العلم في خدمة الثروة.. باحثون يكتشفون موضع تشكّل أثمن ألماسات العالم
الجزيرة.نت -

هل تساءلت يوما عن سر تكوين أكبر وأندر وأثمن أنواع الماس في العالم؟ لقد ظل السبب الذي يجعل هذه الأحجار الاستثنائية يتشكل دون غيره لغزا جيولوجيا لم يتمكن العلماء من حله على مدى عقود.

ومن هذا اللغز، انطلق باحثون من جامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا لمحاولة فهم ما يمكن أن تكشفه هذه الماسات.

وكشفت دراسة جديدة أجراها فريق مجموعة أبحاث الكمبرلايت التابعة لقسم العلوم الجيولوجية في الجامعة، بالتعاون مع باحثين من معهد كارنيغي للعلوم في الولايات المتحدة، وجامعة الصين لعلوم الأرض في بكين، ونُشرت في مجلة "نيتشر كوميونيكاشنز" (Nature Communications)، عن أدلة جديدة تفسر كيفية تشكل أعظم الأحجار النفيسة قيمة وأشد الأجسام صلابة، وربطت نشأتها بمناطق غير اعتيادية غنية بالحديد تقع في أعماق وشاح الأرض.

هذه الماسات أكثر ندرة بكثير من الماس التقليدي (شترستوك)
ماسات استثنائية من أعماق الأرض

ركزت الدراسة على فئة نادرة واستثنائية من الماس عالي الجودة تُعرف باسم "كليبير" (CLIPPIR)، وهي اختصار لعبارة تشير إلى صفات هذه الأحجار الكريمة، التي تمتاز بكبر حجمها ونقائها الشديد وشكلها غير المنتظم الذي يحمل آثار إعادة التبلور.

ويوضح أندريا جولياني، المؤلف المشارك في الدراسة والباحث في مختبر الأرض والكواكب التابع لمؤسسة كارنيغي للعلوم في واشنطن، أن "ما يميز هذا النوع من الماس هو اجتماع الحجم الاستثنائي والنقاء الشديد في الحجر نفسه، إذ يمكن أن يتجاوز وزن الماسة الواحدة، في حالتها الخام، 100 قيراط، كما تكاد تخلو تماما من الشوائب المعدنية والسوائل التي توجد عادة داخل الماسات العادية".

ويضيف عالم الجيوكيمياء النظائرية في حديثه للجزيرة نت أن "هذه الماسات أكثر ندرة بكثير من الماس التقليدي، بما في ذلك البلورات ذات الشكل الثماني الأوجه (الأوكتاهدرا)، ما يجعلها شديدة النقاء وقريبة من الكمال من الناحية البلورية، ومثالية لإنتاج أحجار كريمة فائقة القيمة. ولهذا السبب تحظى بقيمة سوقية مرتفعة للغاية".

إعلان

ولا تمثل هذه الفئة سوى أقل من 1% فقط من إجمالي الماس الأرض، لكنها تضم بعضا من أشهر الأحجار التي اُكتشفت على الإطلاق، مثل ماسة كولينان التي بلغ وزنها 3106 قيراطا عند اكتشافها عام 1905 في منجم بريميير، المعروف حاليا باسم منجم كولينان في جنوب أفريقيا. وقُطعت لاحقا إلى عدة ماسات تاريخية، أبرزها نجمة أفريقيا الكبرى التي يبلغ وزنها 530 قيراطا، والمثبتة حاليا ضمن جواهر التاج البريطاني.

يتشكل معظم الماس التقليدي المستخدم في المجوهرات عادة داخل الجذور الصلبة والسميكة للوشاح أسفل القارات القديمة، على أعماق  تتراوح بين 150 و200 كيلومتر. أما ماسات "كليبير" فتتكون على أعماق أكبر بكثير، في منطقة من الوشاح تُعرف باسم منطقة الانتقال، على عمق يقارب 410 إلى 660 كيلومترا تحت سطح الأرض.

ويفسر هذا العمق الاستثنائي، إلى جانب الظروف الجيولوجية النادرة اللازمة لنمو ماسة بهذا الحجم وبهذا القدر من النقاء، سبب العثور عليها في عدد محدود جدا من المناجم حول العالم، ولماذا تصل قيمتها إلى مستويات استثنائية.

ويقول الأستاذ المشارك جيفري هاوورث، من مجموعة أبحاث الكمبرلايت والمؤلف الرئيس للدراسة، إن "العلماء يعرفون أن هذه الماسات تبلورت على هذه الأعماق استنادا إلى شوائب معدنية دقيقة محبوسة داخلها، ولا سيما معدن جارنت الماجوريت، الذي لا يتشكل إلا تحت الضغوط الهائلة السائدة في منطقة انتقال الوشاح".

ويضيف الباحث في علم صخور النارية والجيولوجيا الاقتصادية، في حديثه للجزيرة نت، أن "نمو بلورات بهذا الحجم والنقاء يبدو أنه يتطلب بيئة مستقرة وغير مضطربة، تستطيع فيها السوائل الغنية بالكربون بناء البلورة ببطء، من دون اختلاطها بكميات كبيرة من المعادن الأخرى، وهو ما يفسر تحديدا سبب احتواء ماسات كليبير على عدد قليل جدا من الشوائب".

صورة مجهرية ضوئية تظهر الأوليفين في قطعة من صخور الكمبرلايت (جيفري هاوارث)
بصمة كيميائية تقود إلى الماس العملاق

لتفسير الكيفية التي تشكلت بها هذه الماسات العملاقة، اعتمد الباحثون على تحليل معدن الأوليفين، وهو أحد المعادن الرئيسة الموجودة في صخور الكمبرلايت. وتعد هذه الصخور البركانية النادرة بمثابة "مصاعد طبيعية" ترتفع بسرعة من أعماق الأرض، حاملة معها الماس ومعادن أخرى من أعماق الوشاح إلى السطح.

ويقول جيفري إن "الأوليفين هو أكثر المعادن شيوعا في الوشاح العلوي"، وإن "صهارات الكمبرلايت، وهي القنوات البركانية التي تنقل الماس إلى سطح الأرض، تلتقط أعدادا هائلة من حبيبات الأوليفين أثناء اندفاعها عبر الصخور المحيطة في طريقها إلى الأعلى".

ويضيف أن "كل حبة من هذه الحبيبات تمثل في جوهرها عينة صغيرة من الصخور التي مرت صهارة الكمبرلايت عبرها، بما في ذلك المناطق التي ربما خزنت الماس قبل انتقاله إلى سطح الأرض. لذا، من خلال تحليل آلاف الحبيبات، يمكننا تكوين صورة عن طبيعة الوشاح على أعماق مختلفة تحت موقع معين، في ما الحصول على عينة أسطوانية من باطن الأرض دون الحاجة إلى الحفر للوصول إليها".

ويوضح أن "الفريق ركز بصورة خاصة على محتوى هذه الحبيبات من المغنيسيوم والحديد والتيتانيوم والزنك"، مضيفا أن "صخور الوشاح العادية تنتج أوليفين غنيا بالمغنيسيوم. لكننا وجدنا في صخور الكمبرلايت التي تحمل أيضا ماسات كليبيير كميات وفيرة من الأوليفين الغني بالحديد، تتركز عند قاعدة القارة، على أعماق تتجاوز 150 كيلومترا تحت سطح الأرض".

إعلان

ومن هنا، لفتت هذه البصمة الكيميائية انتباه الباحثين إلى طبيعة غير اعتيادية للوشاح في المناطق التي ارتبطت بوجود ماسات "كليبير" قبل أن تحملها صهارات الكمبرلايت إلى السطح.

ويقول أندريا: "لاحظنا وجود علاقة واضحة بين وفرة الأوليفين الغني بالحديد – وهو أمر غير مألوف في صخور الكمبرلايت – وبين المواقع التي استخرجت منها أو سُجل فيها وجود ماسات كليبير".

ويضيف أن "هذه الملاحظة دفعتنا إلى دراسة هذه العلاقة بصورة أعمق، ليتبين لنا من خلال تحليل تركيب الأوليفين، إلى جانب معادن أخرى، ولا سيما الجارنت، أن الجزء السفلي من الغلاف الصخري الذي أخذت منه صخور الكمبرلايت الحاملة لماسات كليبير عيناتها يختلف جيولوجيًا عن المناطق التي لا تحتوي على هذه الماسات، ويحمل خصائص غير اعتيادية".

إعادة تدوير الصخور والكربون داخل باطن الأرض

وتشير الأدلة الجديدة المستخلصة من تحليل التركيب الكيميائي للأوليفين إلى أن صخور الكمبرلايت الحاملة لماسات كليبير ترتبط بنوع محدد من المواد الجيولوجية المعاد تدويرها، تعود أصولها إلى قشرة محيطية بازلتية قديمة تعرضت لتغيرات كيميائية بفعل سوائل ساخنة كانت تتدفق عبر قاع المحيط قبل أن تحملها حركة الصفائح التكتونية إلى أعماق الأرض قبل مليارات السنين.

وتبدأ هذه الرحلة عندما تلتقي صفيحتان تكتونيتان، فتنزلق إحداهما أسفل الأخرى في عملية تُعرف باسم الاندساس، فتُسحب القشرة المحيطية إلى أعماق الوشاح، حيث تتعرض لدرجات حرارة وضغوط هائلة وتتفاعل مع الصخور المحيطة بها. وفي هذه الظروف القاسية، يتحول الكربون الموجود داخلها إلى الماس.

وتوضح هذه الصلة بين ماسات "كليبير" والقشرة المحيطية القديمة مسارا طويلا للكربون من سطح الأرض إلى أعماقها، قبل أن يعود في صورة بلورات الماس استثنائية إلى سطح الكوكب.

ويشرح أندريا هذه الدورة الجيولوجية بقوله إن "الكربون يُخزن في البداية داخل الكربونات والمادة العضوية الموجودة في القشرة المحيطية المتغيرة بفعل مياه البحر، وكذلك في الرواسب التي تعلوها. وعندما تغوص هذه القشرة إلى باطن الأرض عبر عملية الاندساس، يتحرر معظم هذا الكربون عند أعماق ضحلة نسبيا أسفل الأقواس البركانية نتيجة ارتفاع الضغط ودرجة الحرارة، ويحدث ذلك خصوصا بالنسبة للكربونات".

لكن جزءا من الكربون العضوي ينجح في تجاوز ما يمكن وصفه بـ"مرشح الاندساس"، ويواصل رحلته إلى أعماق أكبر، حيث تؤدي تفاعلات حرارية أخرى إلى نقله داخل سوائل تتحول لاحقا إلى الوسط الذي تتبلور فيه ماسات كليبير.

ويشير الباحث إلى أن "التفاصيل الدقيقة لهذه العملية لا تزال غير مفهومة بالكامل، إلا أن البصمة النظائرية للكربون في ماسات كليبير تقدم دليلا واضحا على أن الكربون العضوي القادم من الصفائح المحيطية المندسة لعب دورا أساسيا في نشأتها".

من قاع المحيط إلى جذور القارات

وتكشف النتائج أن ماسات كليبير تبلورت تحت ضغوط تتجاوز 11 غيغاباسكال، وهو ما يعادل أعماقا تزيد على 300 كيلومتر داخل منطقة الانتقال في الوشاح، ما يسمح لها بالنمو إلى أحجام استثنائية مع الاحتفاظ بدرجة عالية من النقاء.

وتفسر هذه السلسلة من العمليات سبب ندرة الماسات، كما تؤكد أن أثمن الأحجار الكريمة في العالم ليست سوى نتاج مباشر لعمليات إعادة تدوير المواد داخل أعماق كوكب الأرض.

كما تعيد هذه النتائج تشكيل فهم العلماء لبنية الوشاح، فقد أشارت الدراسة إلى أن المناطق العميقة الغنية بالحديد، والتي تتميز بتركيب نظائري غير مألوف، تمثل أحد أهم مصادر التباين الجيوكيميائي في الصخور البركانية المنتشرة حول العالم، وأن المواد المعاد تدويرها من القشرة المحيطية تؤثر في التركيب الكيميائي للصهارة التي تغذي النشاط البركاني على نطاق عالمي.

ويوفر هذا الاكتشاف أدلة جديدة حول الصخور التي احتضنت هذه الماسات قبل انتقالها إلى السطح، ويسهم في تطوير النماذج العلمية التي تفسر حركة الحمل الحراري داخل الوشاح وآليات انتقال المواد بين أعماق الأرض وسطحها، كما يفتح الباب أمام تطوير وسائل أكثر دقة لتحديد المواقع التي قد تحتوي على هذه الكنوز الجيولوجية النادرة في المستقبل.

إعلان

ويتيح التعرف على البصمات الكيميائية للأوليفين توجيه جهود التنقيب عن الماس نحو صخور الكمبرلايت الأكثر احتمالا لاحتواء الماسات كليبيير، وهو ما قد يزيد من كفاءة الاستكشاف ويخفض تكاليفه مقارنة بالاعتماد على الحظ أو المسوحات التقليدية.

ويقول أندريا إن "نتائج دراستنا، إلى جانب نتائج زملائنا في جامعة ألبرتا المنشورة عام 2025، تظهر أن الماسات كليبيير ترتبط بتركيبات معدنية محددة لكل من الأوليفين والجارنت. وتوفر هذه النتائج معايير واضحة ومباشرة يمكن أن تستفيد منها فرق الاستكشاف. وأعتقد أن شركات التنقيب عن الماس بدأت بالفعل في الاستفادة منها.

ورغم أن ذلك لا يضمن العثور على الماسات عملاقة، فإنه يساعد الجيولوجيين على تتبع أصل هذه الماسات، وتحديد المواقع التي تستحق مزيدا من الدراسة، وفهم العمليات العميقة التي شكلت كوكب الأرض عبر تاريخه الجيولوجي الطويل.

كما تحمل النتائج أهمية عملية كبيرة أيضا بالنسبة لقطاع الماس في جنوب أفريقيا، الذي تقدر قيمته بمليارات الدولارات، ويوفر آلاف فرص العمل. فلا يزال منجم كولينان، الذي تديره شركة بترا دايموندز، ينتج أحجارا استثنائية، من بينها أخيرا ماسة زرقاء نادرة بلغ وزنها 41.82 قيراطا.

واستنادا إلى نتائج الدراسة، يُتوقع أن تكون أكثر صخور الكمبرلايت الواعدة في مناطق مثل سيراليون وأنغولا هي تلك التي تحمل هذه البصمة الكيميائية الغنية بالحديد. ولا تزال هناك أعداد كبيرة من صخور الكمبرلايت في هذه المناطق لم تُدرس بصورة كافية، وربما تخفي بين طياتها المزيد من أندر الماسات العالم.

ألغاز لم تُحسم بعد

ويرى أندريا جولياني أن الدراسة تترك وراءها عددا من الأسئلة المفتوحة التي ما زالت بحاجة إلى إجابات، من بينها: كيف تتشكل الماسات كليبيير بالتحديد؟ ولماذا ترتبط بهذه الصخور الغنية بالحديد، بدلا من ارتباطها بالإكلوجيت، وهو الصخر الذي يمثل النظير عالي الضغط للقشرة المحيطية المندسة؟ وما الأصل الحقيقي لهذه الصخور الغنية بالحديد؟ وما مدى انتشارها مكانيا وزمنيا داخل الوشاح؟ وهل توجد عينات منها بالفعل ضمن صخور الوشاح الغريبة (الزينوليثات  أو الصخور الدخيلة) التي تحملها صخور الكمبرلايت إلى السطح؟

ويضيف أن الفريق يعتزم، في المرحلة المقبلة، دمج تحليلات نظائرية جديدة لماسات كليبيير وشوائبها مع دراسات تفصيلية لصخور الوشاح الغريبة المستخرجة من صخور الكمبرلايت الحاملة لهذه الماسات".

ويأمل الباحث أن تتيح هذه المقاربة بناء نموذج كمي يوضح بصورة أدق العلاقة بين ماسات كليبيير والصخور المصدرية التي نشأت منها في أعماق الأرض.

ويخلص الباحث إلى أنه يتوقع أن يتجه هذا المجال بصورة متزايدة إلى التعامل مع الجيوكيمياء العميقة للوشاح بوصفها أداة عملية للاستكشاف، وليس مجرد موضوع للبحث العلمي النظري.



إقرأ المزيد