الجزيرة.نت - 8/28/2026 2:24:59 PM - GMT (+3 )
ثمة كُتّاب يروون حياتهم، وكُتّاب يكتبون تاريخ عصرهم، وقلّة نادرة تفعل الأمرين معاً ثم تمضي أبعد، فتجعل من الذاكرة مختبراً للإنسان ومن الجسد وثيقة للتاريخ.
في هذه المنطقة الفريدة عاش وكتب المجري بيتر ناداس، أحد أكثر الأصوات الأدبية فرادة في أوروبا المعاصرة، مسلحاً بحساسية المصور ودقة الصحفي ونَفَس الروائي الذي لا يخشى التوغل في أكثر المناطق التباساً من النفس البشرية.
كان ناداس يعود إلى الماضي كما يعود المصور إلى صورة قديمة، يحدق فيها طويلاً حتى تبدأ التفاصيل الصامتة بالكلام، ثم يعيد ترتيبها داخل سرد واسع تتجاور فيه الذاكرة والحب والرغبة والموت والديكتاتورية والهزيمة. وفي الأمس القريب (الأربعاء 26 أغسطس/آب)، غادر بيتر ناداس عالمنا عن 83 عاماً، تاركاً وراءه أدباً يصعب وضعه في خانة واحدة، وذاكرةً أدبية ستظل مفتوحة على أسئلة الإنسان والتاريخ، وقراءةً للعالم لا تنتهي بانتهاء كتبه.
ولد بيتر ناداس في بودابست في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1942، داخل عائلة يهودية ذات ارتباط بالحركة الشيوعية، في زمن كانت أوروبا فيه تتحول إلى مسرح واسع للحرب والاضطهاد. عاش والداه في السر خلال المحرقة، وسُجل اسمه عند الولادة بصورة خاطئة، ثم فقد أمه بسبب السرطان عام 1953، وانتحر والده عام 1958، ليجد نفسه في السادسة عشرة من عمره يواجه فقداً مبكراً ترك بصمته العميقة في تكوينه الشخصي والأدبي.
وفي كتابه "ما يضيء في الظلام"، الذي استعاد فيه سنوات طفولته والأسرة والمجتمع المجري، عاد إلى هذه الطبقات الأولى من حياته بحثاً عن الطريقة التي تتسلل بها التجربة التاريخية إلى الوعي الفردي.
في سن التاسعة عشرة، بدأ ناداس دراسة الصحافة والتصوير، وعمل لاحقاً صحفياً ومحرراً ومصوراً، وهي خبرات ستترك أثراً واضحاً في كتاباته؛ فالعين التي تعلمت التقاط التفاصيل في الصورة ظلت حاضرة في الرواية، حيث تتحول حركة صغيرة أو ملمح عابر إلى مفتاح لذكرى بعيدة.
إعلان
وبعد الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968 (لقمع الإصلاحات السياسية التي عُرفت حينها بـ "ربيع براغ")، ترك العمل الصحفي واتجه بصورة متزايدة إلى الأدب، ليبدأ مشروعاً استمر عقوداً، يجمع بين الرواية والقصة والمسرح والمقال والتصوير.
كان ناداس يرى الحياة نفسها مادةً أدبية مفتوحة، ولذلك قال في حوار نشرته مجلة "أتلانتيد" (Atlantide) الفرنسية المتخصصة عام 2024: "الحياة الإنسانية ضرب من التخييل". ورغم قِصر العبارة، فإنها تفتح باباً واسعاً على مشروعه الأدبي كله؛ فالواقع، في نظره، ليس سطحاً مستقراً، والذاكرة لا تستعيد الماضي كما وقع، وإنما تعيد تشكيله كلما مرّ عبر الوعي والجسد واللغة.
الرواية بوصفها متاهة للذاكرةبدأ ناداس نشر قصصه في ستينيات القرن الماضي، ثم أصدر عام 1977 "نهاية رواية عائلية"، قبل أن يأتي العمل الذي وضعه في قلب الأدب الأوروبي "كتاب الذكريات" الصادر عام 1986. استغرق إنجاز هذه الرواية أكثر من عقد، وتداخلت فيها بودابست الستينيات مع برلين الشرقية والقرن التاسع عشر، في سرد كثيف يتعامل مع الذاكرة بوصفها شبكة من العلاقات أكثر منها خطاً زمنياً مستقيماً.
حصل الكتاب في ترجمته الفرنسية على جائزة أفضل كتاب أجنبي عام 1999، بينما كان ناداس قد بدأ منذ ذلك الوقت يرسخ لنفسه مكانة كاتب كبير يُقارن بعمالقة مثل توماس مان ومارسيل بروست وروبرت موزيل (رواد الرواية النفسية وتيار الوعي الذين جعلوا من الزمن والذاكرة أبطالاً لأعمالهم)، مع احتفاظه بصوته الخاص.
ثم جاءت "قصص متوازية" عام 2005، وهي ملحمة روائية ضخمة استغرقت نحو 18 عاماً في إنجازها، وتوزعت على 3 مجلدات وشبكة هائلة من الشخصيات والأزمنة والأمكنة. تبدأ الرواية في برلين بعد سقوط الجدار، لكنها سرعان ما تفتح نوافذها على القرن العشرين بأكمله، فتنتقل بين ألمانيا والمجر، وبين الخاص والعام، والتاريخ السياسي والتجربة الحسية.
وعبر سرد آسر وأسلوب متفرد، تتوقف الفصول فجأة لتعود بعد مئات الصفحات إلى خيط تركته في مكان آخر، لتتقاطع القصص المستقلة تدريجياً وتُكوّن لوحة واحدة واسعة. وقد وصف مهرجان الأدب العالمي في برلين هذا البناء بأنه "يجعل الفوضى مبدأً للتكوين"، فيما عبّر ناداس نفسه مراراً عن أن الرواية الروسية، التي تجمع السرد بالتأمل الفلسفي، كان لها تأثير عميق في طريقته في الكتابة.
يحتل الجسد في هذه الأعمال مكانة لا تقل أهمية عن التاريخ؛ الجنس والرغبة والخوف والألم والمرض كلها تدخل في صلب السرد، لأن ناداس يرى الجسد مساحة تلتقي فيها السلطة بالحميمية، ويمكن فيها للإنسان أن يحتفظ بجزء من حريته. واعتبر بعض النقاد أن الجسد يظهر في أعماله كـ "متراس للمقاومة" في مواجهة الأنظمة التي سعت إلى إخضاعه وتطويعه، لتصبح الحميمية نوعاً من القوة المضادة.
في عام 1993، وبينما كان يصحح صفحات في أحد مطاعم بودابست، أصيب ناداس بجلطة قلبية جعلته يقترب من الموت بصورة مباشرة. تحولت هذه التجربة لاحقاً إلى كتاب "موتي الخاص"، الذي جمع فيه بين النص والصورة، وقدم وصفاً بالغ الدقة لما عاشه جسده خلال تلك اللحظة، حتى أصبحت التجربة الشخصية تأملاً في حدود الوعي والحياة والموت. ووُصفت هذه التجربة بأنها مثال واضح على طريقته في تحويل الواقعة الجسدية إلى سؤال أدبي وفلسفي.
إعلان
في هذه المرحلة تحديداً تظهر إحدى السمات الأكثر إثارة في تجربة ناداس: قدرته على النظر إلى الجسد من الداخل والخارج في آن واحد. المصور يراقب والروائي يتذكر، والإنسان يعيش التجربة، ثم يأتي الكاتب ليضع كل ذلك في نص واحد. لذلك امتدت تجربته الإبداعية إلى التصوير الفوتوغرافي، ونُشرت له أعمال تجمع بين الصورة والنص، من بينها "قصة جميلة عن التصوير".
أما مشروعه الأكثر شخصية فجاء في "ما يضيء في الظلام: ذكريات راوٍ"، وهي مذكرات ضخمة تعود إلى طفولته وتستعيد تاريخ الأسرة والمجتمع المجري، وتفكك آثار الفاشية والشيوعية والحرب. هنا تتصرف الذاكرة بطريقة متفردة؛ فكلمة صغيرة أو إحساس عابر يفتحان ممراً إلى زمن كامل، وتتداخل الوثائق والقصص العائلية والانطباعات الطفولية مع التاريخ السياسي.
كتب ناداس في هذا العمل عن آلية الذاكرة قائلاً: "الأدب السردي يمنحنا صورة مختلفة تماماً عن آلية التذكر وطبوغرافية الذاكرة". هذه العبارة تكاد تلخص طريقته، فالذاكرة عنده لا تتحرك كتيار هادئ، وإنما عبر الصدمات والروابط المفاجئة والعودة المستمرة بين الماضي والحاضر.
الحياة ضرب من التخييلفي عمق تجربة ناداس يقف التاريخ المجري بكل ثقله: الحرب، الشيوعية، ثورة 1956 (الانتفاضة الشعبية العارمة ضد الهيمنة السوفياتية)، ثم انهيار النظام. غير أن التاريخ عنده لا يظهر في صورة كتاب مدرسي، وإنما يدخل إلى الحياة اليومية عبر الخوف واللغة والعادات والعلاقات العائلية والجسد. وفي "ما يضيء في الظلام" يستعيد أثر والده وأمه، وعلاقتهما بالماضي الشيوعي السري، وما رافق ذلك من هواجس المؤامرة والخيانة والاضطهاد.
وحين يتوقف عند ثورة 1956، يخرج من السرد الشخصي إلى موقف سياسي شديد الوضوح، حيث يكتب في خاتمة عمله: "منذ ذلك الحين، لا أكره كل أشكال الاستبداد فحسب، بل أعجز أيضاً عن أن أحوّل عيني عن نقاط ضعف الجمهورية والديمقراطية، وعن مراوغاتهما السهلة ومخاوفهما الانتحارية". في هذه العبارة تظهر شخصيته الفكرية كاملة: حساسية شديدة تجاه الاستبداد، ووعي لا يقل حدة بضعف الديمقراطية حين تتردد أو تتخلى عن مسؤوليتها.
امتلك بيتر ناداس على امتداد مسيرته مسافة خاصة من الشهرة الأدبية. ورغم ذلك، توالت عليه أرفع الأوسمة؛ فنال جائزة أتيلا يوجيف، وجائزة تيبور ديري، وجائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبي (1991)، وجائزة كوشوت المجرية (1992)، وجائزة لايبزيغ للتفاهم الأوروبي (1995)، وجائزة فيلينيكا (1998)، وجائزة أفضل كتاب أجنبي في فرنسا (1999)، وجائزة فرانز كافكا (2003)، وجائزة شاندور ماراي (2006)، ثم جائزة ميديسيس الخاصة للرواية الأجنبية (2025)، إلى جانب عضويته في أكاديمية الفنون في برلين منذ 2006.
في سنواته الأخيرة، بدا ناداس أكثر ميلاً إلى التأمل في معنى الكتابة نفسها. وهكذا يمكن قراءة تجربته من نهايتها إلى بدايتها: طفل حمل في ذاكرته آثار حرب لم يخترها، وشاب تعلم أن ينظر من خلال عدسة الكاميرا، وصحفي اكتشف حدود المهنة، وأخيراً روائي قضى سنوات طويلة في مطاردة حركة الذاكرة، ورجل اقترب من الموت حتى كتب عنه من داخل جسده. وفي كل مرحلة، كان يضيف طبقة جديدة إلى السؤال نفسه: كيف يعيش الإنسان داخل التاريخ من دون أن يتحول إلى مجرد أثر فيه؟
رحل ناداس جسداً، لكن روحه وكتبه تحلق بالقارئ إلى الأمكنة التي كان يفضلها دائماً؛ منطقة لا توجد فيها إجابات سهلة، يتجاور فيها الماضي والحاضر، ويتداخل الجسد مع السياسة، ويصعب الفصل بين ما نتذكره وما حدث فعلاً. ترك وراءه طريقة خاصة ترى في التفصيل الصغير باباً إلى التاريخ كله، وفي الذاكرة مادة للمساءلة لا للحنين، وفي الأدب وسيلة للبقاء قريباً من الأشياء التي يؤلمنا أن نتذكرها.
إعلان
وربما لهذا تبدو جملته الأثيرة: "الحياة الإنسانية ضرب من التخييل"، أكثر من مجرد تأمل عابر. ففي عالمه، كان الإنسان يكتب حياته وهو يعيشها، ليكتشف لاحقاً أن ما ظنه حقيقة ثابتة لم يكن سوى طبقة من الذاكرة. أما الكتابة، فكانت طريقه لكشف تلك الطبقات، حتى يصبح التاريخ أقل صمتاً، والموت أقل غياباً، والحياة نفسها أكثر غموضاً ووضوحاً في الوقت ذاته.
إقرأ المزيد


