الجرس يقترب والصفوف ما زالت بيوتا.. كيف يعود طلاب لبنان إلى مدارسهم؟
الجزيرة.نت -

لم تعد فاطمة تعدّ الأيام منذ نزحت من بلدتها الحدودية، بل تعدّ الوعود التي سمعتها ولم تتحقق. تعيش اليوم مع عائلتها داخل صف مدرسي في إحدى المدارس الرسمية في صيدا جنوبي لبنان، بعدما دمّر منزلها ولم يعد بإمكانها العودة إلى قريتها التي لا تزال تتعرض للغارات الإسرائيلية والاحتلال.

وحين يُسأل سكان المدرسة عن اقتراب موعد العام الدراسي، لا يكون السؤال بالنسبة إليهم تربويا بقدر ما هو سؤال عن المصير.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

تقول فاطمة للجزيرة نت: "نحن لا نريد أن نبقى في المدارس، فهذه المدارس للطلاب، لكن إلى أين نذهب؟ إذا قالوا لنا افتحوا المدرسة، سنجلس في الشارع، لا بيوت نعود إليها، والدولة لم تؤمّن لنا بديلا".

ثم تضيف بصوت يختلط فيه الغضب بالتعب: "نحن أيضا لدينا أولاد يريدون الدراسة، ولا نقبل أن يُحرم أي طالب من التعليم، لكننا أيضا لا نستطيع أن نخرج من دون مأوى، نريد فقط أن نجد بيتا نعيش فيه".

هذه المفارقة تختصر واحدة من أكثر القضايا تعقيدا مع اقتراب انطلاق العام الدراسي في لبنان: كيف يمكن إعادة آلاف التلاميذ إلى مقاعد الدراسة، فيما لا تزال عشرات المدارس تؤدي دورا آخر بوصفها مراكز لإيواء العائلات التي فقدت منازلها؟

بين حق الأطفال في التعليم وحق العائلات في السكن تقف المدارس أمام معادلة بالغة التعقيد (الجزيرة)
مدرسة بين وظيفتين

في المدرسة اللبنانية الكويتية الرسمية في صيدا، تبدو المفارقة واضحة منذ اللحظة الأولى، في الطابق نفسه الذي تستقبل فيه الإدارة الأهالي لتسجيل أبنائهم للعام الدراسي الجديد، تقيم مئات العائلات النازحة داخل الصفوف.

تقول مديرة المدرسة وداد جرادي إن المدرسة استكملت أعمال التسجيل منذ يونيو/حزيران، واستقبلت طلبات من طلاب المدينة ومن أبناء العائلات النازحة، إضافة إلى طلاب انتقلوا من مدارس خاصة ورسمية أخرى، لكن المدرسة، في الوقت نفسه، ما تزال تؤوي نحو 400 نازح.

إعلان

وتوضح أن الإدارة فصلت العمل التربوي والإداري عن ملف الإيواء، فيما تتولى جمعية متخصصة متابعة شؤون العائلات النازحة بالتنسيق مع المدرسة.

وتؤكد أن الجميع ينتظر قرارا واضحا من وزارة التربية بشأن آلية انطلاق العام الدراسي، معربة عن أملها في نقل النازحين إلى مراكز مستقلة عن المدارس، حتى تتمكن المؤسسة التعليمية من استعادة دورها الطبيعي.

وتضيف: "النازحون لا ذنب لهم، ونتمنى أن يعودوا إلى بيوتهم، كما نتمنى أن يعود الطلاب إلى صفوفهم".

استمرار استخدام المدارس كمراكز إيواء يهدد بعودة بعض الطلاب إلى التعليم عن بُعد (الجزيرة)
النازحون أيضا يريدون انتهاء الإيواء

داخل المدرسة نفسها، تجلس أم علي إلى جانب طفلها الصغير، منزلها في النبطية الفوقا، قرب تلة علي الطاهر، دُمّر بالكامل، تقول للجزيرة نت إنها لا ترغب بالبقاء في المدرسة يوما إضافيا، لكنها لا تملك خيارا آخر.

وتتابع: "إذا طلبوا منا المغادرة، نتمنى أن نجد منزلا نستأجره. البقاء في المدرسة متعب جدا، خاصة مع الأطفال الصغار، لكن حتى الآن لم يطلب منا أحد المغادرة".

وبينما تتابع تسجيل ابنها للعام الدراسي، تبقى معلقة بين احتمالين؛ أن تفتح المدرسة أبوابها للتعليم، أو أن يبقى الصف الذي تسكنه مأوى مؤقتا لا تعرف متى ينتهي.

إخلاء المدارس ليس قرارا إداريا فحسب بل يرتبط بتوفير بديل آمن لآلاف النازحين (الجزيرة)
هل يمكن الجمع بين التعليم والإيواء؟

يرى مدير المدرسة العُمانية النموذجية الرسمية في صيدا حذيفة الملاح أن التجربة التي عاشها لبنان خلال الأشهر الماضية فرضتها الظروف الأمنية، بعدما فتحت المدارس الرسمية أبوابها لاستقبال النازحين القادمين من المناطق الحدودية، لكنه يؤكد أن استمرار هذا الواقع لا يمكن أن يتحول إلى حالة طبيعية.

ويقول في حديثه للجزيرة نت إن الأولوية خلال الحروب تبقى لحماية الناس، إلا أن المدرسة لا يمكن أن تؤدي في الوقت نفسه وظيفتين متناقضتين. "ليس من الطبيعي أن يدخل الطفل إلى مدرسته فيجد فيها أماكن للنوم أو لنشر الغسيل أو أشخاصا يدخنون النرجيلة، البيئة المدرسية يجب أن تبقى بيئة تربوية".

ويشير إلى أن وزارة التربية اعتمدت خلال العام الماضي حلولا متعددة لضمان استمرار التعليم، بينها التعليم عن بُعد، ودمج المدارس، واعتماد الدوامين الصباحي والمسائي، أو استخدام مبان بديلة وفرتها البلديات.

لكن استمرار استخدام المدارس كمراكز إيواء مع بداية العام الدراسي الجديد قد يفرض، بحسب قوله، العودة إلى التعليم الإلكتروني في بعض المناطق، وهو ما يعني خسارة عام جديد من التعليم الحضوري لآلاف الطلاب.

ويضيف أن مجلس الوزراء اتخذ قرارا يقضي بتقليل الاعتماد على المدارس كمراكز إيواء قدر الإمكان، والعمل على إيجاد بدائل تسمح بانطلاق العام الدراسي بصورة طبيعية.

النازحون لا يريدون البقاء في المدارس لكنهم لا يجدون مكانًا آخر يذهبون إليه (الجزيرة)
أزمة تتجاوز المدرسة

في مدينة صيدا، التي استقبلت العدد الأكبر من النازحين، لا تزال أزمة الإيواء قائمة، تقول مديرة خلية إدارة الكوارث والأزمات في بلدية صيدا وفاء شعيب إن المدينة تضم حاليا خمسة مراكز إيواء يعيش فيها نحو 1500 نازح، ثلاثة منها مدارس رسمية هي المدرسة العُمانية، والمدرسة اللبنانية الكويتية، ومدرسة الزعتري.

إعلان

وتوضح في حديثها للجزيرة نت أن التعميم الأخير الصادر بالتنسيق بين وزارات التربية والداخلية والشؤون الاجتماعية يقضي بإخلاء المدرسة العُمانية خلال الفترة المقبلة ودمج النازحين في مراكز أخرى، تمهيدا لاستعادة عملها التربوي.

أما المدرستان الأخريان، فما تزالان تواجهان تحديا حقيقيا، وتقول إن العمل يجري على إيجاد حلول مؤقتة، عبر تخصيص مساحات منفصلة للطلاب والنازحين، لكن هذه الإجراءات لا يمكن أن تستمر طويلا، وهي مجرد ترتيبات انتقالية إلى حين توفير أماكن بديلة.

وتلفت إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بالسعة الاستيعابية، بل بطبيعة النزوح نفسه، فعدد كبير من العائلات فقدت منازلها بالكامل، فيما لا تزال قرى أخرى تتعرض لاعتداءات يومية تمنع سكانها من العودة، في حين يُطلب من العائلات التي أصبحت مناطقها آمنة العودة إلى منازلها لتخفيف الضغط على مراكز الإيواء.

وتشدد على أن أي عائلة لن يُطلب منها مغادرة مركز الإيواء قبل تأمين مكان بديل وآمن لها.

تحولت بعض الصفوف الدراسية إلى منازل مؤقتة لعائلات فقدت بيوتها في الحرب (الجزيرة)
بين حقين

تضع هذه الأزمة الدولة اللبنانية أمام معادلة صعبة؛ فلا يمكن التضحية بحق الأطفال في التعليم، كما لا يمكن ترك آلاف العائلات التي فقدت منازلها بلا مأوى.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الحرب الأخيرة تسببت بدمار واسع في القرى الجنوبية، وألحقت أضرارا بآلاف المباني السكنية والمؤسسات، فيما لا تزال عمليات إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار تسير بوتيرة بطيئة، وهو ما يطيل أمد بقاء كثير من العائلات في مراكز الإيواء.

كما أكدت وزارة التربية مرارا أن خطتها تقوم على ضمان انطلاق العام الدراسي في موعده المحدد، مع البحث عن حلول بديلة لمراكز الإيواء بما يحافظ على انتظام العملية التعليمية.

الطريق إلى المدرسة

في سبتمبر/أيلول، سيحمل آلاف التلاميذ حقائبهم استعدادا للعودة إلى الصفوف، لكن بالنسبة إلى أطفال يعيشون داخل تلك الصفوف نفسها، يبدو الطريق إلى المدرسة مختلفا، فهم لا يحتاجون فقط إلى مقعد دراسي، بل إلى منزل يعودون إليه أولا.

ولهذا، لا تبدو قضية إخلاء المدارس مجرد مسألة تنظيم إداري، بل اختبارا لقدرة الدولة على حماية حقين أساسيين في آن واحد: حق الأطفال في التعليم، وحق العائلات في السكن الآمن.

فالمدرسة لا تستطيع أن تبقى صفا وسقفا للنوم في الوقت نفسه، كما أن النازحين لا يمكن أن يتحولوا إلى عقبة أمام التعليم، وهم أنفسهم أول من ينتظر اليوم الذي يغادر فيه المدرسة عائدا إلى منزله.



إقرأ المزيد