الجزيرة.نت - 8/28/2026 12:15:54 PM - GMT (+3 )
Published On 28/8/2026
|آخر تحديث: 12:04 (توقيت مكة)
منذ أن ظهرت "النقاط الحمراء الصغيرة" في أرصاد تلسكوب جيمس ويب الفضائي عام 2022، أصبحت واحدة من أكثر ألغاز الكون المبكر إثارة للجدل، فألوانها الحمراء وسطوعها الشديد بدت غير معتادة بالنسبة إلى أجرام تعود إلى مرحلة كان عمر الكون خلالها أقل من مليار سنة. وطرحت الدراسات احتمالات عدة لطبيعتها، من بينها أن تكون مراكز نشطة لثقوب سوداء فائقة الكتلة تنمو بسرعة داخل مجرات فتية.
لكن المشكلة كانت أن الضوء الشديد الصادر من هذه الأجرام يطغى على أي ضوء خافت صادر من محيطها، مما جعل من الصعب معرفة ما إذا كانت نقاطا معزولة أم أنها تقع داخل مجرات صغيرة. ولتجاوز هذه المشكلة، لجأ فريق من الباحثين إلى طريقة تعتمد على جمع صور عدد كبير من الأجرام بدلا من دراسة كل واحد منها منفردا.
وحلل الباحثون صور 217 نقطة حمراء صغيرة التقطها جيمس ويب، بحثا عن إشارة مشتركة ضعيفة تختفي في الصور الفردية. وعندما جمعت البيانات، ظهر توهج ممتد حول المجموعة، يشير إلى وجود أجسام مجرية مدمجة تحيط بكثير من هذه النقاط.
تشير النتائج إلى أن النقاط الحمراء الصغيرة قد تمثل مراكز نشطة تقع داخل مجرات صغيرة وكثيفة، وليست أجراما منفصلة عن أي مجرة. وقد يكون الثقب الأسود فائق الكتلة في مركز كل نظام هو مصدر جزء كبير من الضوء، إذ يطلق كميات هائلة من الطاقة أثناء ابتلاعه الغاز والمادة المحيطة به.
وتقدر الدراسة متوسط نصف قطر المجرات المضيفة بنحو 685 سنة ضوئية، أي إنها أصغر بنحو 2.5 مرة من مجرات أخرى تتساوى معها تقريبا في الكتلة خلال الحقبة الكونية نفسها. ومع ذلك، تقدر كتلتها الإجمالية بنحو مليار مرة كتلة الشمس، ممما يعني أنها تحتوي على كميات كبيرة من النجوم والغاز رغم صغر حجمها.
ويرى الباحثون أن هذه الكثافة الشديدة قد تساعد على تفسير السطوع غير المعتاد للنقاط الحمراء الصغيرة، إذ يمكن أن تجتمع في مساحة محدودة كميات كبيرة من النجوم والغاز، إلى جانب ثقب أسود مركزي نشط.
إعلان
وتؤكد الدراسة أن النتائج تصف الخصائص المتوسطة للمجموعة، ولا تعني بالضرورة أن جميع النقاط الحمراء الصغيرة متطابقة أو تمتلك البنية نفسها.
لغز يعود إلى طفولة الكونتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تقدم نافذة على واحدة من أكثر الفترات غموضا في تاريخ الكون، عندما بدأت المجرات والثقوب السوداء الأولى في النمو. وقد تشير البيئة شديدة الكثافة لهذه المجرات إلى أن نمو الثقوب السوداء والمجرات حدث معا، وربما كان كل منهما يؤثر في تطور الآخر.
لكن العلماء لم يصلوا بعد إلى الإجابة النهائية. فالضوء الممتد الذي كشفه تحليل الصور يمثل دليلا مهما، لكنه يحتاج إلى أرصاد إضافية، خصوصا الدراسات الطيفية، لتحديد المسافات بدقة وفهم الخصائص الفيزيائية لهذه الأنظمة.
وتبرز هنا قيمة جيمس ويب، فالنتيجة لم تأت من صورة واحدة مذهلة، وإنما من تجميع مئات الأرصاد واستخراج إشارة ضعيفة كانت مختبئة وسط ضوء أقوى. وهذا مثال على أن التقدم العلمي لا يعتمد دائما على اكتشاف جسم جديد، بل أحيانا على تطوير طريقة أفضل لقراءة البيانات الموجودة.
ونشرت الدراسة في مجلة نيتشر لعلم الفلك (Nature Astronomy)، وأظهرت أن جمع البيانات من عدد كبير من الأجرام يمكن أن يكشف خصائص لم تكن رؤيتها ممكنة بوضوح من خلال دراسة كل جرم على حدة.
ما الذي تخبرنا به النقاط الحمراء عن الكون؟قد تكون النقاط الحمراء الصغيرة مرحلة مبكرة في تطور بعض المجرات والثقوب السوداء التي أصبحت لاحقا أكثر ضخامة، وربما تساعد دراستها في تفسير كيف استطاعت الثقوب السوداء فائقة الكتلة أن تنمو بسرعة هائلة في الكون المبكر.
ومع ذلك، فإن العلم لا يتعامل مع هذه النتيجة باعتبارها نهاية القصة، فما زالت هناك أسئلة عن كيفية تشكل هذه المجرات الصغيرة، وسرعة نموها، وطبيعة العلاقة بين الثقب الأسود والمجرة التي تحيط به.
وهكذا يواصل جيمس ويب تحويل ما كان يوصف بالغموض إلى أسئلة قابلة للاختبار. وكل إجابة جديدة لا تغلق باب المعرفة، بل تفتحه على أسئلة أعمق عن نشأة المجرات والثقوب السوداء والكون الذي نعيش فيه.
إقرأ المزيد


