الجزيرة.نت - 8/29/2026 10:51:02 PM - GMT (+3 )
لا تراهن واشنطن على براميل نفط سريعة فقط، بل على خام ثقيل قريب من مصافيها ونفوذ طويل الأمد في أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، في وقت جعلت فيه الحرب في الشرق الأوسط مسارات الإمداد عبر هرمز أكثر هشاشة.
في وقت أعادت فيه الحرب في الشرق الأوسط تسليط الضوء على هشاشة إمدادات النفط المارة عبر مضيق هرمز، برزت فنزويلا في حسابات أمريكا بوصفها مصدرا بديلا لا يمر عبر الخليج، بل يقع في نطاق جغرافي قريب من المصافي الأمريكية والأسواق الكاريبية.
ومن هنا، لا تختصر الصفقة النفطية التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووصفها بـ"الأضخم في العالم"، مع كاراكاس في زيادة الاحتياطي على الورق، أو في وعد بخفض سريع لأسعار البنزين.
فالمكسب الأهم لأمريكا يتمثل في توسيع نفوذها داخل إنتاج وتصدير خام ثقيل تحتاجه بعض مصافيها، وفي امتلاك هامش أكبر لتوجيه الشحنات إلى الأسواق الحليفة في لحظة اضطراب عالمي.
وأعلن ترمب أن الاتفاق يمنح بلاده، عبر شراكة مع القطاع الخاص، سيطرة أغلبية على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة في فنزويلا. لكن تفاصيل هيكل الاتفاق والحقول والشركات المشاركة لم تُكشف كاملة، وهو ما يفرض الحذر في التعامل مع وصفه بأنه استحواذ كامل على النفط الفنزويلي.
مكسب خارج الممر المضطربتنتج فنزويلا خاما ثقيلا يحتاج إلى تقنيات ومصافي قادرة على معالجته، وهي ميزة تجعل النفط الفنزويلي ملائما لبعض المصافي الأمريكية التي صممت أصلا للتعامل مع خامات مشابهة.
وفي تقرير للجزيرة -أعده أحمد مرزوق- يبرز عامل الجغرافيا بوصفه أحد مفاتيح الصفقة، فالنفط الفنزويلي يصل إلى أمريكا من الكاريبي، من دون المرور بمضيق هرمز، الذي يظل أحد أكثر ممرات الطاقة حساسية في العالم، خصوصا مع تراجع تدفقات النفط بفعل الحرب والتوترات الإقليمية.
إعلان
هذا لا يعني أن فنزويلا قادرة وحدها على تعويض نفط الخليج، ولا أن الاتفاق يلغي أثر الحرب في الأسعار العالمية، لكنه يوفر لأمريكا مصدر إمداد إضافيا أقل تعرضا لمخاطر الممرات البحرية في الشرق الأوسط.
وفي سوق يتأثر فيه سعر البرميل بالتأمين والشحن والمخاطر الأمنية بقدر تأثره بالإنتاج، تصبح قيمة النفط الفنزويلي أكبر من حجمه الفعلي: براميل قريبة، ومسار أقصر، وخام يمكن دمجه في شبكة التكرير والتجارة الأمريكية.
المكسب الثاني هو تجاري. فالحصول على حصة أغلبية في مشروع مشترك يمنح أمريكا نفوذا أوسع على مسار الإنتاج والتسويق، وليس فقط حق شراء شحنات من السوق.
وبحسب أسوشيتد برس تحصل الشركات الأمريكية على حصة تبلغ 55% في الشركة المديرة، مع حق شراء النفط بسعر الكلفة، بينما تتحدث التقديرات عن استثمارات قد تقترب من 100 مليار دولار لإعادة تأهيل القطاع النفطي الفنزويلي.
لكن عبارة "ارتفاع المبيعات النفطية الأمريكية" تحتاج إلى ضبط، فلا تتوافر، في المعطيات المنشورة حتى الآن، أرقاما تؤكد زيادة فعلية ومحددة في مبيعات أمريكا من النفط الفنزويلي بعد الصفقة، والأدق أن نقول إن الاتفاق يمنحها قدرة أكبر على زيادة التسويق وتوجيه الشحنات مستقبلا، إذا تحولت الاستثمارات المعلنة إلى إنتاج فعلي.
وهنا تظهر الهند بوصفها سوقا محتملا في المعادلة. فمع اضطراب طرق الخليج، اتجهت المصافي الهندية إلى تنويع الإمدادات من روسيا وفنزويلا والبرازيل وأفريقيا، وبلغت وارداتها من الخام الفنزويلي نحو 444 ألف برميل يوميا في أغسطس/آب، وفق موقع بيزنس ستاندرد" (Business Standard).
وبالتالي، تستطيع أمريكا أن تنظر إلى النفط الفنزويلي بوصفه رافعة مزدوجة: جزء منه يخدم مصافيها، وجزء آخر يمكن أن يعزز حضورها التجاري في أسواق حليفة تبحث عن بدائل للإمدادات التي تمر عبر هرمز أو ترتبط بروسيا.
تكمن المفارقة في أن فنزويلا تملك أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم، يقدر بنحو 303 مليارات برميل، لكن إنتاجها الفعلي لا يزال عند نحو 1.25 مليون برميل يوميا، بعد سنوات من العقوبات ونقص الاستثمار وسوء الإدارة وتراجع البنية التحتية.
لذلك، لا تتحول الـ65 مليار برميل المعلنة إلى وقود يصل غدا إلى محطات البنزين الأمريكية. فالخام الفنزويلي ثقيل جدا، ويحتاج إلى مواد لتخفيف لزوجته حتى يتدفق عبر الأنابيب، كما تتطلب الحقول والموانئ ومحطات المعالجة والمصافي استثمارات وإصلاحات واسعة.
ويشير خبير النفط والطاقة توماس أودونيل إلى أن استعادة مستويات إنتاج كبيرة تحتاج إلى سنوات، وأن وعود خفض أسعار الوقود سريعا لا تنسجم مع حجم الأعطال التقنية والاستثمارات المطلوبة.
لهذا، فإن ما اشترته أمريكا في هذه المرحلة ليس براميل جاهزة، بل حقا طويل الأمد في إعادة بناء القدرة الإنتاجية الفنزويلية، وما يرافقه من نفوذ في التصدير والتسويق.
إعلان
تتعدد الأرقام المتداولة لأن الاتفاق لم تنشر كل تفاصيله الرسمية بعد. فترمب تحدث عن أكثر من 65 مليار برميل، بينما نقل موقع "أكسيوس" (Axios) الأمريكي، في وقت سابق، مصادر أن المفاوضات شملت حقولا تضم نحو 90 مليار برميل من الاحتياطيات.
كما تحدثت تقارير عن إطار للإدارة التشغيلية بين 17 و21 حقلا، وعن امتيازات قد تمتد إلى 100 عام لحقول تبلغ احتياطياتها المؤكدة 63 مليار برميل، وحصة أمريكية قدرها 55% من الإنتاج الفعلي للمشروع المشترك.
ولا تقل أهمية الغموض القانوني عن الغموض التجاري؛ إذ إن نموذج عقد الإيجار طويل الأجل، أو منح حقوق إنتاج واسعة لشركات أمريكية، قد يواجه اعتراضات دستورية وسياسية داخل فنزويلا، حيث تبقى السيطرة على الأنشطة الأساسية للقطاع النفطي بيد الدولة.
إبعاد الصين وإعادة ترتيب السوقسياسيا، تمنح الصفقة واشنطن فرصة لتقليص مساحة المنافسين داخل فنزويلا، وفي مقدمتهم الصين. وقد ربط مراسل الجزيرة في واشنطن محمد المدهون أهمية الاتفاق بمحاولة إبعاد بكين عن النفط الفنزويلي، إلى جانب سعي ترمب لخفض أسعار البنزين وإعادة ترتيب النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وهذا هو البعد الأبعد من الصفقة، فأمريكا لا تبحث فقط عن إمداد إضافي في زمن اضطراب هرمز، بل عن موضع ثابت داخل قطاع يملك احتياطيات هائلة وقريبا من أسواقها.
لكن نجاح هذا الرهان يظل مشروطا بقدرة الشركات الأمريكية على ضخ استثمارات ضخمة في بيئة سياسية وقانونية معقدة، وبمدى استعداد كاراكاس لمنحها نفوذا واسعا من دون أن تتحول الصفقة إلى أزمة داخلية جديدة.
لذلك، قد تمنح صفقة فنزويلا أمريكا مكاسب إمدادية وتجارية وجيوسياسية في لحظة صعبة لسوق النفط، لكنها لا تقدم حلا فوريا لأزمة هرمز أو لأسعار الوقود. إنها، في جوهرها، محاولة لتحويل أكبر احتياطي نفطي في العالم من ثروة معطلة إلى رافعة أمريكية تمتد آثارها لسنوات.
إقرأ المزيد


