تحسبا لضربة إسرائيلية.. هل نشرت تركيا دفاعات جوية قرب قصر الشعب في دمشق؟
الجزيرة.نت -

انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي صورة زُعم أنها توثق نشر منظومة دفاع جوي حديثا في محيط قصر الشعب بدمشق، وأثارت جدلا واسعا، إذ عدّها كثيرون خطوة استباقية تحسبا لضربة إسرائيلية محتملة في ظل التوترات الراهنة بالمنطقة.

وذكرت حسابات على مواقع التواصل أن تركيا هي من نشرت وحدات من منظومة الدفاع الجوي المتكاملة "القبة الفولاذية" في محيط القصر الرئاسي السوري، ضمن ترتيبات وصفت بأنها تهدف إلى تعزيز الحماية الجوية للمواقع السيادية والحساسة في العاصمة دمشق.

وبحسب السيناريو المتداول، جرى توزيع الرادارات ومنظومات الاعتراض على عدة نقاط حول العاصمة دمشق، بحيث تعمل ضمن شبكة موحدة لرصد الطائرات المسيّرة والصواريخ والتهديدات الجوية القادمة من مسافات مختلفة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

واكتسى الموضوع زخما كبيرا على المنصات الرقمية، في ظل حدة التصريحات المتبادلة بين إسرائيل وأنقرة عقب استهداف مطار أبو الظهور شمالي سوريا، وسط حديث إسرائيلي عن خطوط حمراء أمام التمركز العسكري التركي، فما حقيقة الصورة؟

أول ناشر للادعاء

توصلت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة إلى أول ناشر للادعاء، وهو حساب ساخر يحمل اسم "دخلك بتخرّف" على فيسبوك، ونشر الصورة المتداولة مرفقة بعنوان: "تركيا تنشر القبة الفولاذية قرب القصر الرئاسي السوري تحسبا لضربة إسرائيلية".

وربط الحساب انتشار المنظومة بمخاوف من توسع دائرة المواجهة مع إسرائيل، ووصول الضربات إلى منشآت حكومية داخل دمشق، مدّعيا أن فرقا تركية تولت الإشراف على ربط المنظومات بمراكز القيادة السورية.

ويُنظر إلى هذه الخطوة -حسب ما جاء في المنشور- إلى أنها تمثل انتقالا لافتا في مستوى الحضور العسكري التركي داخل سوريا، من التدريب والدعم إلى المشاركة المباشرة في تشكيل مظلة دفاع جوي حول العاصمة.

انتشار واسع بلغات مختلفة

وتفرع مسار انتشار الادعاء عبر عدة حسابات وبلغات متعددة. فقد زعمت حسابات إسرائيلية أن المنظومة التي نشرتها تركيا من طراز "سايبر" أو "حصار" وحققت هذه المنشورات عشرات آلاف المشاهدات.

كما حصد هذا الادعاء اهتماما كبيرا على حسابات تركية، وسجل مئات آلاف المشاهدات معتبرة أن الإجراء يمثل "رسالة واضحة لإسرائيل".

وعربيا، فتحت الصورة الباب أمام التكهنات، إذ اعتبرت صفحات إخبارية أن نشر "القبة الفولاذية" قرب القصر الرئاسي في دمشق يمثل "أولى ثمار اتفاقيات مكة" تحسبا لضربة إسرائيلية أو أي عمل عدائي، في حين شكك آخرون في نشر "أسرار عسكرية" تتعلق بالأمن القومي علنا على مواقع التواصل.

ما حقيقة الصورة؟

في ظل غياب أي تعليق رسمي أو تقارير إعلامية سورية أو تركية تناولت الموضوع، تحققت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة من الصورة، وتبين أنها مفبركة وغير حقيقية.

إعلان

وبتحليل الحساب -الذي نشرها أولا- اتضح أنه حساب ساخر يعتمد أساسا على توليد الصور بالذكاء الاصطناعي، بل إنه يعرّف نفسه كصفحة مهتمة بنشر محتوى اجتماعي وثقافي "من خيال الكاتب".

وبالبحث داخل الصفحة نفسها عن عبارة "القصر الرئاسي" ككلمة مفتاحية عامة، تبين أنها نشرت سابقا صورا مولدة بالذكاء الاصطناعي عن القصر الرئاسي تحديدا.

وتتضمن روايات خيالية غير منطقية مرفقة بصور تعبيرية عنها، من قبيل الزعم بأن الرئيس السوري أحمد الشرع بدأ حفر شبكة أنفاق سرية أسفل القصر لإنشاء مسارات هروب آمنة، أو الزعم بإنشاء ملعب كرة سلة في باحات القصر، وهو ما يعزز فرضية أن الصورة المتداولة حديثا مولّدة بالذكاء الاصطناعي أيضا.

طبيعة عمل منظومات الدفاع الجوي

من الناحية العسكرية والعملياتية، لا يبدو منطقيا نشر منظومة دفاع جوي ملاصقة لبوابة قصر رئاسي أو في مكان مكشوف وواضح للعلن، إذ يتعارض ذلك مع أبسط قواعد التكتيك العسكري وحماية المنشآت السيادية.

فمنظومات الدفاع الجوي من صواريخ ورادارات مصممة لإسقاط التهديدات القادمة من الجو كالطائرات والصواريخ والمسيّرات على بعد كيلومترات، وليس للتصدي لتهديدات عند بوابة مبنى.

كما أن الهدف الأول لأي بطارية دفاع جوي في حالة الاستنفار هو تجنب اكتشافها من استطلاع العدو، سواء عبر الأقمار الصناعية أو الطائرات المسيّرة، ووضعها في مكان مكشوف أمام المارة وبوابة القصر يجعلها هدفا سهلا للضربات الاستباقية.

ماذا يكشف البحث العكسي؟

أجرت الوحدة بحثا عكسيا عن شكل المبنى الظاهر في الصورة، ولم تعثر على أي تداول سابق لصورة بالشكل ذاته الذي يظهر فيه الوادي والمنحنيات المحيطة بالقصر.

وتبين أن الصورة المتداولة أقرب إلى صورة سبق تداولها باعتبارها القصر عام 2005، مع وجود اختلافات في بعض التفاصيل، مثل زاوية التصوير وحجم المبنى الذي يظهر في الصورة المتداولة أكبر وأضخم، وهو ما يرجّح أن صاحب الحساب استخدم صورة قديمة لتغذية أداة توليد الصور بالذكاء الاصطناعي.

صورة سابقة لقصر الشعب السوري عام 2005 (ويكيميديا كومنز)

وعند مطابقة الصورة المتداولة بمشاهد جوية للقصر الرئاسي في دمشق بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، ظهرت اختلافات جوهرية، من بينها عدم وجود المساحة الشاسعة في ساحة القصر، واختلاف تقسيم الشوارع ولون التربة المحيطة به.

كما تبين عند الدقيقة 2:12 من المقطع أن الموقع -الذي يفترض أن يظهر فيه مكان التصوير- لا يضم في محيطه أبراجا سكنية متكدسة كما في الصورة المتداولة، بل يظهر كمساحة فارغة تماما.

مقارنة بصرية وبيانات رسمية

وقارنت الوحدة شكل مكونات ومعدات منظومة "القبة الفولاذية" التركية المتعددة الطبقات، استنادا إلى فيديو رسمي نشرته شركة الدفاعات التركية "أسيلسان" (ASELSAN) وتبين أن الشكل الظاهر في الصورة المتداولة مختلف تماما عن المنظومة الحقيقية، بل أقرب إلى هيكل قاذفات صواريخ.

وبحسب تقرير نشرته وكالة الأناضول في أغسطس/آب 2026، فإن مشروع "القبة الفولاذية" هو شبكة متكاملة ومحلية الصنع مخصصة لحماية الأراضي والأجواء التركية.

ويوضح التقرير أن "القبة الفولاذية" ليست مجرد بطارية موضعية أو منظومة صاروخية واحدة يمكن نقلها ونشرها في أي موقع، بل هي سلسلة وبنية تحتية كاملة تشمل مراكز قيادة وسيطرة وشبكات رادار وبنية تحتية للاتصالات وسحابة إلكترونية عسكرية خاصة بالجيش التركي، مؤكدا أن المنظومة بكامل أجزائها وتكاملها لا تزال في مراحل التطوير والتوزيع الميداني التدريجي داخل تركيا نفسها.

تحقق تقني

حللت الوحدة بيانات الصورة الخفية عبر موقع "ميتاداتا تو غو" (Metadata2Go) فتبين أن الملف لا يحمل أي بيانات تصوير أصلية تشير إلى نوع الكاميرا أو زاوية الالتقاط أو إحداثيات الموقع.

تحليل تقني لبيانات الصورة المتداولة (ميتاداتا تو غو)

غير أن هذه الخطوة وحدها لم تقدم دليلا حاسما على كون الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو حقيقية، إذ تقتصر هذه الأداة على تحليل واستخراج البيانات النصية المدمجة في الملف، فضلا عن أن منصات التواصل الاجتماعي تجرّد الصور تلقائيا من بياناتها الأصلية عند رفعها.

إعلان

وعند رفع الصورة على أداة "سايت إنجن" (Sightengine) المتخصصة في كشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، رجحت الأداة بنسبة بلغت 99% أن الصورة تم توليدها بتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مشيرة إلى بصمات برمجية تقترب من نماذج مثل "غروك" (Grok) أو "شات جي بي تي" (GPT).

لقطة من فحص الصورة عبر أداة (Sightengine) لكشف التلاعب الرقمي

كما أُعيد فحص الصورة عبر منصة (Image Whisperer) المتخصصة في التحقق الرقمي وتدقيق الصور، وأصدرت حكما صريحا بأن الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، بعدما سجّلت 3 كواشف تقنية من أصل 9 مؤشرات تنبيها بدخول عناصر تخليقية على المشهد، إلى جانب غياب أي أثر رقمي أو تاريخي للصورة على الإنترنت قبل انتشارها الأخير.

فحص الصورة عبر أداة (Image Whisperer) المتخصصة في التحقق الرقمي وتدقيق الصور.

لماذا صدّق كثيرون الادعاء؟

جاء هذا الادعاء بعد أيام من قصف إسرائيلي استهدف قاعدة أبو الظهور الجوية شمالي سوريا، وسط تقارير إسرائيلية بأن إسرائيل حددت خطوطا حمراء أمام التمركز العسكري التركي في سوريا، وتحديدا إدخال منظومات دفاع جوي وطائرات مسيّرة وصواريخ يمكن أن تحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول بأن الهجوم على مطار أبو الظهور استهدف مباني ومدارج هبوط قبل وصول معدات عسكرية إلى وجهتها.

وأضافت الهيئة أن الرسالة الإسرائيلية إلى الحكومة السورية الجديدة كانت أن إسرائيل لا تعارض بناء الجيش السوري، لكنها لن تسمح بإنشاء أي تهديد جديد قرب حدودها أو بقدرات قد تقيّد تحركاتها العسكرية في الأجواء السورية.

في المقابل، نفت تركيا وجود قوات لها في القاعدة التي تعرضت للهجوم، مؤكدة أن أي بعثة عسكرية تركية لم تكن موجودة في القاعدة قبل الاستهداف.



إقرأ المزيد