الجزيرة.نت - 8/26/2026 11:52:37 PM - GMT (+3 )
عمّان– مع عودة أكثر من مليوني طالب وطالبة إلى مدارسهم في الأردن، تبرز كلفة الوصول إلى المدرسة وصعوبة المواصلات باعتبارهما جزءا من أعباء العام الدراسي على الأسر. لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا في المناطق النائية، حيث تتباعد المسافات بين التجمعات السكانية والمدارس، لتتحول إلى عائق أمام انتظام الطالب في تعليمه.
ومع بداية العام الدراسي، أطلقت الحكومة الأردنية المرحلة الأولى من مشروع النقل المدرسي المجاني في البادية الجنوبية، في تجربة تستهدف توفير نقل آمن ومجاني للطلبة، لكن تبقى أسئلة تتجاوز توفير الحافلات: هل يمكن للنقل المجاني أن يزيل أحد العوائق التي تحول دون وصول أطفال المناطق النائية إلى التعليم؟ وهل يمكن أن يحد من الغياب والتسرب المدرسي؟
ويأتي المشروع في وقت تتحمل فيه الأسر الأردنية مصاريف متعددة مع العودة إلى المدارس، تبدأ بالحقائب والقرطاسية والزي المدرسي، ولا تنتهي بالمواصلات، رغم مجانية التعليم في المدارس الحكومية.
الناطق باسم وزارة التربية والتعليم محمود الحياصات يقول للجزيرة نت إن المشروع يمثل تجربة وطنية تُنفذ للمرة الأولى في المملكة لتوفير نقل مدرسي آمن ومجاني للطلاب.
ووفق الحياصات، يستفيد من المرحلة الأولى نحو 9 آلاف طالب وطالبة، إلى جانب نحو 900 من المعلمين وأعضاء الهيئات الإدارية، وتشمل الخدمة نحو 61 مدرسة.
ويشير إلى أن المشروع تجاوز في مرحلته الأولى الجانب التعليمي إلى أثر تنموي محلي، إذ وفر نحو 220 فرصة عمل لأبناء المنطقة، ضمن تعاون حكومي تشارك فيه وزارات التربية والتعليم والاستثمار والنقل.
ويرى الحياصات أن توفير النقل المجاني يمكن أن يخفف العبء المادي عن كاهل الأسر، خصوصا في المناطق المستفيدة، ويسهم في الحد من التسرب والغياب المدرسي، وتعزيز انتظام الطلبة في مدارسهم وحضورهم الحصص الدراسية.
إعلان
ويضع ذلك المشروع أمام اختبار يتصل بقدرته على تحقيق نتائج تتجاوز أعداد الطلبة والحافلات، إلى أثر الخدمة على حضور الطلبة واستمرارهم في التعليم، ومدى تخفيفها أحد الأعباء التي تتحملها الأسر لإيصال أبنائها إلى مدارسهم.
وتربط وزارة الاستثمار الأردنية المشروع مباشرة بتعزيز فرص الوصول إلى التعليم، مؤكدة أن من أبرز أهدافه دعم العملية التعليمية وتوفير نقل مدرسي آمن ومنتظم ومجاني للطلبة، وتوفير فرص عمل ودعم التنمية.
وأشارت الوزارة للجزيرة نت إلى أن التحدي الأكبر خلال السنوات الماضية كان يتركز حول تباعد المدارس والمناطق السكنية في البادية الجنوبية وصعوبة وصول الطلبة إليها.
وأوضحت أن الأولوية في هذه المرحلة هي إنجاح التجربة والاستفادة من الملاحظات والتغذية الراجعة، بما يضمن سلامة الطلبة وراحتهم وجودة الخدمة المقدمة لهم.
ولفتت الوزارة إلى أن الهدف أيضا أن يمتد أثر المشروع إلى دعم المجتمع المحلي، من خلال تخفيف الأعباء عن الأسر، وتوفير فرص العمل لأبناء المنطقة، وتحريك الخدمات المساندة المرتبطة بالنقل والتشغيل والصيانة، بما يعزز الأثر التنموي في المناطق المستفيدة.
وبينت أن المرحلة الأولى تمتد لنحو عامين، فيما سيخصص الفصل الدراسي الأول لرصد التحديات التشغيلية ومعالجتها بالتعاون مع المجتمع المحلي وأولياء الأمور والجهات المعنية، والاستفادة من الملاحظات التي تظهر خلال التطبيق لتطوير الخدمة ورفع كفاءتها.
من جهتها، ترى الخبيرة التربوية أدب السعود أن أهمية مشروع النقل المدرسي المجاني تكمن في أثره المباشر على البيئة التعليمية، خصوصا في المناطق التي تشكل فيها المواصلات عبئا ماديا على الأسر وعائقا أمام انتظام أبنائها في مدارسهم. وتقول للجزيرة نت إن توفير وسيلة نقل آمنة ومجانية يمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء عن الأسر، والحد من غياب الطلبة والتسرب المدرسي، وتعزيز انتظامهم في الدراسة، معتبرة أن المشروع يأتي ضمن إجراءات تستهدف تطوير العملية التعليمية وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للطلبة.
وتشير إلى أن للمشروع بعدا تنمويا أيضا، من خلال توفير فرص عمل لأبناء المناطق المستفيدة، معتبرة أن الجمع بين الأثر التعليمي والتنموي يعزز أهمية التجربة إلى جانب دورها في تطوير قطاع النقل المدرسي.
أما وزير التربية والتعليم السابق فايز السعودي فيرى في تصريحات للجزيرة نت أن النقل المدرسي المجاني يمكن أن يزيل أحد أبرز العوائق أمام أطفال المناطق النائية، ويشكل خطوة باتجاه تحقيق العدالة التعليمية، لكنه يربط تحقيق ذلك بتوجيه الخدمة وفق معايير واضحة إلى الطلبة الأكثر حاجة إليها.
وبالنسبة للسعودي لا ينبغي اختزال المشروع في نقل الطالب من منزله إلى المدرسة، إذ يمكن استخدام النقل المدرسي لإعادة تنظيم الخريطة المدرسية وتحسين بيئات التعلم وتوزيع المعلمين والموارد بصورة أكثر كفاءة.
إعلان
ويستعيد تجربة تعود إلى عام 2012، عندما كان وزيرا للتربية والتعليم، إذ كانت هناك خطة تستهدف نحو 580 مدرسة، معظمها في الأطراف والمناطق النائية، تقوم على نقل طلبة المدارس الصغيرة إلى مدارس مؤهلة وقريبة نسبيا، بالتوازي مع إعادة توزيع المعلمين على المدارس التي تعاني نقصا.
ويشير السعودي إلى أن بعض المدارس الصغيرة كانت تضم أعدادا محدودة من الطلبة مقابل أعداد من المعلمين تفوق الحاجة، في حين كانت تعاني نقصا في تخصصات تعليمية وعدم استقرار الهيئات التدريسية.
ومن هنا، يرى أن النقل المدرسي يمكن أن يتحول من خدمة لوجستية إلى جزء من عملية أوسع لتحسين بيئة التعلم وتوفير التخصصات التعليمية وإعادة توزيع الموارد البشرية وترشيد الإنفاق.
ويدعو السعودي إلى عدم قياس نجاح المشروع بعدد الحافلات أو الطلبة المستفيدين فقط، وإنما من خلال مؤشرات مثل انخفاض الغياب والتسرب، وتحسن التحصيل الدراسي، واستقرار المعلمين، ومدى تحقيق تكافؤ الفرص بين الطلبة.
ويقول إن "حق الطفل في التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند باب منزله، ولا أن تحدد جودة تعليمه جغرافية المكان الذي وُلد فيه"، معتبرا أن المشروع قد يشكل فرصة لمعالجة واقع التعليم في المناطق النائية بصورة أشمل.
من جهتها، ترى عضو لجنة التربية والتعليم في مجلس النواب هدى العتوم أن المشروع يقدم حلًّا لمشكلة وصول الطلبة إلى المدارس، خصوصا في ظل تشتت بعض التجمعات السكانية وارتفاع كلفة المواصلات وبعد المدارس عن أماكن السكن.
وتشير العتوم في تصريح للجزيرة نت إلى أن بعض الأسر قد تجد صعوبة في إرسال أطفالها الصغار إلى مدارس بعيدة بسبب مخاوف الطريق أو الكلفة، فيما قد تشكل مشقة المواصلات عاملا يؤثر في استمرار بعض الأبناء في التعليم.
لكنها تربط نجاح التجربة بسرعة معالجة المشكلات التي قد تظهر أثناء التطبيق، سواء تعلقت ببعد نقاط تجمع الحافلات واضطرار الطالب إلى قطع مسافة للوصول إليها، أو بمتطلبات الأمن وأنظمة المراقبة.
وترى العتوم أن توفير النقل قد يمنح وزارة التربية مرونة أكبر في توزيع المدارس وفق الحاجة والطاقة الاستيعابية، بدلاً من إنشاء مدارس لخدمة تجمعات صغيرة قد لا تستفيد لاحقا من كامل طاقتها.
وتبرز، في المقابل، مسألة استدامة التمويل عند التفكير في توسيع التجربة، إذ ترى العتوم أن شمول مناطق أوسع بالنقل المجاني سيشكل ضغطا ماليا، وتقترح دراسة خيارات مثل الأجور الرمزية ودعم المواصلات في مناطق أخرى بما يسمح بتوسيع نطاق المستفيدين.
إقرأ المزيد


