الجزيرة.نت - 8/26/2026 8:31:09 PM - GMT (+3 )
تحتفظ “الأبوذية” بمكانتها بوصفها أحد أبرز فنون الشعر الشعبي العراقي، بما تتميز به من بناء شعري خاص يقوم على ثلاثة أشطر متشابهة في اللفظ ومختلفة في المعنى، يعقبها شطر رابع ينتهي عادة بـ”ية”.
وفي حلقة 26 أغسطس/آب من برنامج "مع تميم" وهذا رابطها، حضرت الأبوذية بوصفها شعرا للحب والحنين، لكنها في الوقت نفسه تعكس قسوة الواقع المحيط بالشاعر، إذ تتداخل في أبياتها مفردات الغزل والموت والشوق، لتصنع صورا شعرية تجمع بين العاطفة والألم.
وتستحضر الأبوذيات صور العيون والورد والنار والبرد، وتضعها في سياقات متناقضة تجمع الرقة والقسوة، بما يمنح النص إيقاعا شعبيا واضحا، ويكشف قدرة هذا الفن على التعبير عن مشاعر الحب حتى في زمن الحرب.
وتبدأ الأبوذية الأولى بصور العيون والمخيم والظمأ، فيقول الشاعر:
"عيون من مخيمها رواني
رويت لأجلها شعرا رواني
ظمايا به أبوح لمن رواني
ولا يدري به باقي البرية".
ويحضر في هذه الأبيات الحب بوصفه حالة من الظمأ والكتمان، إذ يروي الشاعر أنه كتب الشعر من أجل من يحب، لكنه يحتفظ بهذا البوح لنفسه، فلا يدري به الآخرون.
وفي أبوذية أخرى، يتداخل الحب مع صور الموت والنار، فيقول:
"إذا دهري بظهر الكف أهوى
ورود الموت دون الزين أهوى
تكشف صدرها وتقول أهوى
ونار جهنم عند البقية".
ويجمع الشاعر هنا بين مفردات متباعدة في دلالاتها، من الموت إلى الغزل، ومن صورة الحبيبة إلى نار جهنم، في محاولة لتكثيف الانفعال وإبراز قوة التعلق بالمحبوب.
الحنين والبعدوتواصل الأبوذية الثانية الاشتغال على ثيمة الحب والبعد، إذ يقول الشاعر:
"حبيبي حيث أودى بي وداني
بعيد في تذلله وداني
تأود جانباه فأي وداني
كتعويض الرماح الزاغبية".
وتحضر في هذه الأبيات صورة الحبيب البعيد، فيما يعتمد الشاعر على التشابه الصوتي بين الكلمات لإنتاج معان متعددة، وهو أحد أبرز الخصائص التي تمنح الأبوذية قدرتها على اللعب اللغوي وتكثيف المعنى.
أما الأبوذية الثالثة، فتبدأ بنداء يحمل حسرة على مرور الزمن، يقول فيها:
"ألا يا حار ضاع العمر يا حار
وقلبي لم يضع مني ولا حار
حسامي شبه ثلج برده حار
ونار هوايا تعرفها ندية".
ويبلغ التناقض بين البرد والنار ذروته في هذه الأبيات، إذ يصبح البرد حارا، فيما توصف نار الهوى بأنها "ندية"، في صورة شعرية تعكس اضطراب العاشق وتناقض مشاعره.
وتكشف هذه الأبوذيات عن قدرة الشعر الشعبي العراقي على الاحتفاظ بحضوره رغم تبدل الأزمنة والظروف، إذ يظل الحب والحنين موضوعين قادرين على عبور سياقات مختلفة، حتى عندما تحيط بالشاعر الحرب وقسوة الواقع.
وهكذا تتحول الأبوذية من مجرد شكل شعري شعبي إلى وسيلة لتكثيف التجربة الإنسانية، عبر لغة تعتمد الإيقاع والتورية والتلاعب بالألفاظ، وتمنح الشاعر قدرة على التعبير عن الحب والفقد والاشتياق في آن واحد، بما يفسر استمرار حضور هذا الفن في الذاكرة الثقافية العراقية.
Published On 26/8/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


