الجزيرة.نت - 8/29/2026 9:49:53 PM - GMT (+3 )
يكشف “المخبر الاقتصادي” خبايا المواجهة التجارية بين كندا وأمريكا، من انهيار المفاوضات إلى أوراق الضغط الكندية، في معركة تدرك أوتاوا كلفتها لكنها ترفض فيها الخضوع لواشنطن.
تحولت الحرب التجارية بين كندا والولايات المتحدة إلى اختبار لإرادة طرفين تجمعهما واحدة من أعمق العلاقات الاقتصادية في العالم، بعدما انهارت المفاوضات بينهما وتحولت الرسوم الجمركية إلى أداة للضغط المتبادل، وسط إصرار أوتاوا على الرد بالمثل وعدم قبول شروط تراها مجحفة.
وتتناول حلقة "المخبر الاقتصادي" (يمكن مشاهدتها كاملة عبر هذا الرابط) هذه المواجهة من جذورها، موضحة كيف انتقلت الخلافات من إطار اتفاق تجاري يفترض أن ينظم العلاقة بين البلدين إلى صراع مفتوح على النفوذ والسيادة، وما تملكه كل عاصمة من أوراق ضغط في مواجهة الأخرى.
وتكتسب المواجهة حساسية خاصة، لأن كندا تعتمد بصورة كبيرة على السوق الأمريكية، في حين يرى رئيس الوزراء مارك كارني أن كلفة الخضوع للضغوط قد تكون أكبر على المدى البعيد من الخسائر التي ستترتب على المقاومة، وهو ما يفسر نبرته الحادة تجاه واشنطن.
وكان كارني قد أنهى مفاوضات واشنطن في 21 أغسطس/آب، موجها مفاوضيه بالعودة إلى كندا بعدما اقتنع بأن ما تعرضه الإدارة الأمريكية لا يوازي ما تطلبه في المقابل، وفي اليوم التالي وصف المواجهة بأنها حرب، مؤكدا امتلاك بلاده القدرة والخطة للرد.
ولم يكن هذا الموقف معزولا عن الرأي العام الكندي؛ إذ أظهر استطلاع لمعهد أنغوس ريد أن 76% من الكنديين رأوا انسحاب الحكومة من المفاوضات قرارا صحيحا، رغم أن 89% منهم كانوا قلقين من ارتفاع تكاليف المعيشة.
وهكذا بدأت المعركة بمنطق مختلف عن كثير من الدول التي فضلت التفاوض تحت ضغط الرسوم الأمريكية، فكندا، على غرار الصين، اختارت الرد بالمثل، انطلاقا من اعتقاد بأن قبول اتفاق سيئ قد يترك آثارا اقتصادية وسياسية أعمق من ألم المواجهة المؤقتة.
جذور المواجهةتعود جذور الأزمة إلى اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، التي دخلت حيز التنفيذ في يوليو/تموز 2020 لتحل محل نافتا، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد وصفها عند توقيعها بأنها اتفاقية متوازنة، قبل أن تستخدم إدارته لاحقا قوانين أخرى لفرض رسوم على قطاعات كندية رئيسية.
ومع انتهاء السنوات الست الأولى في يوليو/تموز 2026، كان يفترض أن تبدأ المراجعة المشتركة للاتفاقية، لكن واشنطن رفضت تمديدها فورا مطالبة بإعادة بحث العجز التجاري وسلاسل الإمداد وقواعد المنشأ، وهكذا تحولت المراجعة إلى معركة تفاوضية مفتوحة بدلا من تجديد سلس.
وزاد الخلاف لأن كندا رفضت أسلوب التفاوض الذي اتبعته المكسيك، والقائم على معالجة الملفات واحدا تلو الآخر وتقديم تنازلات تدريجية، وأصر كارني على صفقة شاملة تعالج الرسوم والقطاعات المتضررة معا بدلا من الاستجابة لكل تهديد أمريكي بتنازل جديد.
وفي أغسطس/آب، بدت الصفقة ممكنة بعدما ظهرت مؤشرات على خفض رسوم السيارات والصلب والألمنيوم، لكن الساعات الأخيرة شهدت إعادة فتح ملفات اعتقد الكنديون أنها حُسمت وتغيرت البنود والأرقام، وتمسكت واشنطن برسوم مرتفعة وحصص للصادرات، فانهارت المفاوضات.
وكان ملف الشاحنات المتوسطة والثقيلة من أبرز نقاط الخلاف، إذ أرادت أوتاوا إدراج مركبات تنتجها شركات أمريكية في أونتاريو ضمن التخفيضات، كما رفضت محاولة أمريكية لتقييد اتفاقيات كندا التجارية مع دول أخرى، معتبرة ذلك مساسا بسيادتها ومحاولة لإبقاء اقتصادها رهينا بالسوق الأمريكية.
وتكشف الأرقام سبب إصرار واشنطن على نفوذها؛ فقرابة 70% من صادرات كندا تتجه إلى الولايات المتحدة، وأكثر من 90% من السيارات المنتجة كنديا تذهب إليها، لذلك فإن كندا ستتلقى ضربة أكبر في حرب شاملة، لكنها تراهن على أن كلفة الخضوع أطول أمدا.
أوراق الضغطاختارت أوتاوا سياسة "دولار مقابل دولار"، فأعلنت رسوما مضادة على نحو 700 منتج أمريكي، رغم إدراكها فارق القوة الاقتصادية الهائل، فحجم اقتصاد الولايات المتحدة يقترب من 32.4 تريليون دولار مقابل 2.5 تريليون لكندا، والتجارة بينهما تقارب 900 مليار دولار سنويا.
وتملك كندا مع ذلك أوراقا يمكن أن تجعل المواجهة مؤلمة لواشنطن، في مقدمتها الألمنيوم، فقد وفرت 56% من واردات الولايات المتحدة منه بين 2021 و2024، في حين اعتمدت واشنطن على الواردات لتغطية نحو 60% من استهلاكها الظاهري عام 2025.
ويبرز البوتاس كورقة أخرى أكثر اتصالا بحياة الأمريكيين، إذ غطت الواردات نحو 92% من الاستهلاك الأمريكي الظاهري منه عام 2025، وكانت كندا مصدر 79% من الواردات خلال 2021-2024، واضطراب هذه الإمدادات قد يرفع تكلفة الأسمدة، ثم ينعكس على الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء.
أما النفط فيمنح كندا قوة أكبر من حيث الحجم، إذ تستورد الولايات المتحدة منها قرابة 4 ملايين برميل يوميا، أي نحو 60% من وارداتها من الخام، لكن الاعتماد متبادل، فالمصافي الأمريكية تحتاج النفط الكندي، بينما تحتاج كندا السوق الأمريكية، ولذلك تتردد في استخدامه مباشرة.
وتبدو الكهرباء أكثر الأوراق إثارة، لأن شبكات أونتاريو وكيبيك مرتبطة بعدد من الولايات الأمريكية، وقد أظهرت موجة الحر في يوليو/تموز 2026 أهمية هذا الترابط، حين أسهمت الكهرباء الكندية في تلبية جزء من طلب نيويورك، مما يمنح أوتاوا وسيلة ضغط في أوقات الذروة.
لكن استخدام الكهرباء كسلاح لا يعني قطعها بالكامل، بل تقليص الصادرات أو رفع تكلفتها، كما فعلت أونتاريو في مارس/آذار 2025 قبل تعليق الإجراء بعد يوم، وهكذا تظل المعركة مفتوحة بين بلدين يدركان كلفة الانفصال، بينما تراهن كندا على تنويع تجارتها وتقليل هشاشتها أمام واشنطن.
Published On 29/8/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


