا.
وتحمل المنصة نظامين بصريين مصممين خصيصا للعمل داخل السحب، الأول يعتمد على الليزر وكاميرات عالية السرعة، ويمكنه إعادة بناء المواقع والأحجام ثلاثية الأبعاد لقطرات الماء الفردية بمعدل يصل إلى 75 مرة في الثانية، أما النظام الثاني فيقيس الاضطرابات وحركة الهواء داخل السحابة.
وتتيح المنصة إجراء القياسات على مسافات متقاربة جدا، تصل إلى نحو 12 سنتيمترا بين القياس والآخر، أي بكثافة قياس تفوق الملاحظات الجوية السابقة بنحو 250 مرة، وفق الباحثين.
ويقول الفريق إن هذه القدرة تشبه امتلاك "مجهر ثلاثي الأبعاد داخل السحابة"، يسمح برؤية البنية الداخلية للسحابة على مستويات لم تكن متاحة من قبل.
هل اكتشف العلماء بالفعل مكان ولادة المطر؟رغم أهمية النتائج، لا تعني الدراسة أن العلماء حسموا بصورة نهائية آلية تكوّن المطر في السحب الدافئة.
فالنتيجة الأساسية هي اكتشاف مناطق شديدة التركيز من القطرات، وأن هذه المناطق توفر ظروفا أكثر ملاءمة للتصادم والاندماج.
لكن السؤال التالي لا يزال قائما: ما الذي يصنع هذه البؤر داخل السحابة؟
ويركز الباحثون حاليا على معرفة العلاقة بين الاضطرابات الهوائية وبين تجمع القطرات في هذه المناطق الصغيرة، فقد تكون حركة الهواء المضطربة داخل السحابة أحد العوامل التي تدفع القطرات إلى التجمع في أماكن محددة، لكن تحديد هذه العلاقة بدقة يحتاج إلى مزيد من الرصد والتجارب الميدانية.
إقرأ المزيد


