الجزيرة.نت - 8/26/2026 9:18:30 PM - GMT (+3 )
Published On 26/8/2026
تضع العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران العلاقات الاقتصادية بين طهران ودول الخليج أمام اختبار صعب، في ظل تشابك المصالح التجارية بين الجانبين من جهة، وضغوط المنظومة المالية الأمريكية والعقوبات الثانوية من جهة أخرى.
فعلى الرغم من التوترات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، فرض القرب الجغرافي واقعا اقتصاديا يجعل إيران مرتبطة بأسواق الخليج في تصدير مجموعة واسعة من السلع واستيرادها.
وتصدر إيران إلى الأسواق الخليجية منتجات عدة، أبرزها البتروكيماويات ومشتقاتها والمعادن والصلب، إضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية مثل الفواكه والمكسّرات والزعفران.
وفي المقابل، تعتمد السوق الإيرانية على دول الخليج في الحصول على مواد غذائية وسلع استهلاكية، فضلا عن الآلات والمعدات الصناعية وقطع الغيار والمواد الوسيطة التي يصعب استيرادها مباشرة من الأسواق الغربية بسبب العقوبات والقيود المصرفية.
الإمارات.. شريان التجارة الأبرزوتبرز الإمارات، ولا سيما دبي، بوصفها الحلقة الأهم في هذه المنظومة التجارية، إذ لعبت لسنوات دور مركز لإدخال السلع من الأسواق العالمية إلى إيران عبر إعادة التصدير. لكن إعلان الإمارات تعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران يهدد أحد أبرز مسارات وصول السلع الأجنبية إلى السوق الإيرانية، ويضع طهران أمام تحدي البحث عن بدائل أقل كفاءة وأكثر تكلفة.
ويقول الدكتور جلال قناص، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة قطر، إن تأثير العقوبات سيكون كبيرا على الاقتصاد الإيراني، خصوصا في ظل محاولة واشنطن تشديد الخناق عليه بعد التطورات العسكرية الأخيرة.
ويشير إلى أن الإمارات كانت تمثل "الشريان الأهم" للصادرات والواردات الإيرانية، موضحا أن توقف هذا المسار بصورة كاملة سيكون له تأثير كبير على الاقتصاد الإيراني، في حين سيكون تأثيره على اقتصادات دول الخليج محدودا نسبيا، لأن جانبا كبيرا من التبادل التجاري يرتبط بالصادرات الإيرانية.
إعلان
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، بلغ حجم التبادل التجاري بين:
- الإمارات وإيران نحو 21 مليار دولار عام 2024.
- تجاوز بين سلطنة عُمان وإيران مليارا و300 مليون دولار.
- بلغ نحو 374 مليون دولار بين الكويت وإيران.
- نحو 156 مليون دولار بين قطر وإيران.
- سجل نحو 24 مليون دولار بين البحرين وإيران.
- نحو 23 مليون دولار بين السعودية وإيران.
مع تضييق الخناق على المسار الإماراتي، تبرز سلطنة عُمان بوصفها أحد البدائل المحتملة أمام إيران، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب ومن علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع طهران. ويشير الدكتور جلال قناص إلى إمكانية الاستفادة من الموانئ العُمانية، ومنها صحار وصلالة، إضافة إلى الممرات البرية عبر العراق وتركيا، في محاولة لتوفير طرق بديلة للتجارة الإيرانية.
لكن هذه البدائل، بحسب الخبير، لن تحل المشكلة الأكثر تعقيدا، وهي التحويلات المالية، في ظل السيطرة الكبيرة للولايات المتحدة ووزارة الخزانة الأمريكية على النظام المالي العالمي. وهنا تواجه دول الخليج معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقات جوار مستقرة ومصالح اقتصادية مع إيران، من دون الاصطدام بالمنظومة المالية الدولية أو التعرض لتبعات العقوبات الأمريكية.
ولا يقتصر أثر العقوبات على تراجع حجم التجارة، بل يمتد إلى زيادة كلفة السلع والخدمات. ويقول قناص إن التجارة الإيرانية كانت تتحمل أصلا ما يعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية" المرتبطة بالعقوبات، والتي كانت ترفع التكلفة بأكثر من 20%، لكنه يرجح أن تتجاوز هذه الزيادة 30% في ظل تشديد العقوبات.
وتعني هذه الزيادة ارتفاع كلفة إيصال السلع إلى إيران، وهو ما سينعكس في النهاية على المستهلك الإيراني من خلال ارتفاع الأسعار، كما سيزيد الأعباء على التجار الخليجيين إذا استمرت بعض عمليات الاستيراد والتصدير عبر قنوات أكثر تعقيدا.
وقد تلجأ بعض الأطراف إلى تبادل السلع والخدمات بالعملات المحلية، أو استخدام شركات شحن ووسطاء لتوفير مسارات بديلة، لكن قناص يرى أن هذه الخيارات ستظل محدودة، وقد تتركز بدرجة أكبر في السلع الإنسانية أو تلك المستثناة من العقوبات.
علاقة أكبر من أرقام التجارةورغم حجم التبادل التجاري الحالي، يرى قناص أن العلاقات الاقتصادية بين إيران ودول الخليج لا تزال دون مستوى الإمكانات التي يتيحها الموقع الجغرافي والتاريخ المشترك.
ويعتقد أن الطرفين يمكن أن يستفيدا بصورة أكبر من التكامل الاقتصادي إذا تراجعت التوترات الأمنية، مشيرا إلى أن دول الخليج تمتلك إمكانات كبيرة في مجالات التكنولوجيا والطاقة، بينما تتمتع إيران بقدرات في مجالات الطاقة والغاز والزراعة، إلى جانب موقعها الجغرافي الذي يمكن أن يجعلها عنصرا مهما في أمن الغذاء والطاقة في المنطقة.
لكن تحقيق هذا التكامل يبقى مشروطا بتطورات السياسة والأمن، وفي مقدمتها مستقبل الحرب والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز.
هل تستطيع إيران تجاوز العقوبات؟مع دخول العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ، تصبح حاجة إيران إلى دول الجوار أكبر من أي وقت مضى، سواء لتأمين الواردات أو الحفاظ على قنوات التصدير أو إيجاد منافذ مالية وتجارية بديلة. وفي هذا السياق، تعول طهران على توثيق علاقاتها مع سلطنة عُمان، بينما تلعب قطر دورا في محاولات الوساطة المتعلقة بالجوانب الاقتصادية والعقوبات، بما في ذلك قضايا الأرصدة الإيرانية المجمدة.
إعلان
ويرى قناص أن الحاجة في نهاية المطاف متبادلة، خصوصا إذا نجحت الجهود في التوصل إلى هدنة طويلة الأمد توفر بيئة أكثر استقرارا لجميع دول المنطقة.
إقرأ المزيد


