الجزيرة.نت - 8/26/2026 10:16:21 PM - GMT (+3 )
Published On 26/8/2026
تناولت لوتان السويسرية موقف كندا في مواجهة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باعتباره أكثر من مجرد خلاف تجاري عابر، ورأت فيه تعبيرا واضحا عن دفاع دولة ذات سيادة عن استقلال قرارها السياسي والاقتصادي والثقافي.
وقالت الصحيفة -في افتتاحيتها- إن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اختار إنهاء المفاوضات التجارية مع الولايات المتحدة بعدما اعتبر شروطها "غير عادلة" وقرر الرد على ضغوط واشنطن بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأمريكية، رغم إدراكه أن هذا الخيار قد يفرض ثمنا اقتصاديا كبيرا على بلاده، قد يصل إلى فقدان نحو 90 ألف وظيفة.
ومع ذلك، تؤكد الافتتاحية أن غالبية الكنديين أيدوا موقف كارني، لأن القضية بالنسبة لهم لم تعد مرتبطة بالأرقام التجارية وحدها، بل أصبحت متصلة بكرامة الدولة وقدرتها على رفض الإملاءات الخارجية.
وترى الافتتاحية أن قوة موقف كارني لا تكمن في دفاعه عن الاقتصاد الكندي فحسب، وإنما أيضا في رفضه ما يعتبره الكاتب ستيفان براسار "حربا ثقافية" يشنها الرئيس الأمريكي على كندا وهويتها، لأن ترمب -حسب المقال- لا يكتفي باستخدام الرسوم الجمركية والضغوط الاقتصادية، بل يتعامل مع كندا بطريقة تمس عناصر أساسية من شخصيتها الوطنية.
واستشهد الكاتب في الافتتاحية بإشارة ترمب إلى إمكانية تغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى "بحيرة أمريكا" معتبرا أن مثل هذه التصريحات تكشف طبيعة العلاقة المتوترة الجديدة بين البلدين، كما لفت إلى مكانة اللغة الفرنسية باعتبارها عنصرا أساسيا في هوية كندا، ويرى أن استهدافها يمثل مساسا بطابع البلاد ثنائي اللغة والثقافة.
واستعادت الافتتاحية فكرة للكاتبة الكندية مارغريت أتوود تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين رأت في القومية الكندية نوعا من "رد فعل البقاء" واستخدم الكاتب هذه الفكرة لتفسير التحول الحالي في موقف أوتاوا التي لا تريد عداء الولايات المتحدة، بل ترغب في حماية دولة تخشى أن تتحول علاقاتها مع جارتها الأقوى إلى علاقة تبعية.
إعلان
ويشير إلى أن كارني نفسه لم يكن معاديا للتعاون مع الولايات المتحدة، بل كان يؤمن بفوائد منطقة التجارة الحرة التي تجمع كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وكان يرى أن الدول الثلاث تملك كل الأسباب التي تجعلها تزدهر معا، لكن وصول ترمب إلى السلطة غيّر -وفق الافتتاحية- طبيعة هذه العلاقة ودفع كندا إلى إعادة النظر في أسلوب تعاملها مع واشنطن.
وتعتبر الافتتاحية أن قرار الحكومة الكندية فرض رسوم إضافية على مجموعة من المنتجات الأمريكية يمثل فعل مقاومة ينبغي ألا يهم الكنديين وحدهم، بل يجب أن يثير اهتمام الأوروبيين والسويسريين أيضا.
ويرى الكاتب أن التجربة الكندية تقدم مثالا على كيفية التعامل مع رئيس أمريكي يرفض كثيرا من الأسس التقليدية للتعاون الدولي، ويتصرف بطريقة تضعف النظام القائم على التعددية والشراكات والقواعد المشتركة.
نموذج أوروبا وسويسراومن هذا المنطلق، تتحول كندا في المقال إلى نموذج بالنسبة لأوروبا وسويسرا، لأنها دولة تعتمد اقتصاديا بدرجة كبيرة على قوة عظمى، لكنها تختار رغم ذلك الدفاع عن مصالحها وسيادتها بدل الاستجابة للضغوط خوفا من العواقب.
وتحذر الافتتاحية من أن القضية أوسع من النزاع بين كندا والولايات المتحدة، لأنها ترى أن ما هو مهدد هو أيضا النموذج الأوروبي القائم على التعاون والتعددية والالتزام بالقواعد الدولية، ولذلك يدعو الكاتب الأوروبيين والسويسريين إلى استخلاص العبرة من موقف أوتاوا، وعدم الاعتقاد بأن تقديم المزيد من التنازلات الاقتصادية سيؤدي بالضرورة إلى تهدئة ترمب.
وحسب الكاتب لا يمكن شراء الاستقرار من خلال تقديم "سبائك الذهب" لرئيس البيت الأبيض، لأن المشكلة في جوهرها سياسية وليست مالية فقط، ويضيف ساخرا أن ترمب "ينتهي دائما بالتراجع" في إشارة إلى أسلوب التصعيد ثم التراجع الذي ينسبه إلى الرئيس الأمريكي منتقدوه.
والخلاصة التي تدافع عنها الافتتاحية أن الاستسلام للضغوط الأمريكية ليس الحل، وأن على كندا وأوروبا وسويسرا أن تكون مستعدة لتحمل كلفة الدفاع عن سيادتها ومصالحها وقيمها، ومن هنا تقدم مقاومة كندا لترمب باعتبارها رسالة سياسية إلى حلفائها.
إقرأ المزيد


