كيف تعيد سوريا ضبط حدودها المعقدة؟.. خبير عسكري يوضح
الجزيرة.نت -

ناقشت حلقة (2026/8/26) من برنامج “موازين” تحديات ضبط الحدود السورية مع دول الجوار وإسرائيل، ودور الأمن والاقتصاد والشراكة المحلية في بناء منظومة حدودية جديدة تدعم استقرار دمشق وتعافيها.

وتناولت الحلقة واحدة من أعقد قضايا المرحلة السورية الجديدة، وهي كيفية إعادة ضبط حدود تمتد لنحو 2200 كيلومتر، وتتقاطع عليها اعتبارات الأمن والاقتصاد والسيادة، في وقت تعمل فيه دمشق على إعادة بناء مؤسسات الدولة.

واستعرض مقدم البرنامج الدكتور علي السند طبيعة الجبهات المحيطة بسوريا، من تركيا والعراق شمالا وشرقا، إلى لبنان والأردن جنوبا، وصولا إلى فلسطين المحتلة، مشيرا إلى اختلاف التحديات التي تواجهها دمشق، وحاجتها إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمن حدودي متكاملة.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وقال الخبير في الشؤون العسكرية وجماعات ما دون الدولة عمار فرهود إن التعامل مع الحدود لا يمكن أن يكون موحدا، لأن مشكلاتها تتوزع بين الأمن والعسكر والاقتصاد، لكنها تلتقي جميعا في آثارها على المستوى الإستراتيجي للدولة، وهو ما يستدعي ترتيب الأولويات بحسب طبيعة كل جبهة.

وتوقف فرهود عند الحدود التركية، الممتدة لنحو 910 كيلومترات، موضحا أن قطاعها الغربي، من عفرين إلى البحر المتوسط، يتميز بتضاريس جبلية وعرة جعلت التهريب ظاهرة قديمة، قبل أن تضاف إليها بعد الثورة تحديات الهجرة غير النظامية وتدفق المقاتلين الأجانب.

أما شرق الفرات، فرأى أن التحدي الأمني يرتبط بوجود قوات سوريا الديمقراطية (أعلن قائدها مظلوم عبدي حلها)، والتي وصفها بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني فضلا عن انتقال السلاح والمقاتلين واحتمال تنفيذ عمليات أمنية، مؤكدا أن سيطرة الحكومة على مساحات واسعة لم تُنهِ التهديدات المرتبطة بالمجموعات الرافضة للاندماج.

وأوضح أن التحدي العسكري يختلف عن الأمني؛ فالأول يرتبط ببناء مؤسسة عسكرية تحتكر السلاح، بينما يتصل الثاني باستقرار المجتمع، معتبرا أن بقاء مجموعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة يمثل عقبة أمام استكمال عملية الاندماج التي تقول دمشق إنها تسعى إليها.

إرث التهريب وتعدد الجبهات

واعتبر الخبير العسكري أن إرث الحدود يمثل تحديا إضافيا أمام دمشق، لأن النظام السابق، بحسب روايته، لم يتعامل مع التهريب بوصفه ظاهرة ينبغي القضاء عليها، وإنما وظف أجهزة وشخصيات مرتبطة به لإدارة أنشطة مختلفة، من المخدرات إلى السلع وقطع السيارات، وتحويلها إلى مصدر للربح.

وعلى الحدود العراقية، التي تمتد لنحو 600 كيلومتر، قسم فرهود المشهد إلى قطاعات مختلفة، من الهول شمالا إلى البوكمال والهرّي، وصولا إلى التنف، وأشار إلى أن لكل قطاع تركيبته الجغرافية والأمنية والاقتصادية، بما يجعل التعامل معه بحاجة إلى مقاربات متباينة.

وأوضح أن معبر سيمالكا يمثل تحديا اقتصاديا بسبب دخول مواد غذائية إيرانية وبيعها في مناطق شرقي سوريا من دون جمركة أو رقابة صحية، بينما تبرز في منطقة الهول مخاطر أمنية مرتبطة بمجموعات ترفض الاندماج، واحتمال وجود صلات بخلايا تنظيم الدولة.

وفي البوكمال والهرّي، تحدث فرهود عن نشاط قديم للتهريب، معتبرا أن الخطر الأبرز يتمثل في عبور السلاح من العراق عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان، إضافة إلى تهريب المخدرات، وما وصفه بتسهيل مرور عناصر من تنظيم الدولة إلى الأراضي السورية.

وبشأن التنسيق بين دمشق وبغداد، قال إن لقاءات جمعت قادة حرس الحدود في البلدين وأسفرت عن تفاهمات للتنسيق، لكن فاعلية هذا المسار تظل مرتبطة بمدى قدرة الحكومة العراقية على ضبط جميع التشكيلات المسلحة، وفي مقدمتها الحشد الشعبي، وفق تقديره.

وفي السياق نفسه، رأى فرهود أن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق حملت رسالة تتجاوز ملف الحدود، إذ أرادت الحكومة، بحسبه، التأكيد على التمييز بين المكون الكردي والمجموعات المسلحة الرافضة للاندماج، وفتح مسار لشراكة سياسية مع القوى الكردية.

كما ربط الخبير بين أمن الحدود والتحولات الإقليمية، مشيرا إلى أن إيران قد تستخدم الفصائل المرتبطة بها لتوسيع مسرح العمليات وتشتيت خصومها، وهو ما ينعكس على الحدود السورية العراقية واللبنانية، ويجعل ضبطها مرتبطا أيضا بموازين الصراع الإقليمي.

لبنان والأردن والجنوب الإسرائيلي

وعلى الحدود اللبنانية الممتدة لنحو 359 كيلومترا، وصف فرهود المنطقة الممتدة من القصير إلى تلكلخ والساحل بأنها من أبرز مسارات التهريب، مشيرا إلى تداخل العوامل الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ولا سيما في المناطق التي كان لحزب الله نفوذ ميداني فيها.

وأوضح أن مناطق حويك والهرمل ما زالت ترتبط بعمليات تهريب المخدرات، بينما تشهد جرود القصير تهريب السلاح والبضائع الثقيلة، وتستخدم معابر مثل تلكلخ والنزارية والفاضلية لتهريب المواد التموينية والخضروات، بما يؤثر في السوق والمزارعين السوريين.

وقال إن الحكومة السورية نجحت، وفق تقديره، في تقليص عمليات التهريب على الحدود اللبنانية بنسبة تراوحت بين 60 و70 بالمئة، نتيجة تراجع الوجود الميداني لحزب الله والميليشيات الإيرانية، إلى جانب تفاهمات مع المجتمعات المحلية للمساعدة في كشف المهربين.

أما الحدود الأردنية، فرأى أن ملف المخدرات ظل أبرز تحدياتها، موضحا أن التهريب تراجع بصورة كبيرة في درعا بعد سيطرة الدولة، لكنه استمر في السويداء، التي وصف وضعها بأنه أكثر تعقيدا، وهو ما دفع الأردن إلى تنفيذ ضربات جوية ضد مستودعات مرتبطة بالتهريب.

وربط الخبير العسكري معالجة الوضع في السويداء بالتنمية وإعادة دمج سكانها في مؤسسات الدولة والتنسيق مع الأردن والمجتمع الدولي، معتبرا أن استقرار الجبهة الجنوبية لا يحمل بعدا أمنيا فقط، بل يفتح طريقا تجاريا حيويا بين الخليج وأوروبا عبر الأراضي السورية والأردنية.

وفي الجنوب، اعتبر أن التحدي الأبرز يتمثل في التوغل الإسرائيلي، وقال إن إسرائيل تسعى إلى التعامل مع المناطق الدرزية في جبل الشيخ وحضر بصورة مختلفة عن مناطق القنيطرة، مع تقدم متكرر داخل الأراضي السورية وإقامة نقاط ميدانية مؤقتة.

ورأى أن إسرائيل انتقلت من عقيدة دفاعية تقوم على حماية حدودها إلى مواجهة خصومها داخل أراضيهم، معتبرا أن إبقاء سوريا ضعيفة وغير مستقرة يخدم مصالحها. وأضاف أن السيطرة على قمة جبل الشيخ تمنح إسرائيل موقعا متقدما للمراقبة والتنصت والوصول إلى عمق الأراضي السورية.

وفي ختام الحلقة، قال فرهود إن أي تفاهم أمني بين دمشق وتل أبيب ينبغي أن يضمن حقوق سوريا، بدءا من العودة إلى اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وصولا إلى التفاوض بشأن الجولان المحتل. وربط في الوقت نفسه استقرار الحدود بالتقارب التركي السوري، وبقدرة دمشق على بناء دولة ومؤسسات وشراكات مع مجتمعاتها المحلية.

Published On 26/8/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد