الجزيرة.نت - 8/27/2026 8:27:54 AM - GMT (+3 )
رام الله- عند نحو العاشرة والربع من صباح الاثنين الماضي اندلع حريق في محيط مصنع العمري للألمنيوم في قرية عين سينيا شمال رام الله، قبل أن تمتد النيران إلى نحو خمسين دونمًا من أشجار الزيتون المعمرة، وإلى ساحة المصنع التي كانت تضم مواد قابلة للاشتعال.
يؤكد رئيس مجلس محلي عين سينيا عماد خاطر، أن الحريق واحد من سلسلة اعتداءات ممنهجة طالت عين سينيا سابقًا، شملت حرائق متعمدة في الأشجار والمنازل والسيارات، إضافة إلى حوادث سرقة واعتداءات جسدية بالضرب طالت مواطنين وعمالًا داخل المصانع.
ويروي -للجزيرة نت- ملابسات اندلاع الحريق الأخير، محملا المسؤولية لراعي أغنام من مستوطني تلال "عطارة" كان يتواجد قرب المصنع في منطقة مخصصة لتخزين المواد ومحولات الكهرباء قبيل امتداد النيران، ما أدى إلى اشتعال سريع وكثيف فور مغادرته الموقع.
ويضيف أن مستوطنين وصلوا إلى الموقع فور اندلاع الحريق رغم بُعد المسافة، بينما عرقل جيش الاحتلال وصول الأهالي والعمال حتى التهمت النيران نحو خمسين دونمًا من أشجار الزيتون المعمرة وساحة المصنع.
حريق الاثنين، يذكر باستهدافات سابقة مماثلة ما يؤشر لاتساع اعتداءات المستوطنين إلى المنشآت الاقتصادية والإنتاجية بما يعنيه ذلك من انعكاس على أصحابها والعاملين فيها والاقتصاد الفلسطيني عموما، وفق مختصين تحدثوا للجزيرة نت.
على مساحة نحو 300 دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)، تبدو كسارة الحجر في منطقة عين سامية شمال رام الله أكثر من مجرد منشأة صناعية؛ فهي مصدر رزق لعشرات العاملين، لكن هذه المنشأة أصبحت خلال الفترة الماضية هدفًا لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين، بلغت ذروتها بإحراق معداتها الثقيلة والاعتداء على العمال والحراس داخلها.
إعلان
فجر 27 يوليو/تموز الماضي قطع مستوطنون السياج المحيط بالموقع وتسللوا إليها وأضرموا النار في جرافات وحفارات وشاحنات، فيما تُقدّر الخسائر بنحو 700 ألف دولار، وفق مالك المنشأة عبد الصمد عبد العزيز.
يقول صاحب الكسارة -للجزيرة نت- إن ما تعرضت له المنشأة يأتي في سياق اعتداءات متكررة لم تتوقف، مشيرًا إلى أن المستوطنين أقاموا بؤرة استيطانية رعوية في الطريق المؤدي إلى الموقع، بعد تهجير الرعاة الفلسطينيين منها رغم أنها مصنفة "ب" أي تخضع إداريًا للسلطة الفلسطينية حسب اتفاقية أوسلو.
ويضيف أن وجود هذه البؤرة انعكس على حركة العمل اليومية، إذ يتعرض العاملون وسائقو الشاحنات لمضايقات واعتداءات أثناء تنقلهم من وإلى الكسارة، فيما تعرضت مركباتهم ومكاتب الكسارة للاعتداء والتحطيم عدة مرات "بهدف التضييق على المنشأة ودفع أصحابها إلى مغادرة المكان".
ورغم ذلك، يتمسك بالبقاء والاستمرار في العمل وعدم ترك منشأته أو أرضه تحت ضغط الاعتداءات، بل ومواصلة العمل والإنتاج رغم ما يواجهه من مضايقات وخسائر.
سيناريو يتكرروإلى جنوبي الضفة، في اعتداء مشابه على معدات محجر آخر ببلدة السموع جنوب مدينة الخليل يملكه الفلسطيني خالد الزعارير، حيث لم تقتصر الأضرار على المعدات، بل امتدت آثار الهجوم إلى عائلات يعتمد دخلها على استمرار العمل فيه.
يقول الزعارير -للجزيرة نت- إن مجموعة من المستوطنين هاجمت المحجر في 21 أغسطس/آب الجاري قرابة الثالثة والنصف فجرًا، بعدما أبلغهم حارس الموقع بوصول نحو ثلاثين مستوطنًا، ما دفعه إلى الفرار حفاظًا على حياته.
وأضرم المستوطنون النار في الآليات والمعدات، بينها حفاران ميكانيكيان وثلاث آليات لقص الحجر وثلاث جرافات، إضافة إلى غرفة متنقلة مخصصة لسكن الحارس.
وأوضح الزعارير أن وعورة الطريق أخرت وصول طواقم الدفاع المدني إلى الموقع، ما أدى إلى احتراق أكثر من 90% من المعدات، التي أصبحت "غير قابلة للإصلاح" موضحا أن حجم الدمار يحول دون إعادة تشغيل المحجر في الوقت الراهن، في ظل عدم القدرة المالية على شراء معدات بديلة.
ويشير إلى أن الاعتداء سبقته تهديدات من المستوطنين وإشارات بالقتل، لكنهم لم يتوقعوا أن تتطور إلى هجوم مباشر وحرق للممتلكات، خصوصًا أن المحجر يقع في المنطقة المصنفة "ب".
لا تتوقف تبعات الهجوم عند خسارة المعدات؛ فالمحجر كان يوفر مصدر دخل مباشر وغير مباشر لنحو 55 شخصًا من أسر العاملين فقدوا عملهم بعد إحراقه.
هدف مباشربدوره يرى الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أن ثمة إشكالية حقيقية تواجه المنشآت الاقتصادية الفلسطينية، لا سيما تلك الواقعة في المناطق المصنفة (ب) و(ج) بحسب اتفاقية أوسلو، حيث الأخيرة تحتفظ فيها إسرائيل بالسيطرة الأمنية والإدارية الكاملة.
ويوضح أن الاكتظاظ العمراني الشديد داخل المدن الفلسطينية يضطر أصحاب المصانع والمستثمرين في المشاريع الزراعية والصناعية إلى التوجه نحو هذه المناطق المفتوحة للاستثمار، غير أن هذه المنشآت باتت هدفًا مباشرًا لهجمات المستوطنين "بشكل جماعي ومدروس".
يستشهد عفانة بما تعرضت له "مصانع الجنيدي" في منطقة طولكرم، المعروفة بقوتها في قطاع الألبان، وما جرى حديثًا لمصنع الألمنيوم في منطقة عين سينيا، إضافة إلى استهداف كسارات ومصانع متنوعة في مختلف مناطق الضفة.
إعلان
وهنا يؤكدا أن "حجم الخسائر المالية هائل؛ إذ إن حرق جرافة واحدة أو آلة حفر (باجر) يكلف المستثمر مئات آلاف الشواكل (الدولار = 3 شواكل)، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاك الاقتصاد الفلسطيني واستنزاف موارده ومنشآته بشكل مستمر.
عن عواقب ومهددات القطاعات الصناعية، يقول عفانة إن المستثمر الذي يستثمر -مثلا- عشرة ملايين شيقل في منشأة ما، ثم يجدها لقمة سائغة لاعتداءات المستوطنين دون وجود حماية، فإنه سيفكر جديًا في إغلاق مشروعه أو نقل استثماراته إلى خارج البلاد، أو الاكتفاء بإيداع أمواله في البنوك وتجنب المخاطرة "وبذلك، تنجح هذه الاعتداءات، في خلق بيئة طاردة للاستثمار وللحياة".
ويشير إلى أنه في ظل وصول نسبة البطالة في الضفة الغربية إلى 29%، وفي فلسطين ككل إلى نحو 48.5%، فإن هذه الاعتداءات تزيد من عمق الأزمة الاقتصادية، وتؤدي إلى تقليص الناتج المحلي الإجمالي الذي يعاني أصلًا من الانكماش، ما يضع أسرًا فلسطينية كثيرة تعتاش من هذه المنشآت في مواجهة مباشرة مع الفقر والبطالة.
من جهته يقول مسؤول النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الحكومية أمير داوود، إن بيانات الهيئة تشير إلى أن الأراضي الزراعية والأشجار والمنازل ما تزال تشكل النطاق الأوسع عددًا في اعتداءات المستوطنين.
ومع ذلك يشير إلى اتساع واضح في دائرة استهداف المصانع والكسارات ومنشآت الباطون والمحال والمخازن والآليات الثقيلة وشبكات المياه والكهرباء وغيرها من الأصول الإنتاجية.
ويكشف داوود -للجزيرة نت- أن الهيئة وثّقت في يوليو/تموز الماضي وحده 798 اعتداءً للمستوطنين، شملت 440 عملية تخريب للممتلكات وتجريف للأراضي، و67 عملية مصادرة وسرقة، إضافة إلى تخريب واقتلاع وتسميم 5027 شجرة.
ويقول إن استهداف منشأة صناعية أو تجارية واحدة لا يصيب مالكها فقط، بل يطال العمال وعائلاتهم والموردين ووسائل النقل والسوق المحلية.
اعتداءات متصاعدةيستعرض داوود سلسلة وقائع رصدتها الهيئة خلال الأشهر الأخيرة:
- 25 مارس/آذار: نصب مستوطنون خيمة قرب كسارة حجر ومصنع باطون في بلدة الطيبة شمال رام الله.
- 26 يوليو/تموز، هاجم مستوطنون مصنعًا لقص الحجر في منطقة عين سامية، واعتدوا على العاملين وأحرقوا معدات ثقيلة.
- 16 أغسطس/آب: اعتدى مستوطنون على آلية لقص الحجر في كسارة ببلدة سنجل، وقطعوا كوابلها وسرقوا لوحة إلكترونية ثمينة.
ويقول داوود إن هذه الوقائع تسمح بالقول إن هناك اتجاهًا نوعيًا متصاعدًا للمنشآت الصناعية والتجارية.
ويوضح أنه عندما يُحرق مصنع أو تُعطَّل كسارة أو تُسرق لوحة تشغيل أو تُتلف معدات ثقيلة، فإن الضرر يمتد من رأس المال الثابت إلى العمال والأجور والإنتاج والعقود وسلاسل التوريد، وقد يؤدي توقف منشأة واحدة إلى فقدان عشرات الأسر مصادر دخلها، وتعطيل موردين وناقلين ومحال مرتبطة بها، ورفع كلفة الإنتاج وإضعاف قدرة المنشآت الفلسطينية على الاستثمار والاستمرار.
يختم داوود بالقول إن الدلالة الأخطر تكمن في أن الاستهداف الاقتصادي يمكن أن يصبح مقدمة للتهجير المكاني؛ فعندما يفقد المواطن مصدر رزقه، ويُمنع من الوصول إلى منشأته أو أرضه، وتصبح إعادة تشغيلها محفوفة بالخطر، تتراجع قدرته على البقاء في المنطقة.
وبهذا، "يؤدي إرهاب المستوطنين وظيفة مزدوجة: إلحاق خسارة اقتصادية مباشرة، وإنتاج بيئة قسرية تدفع الفلسطينيين إلى الانسحاب من الأرض، بما يفتح المجال أمام التوسع الاستعماري والسيطرة عليها" وفق المسؤول الفلسطيني.
إقرأ المزيد


