الجزيرة.نت - 8/26/2026 12:15:06 PM - GMT (+3 )
روّجت حسابات يمينية مقطع فيديو يزعم أنه يظهر مسلمين يحتشدون في شوارع مدينة بريطانية للمطالبة بتطبيق "الشريعة الإسلامية" بدلا من القانون البريطاني، بينما تقف الشرطة على بعد أمتار دون أن تحرك ساكنا.
وحصد المقطع مئات آلاف المشاهدات وقُدّم على منصات التواصل الاجتماعي بوصفه دليلا على "أسلمة" المدن البريطانية.
ويظهر في المقطع شاب يتحدث وسط تجمع يشارك فيه عشرات الأشخاص، بينما تبدو عناصر من الشرطة وسياراتها على مسافة قريبة من الحشد.
أسلوب تضليل متكرروعملت الحسابات التي أعادت نشر المقطع بأسلوب معتاد في حملات التضليل المعادية للمسلمين والمهاجرين يقوم على اقتطاع مشاهد قديمة من سياقها الزمني والمكاني، ثم إعادة تقديمها بعناوين مثيرة توحي بوجود تهديد مباشر للهوية والقانون البريطاني.
وقد جرى التركيز على جزء مقتطع من حديث الشاب الظاهر في التجمع، مع تجاهل بقية كلامه والسياق الذي وردت فيه تصريحاته، ودون أي إشارة إلى تاريخ التصوير أو مكانه أو طبيعة الفعالية.
من نشر المقطع أولا؟وبتتبع مسار انتشاره، توصلت وحدة المصادر المفتوحة إلى أن أول من نشر المقطع مؤخرا هو حساب "Concerned Citizen" على منصة إكس، المعروف بنشاطه في نشر محتوى معاد للمسلمين والمهاجرين في أوروبا، قبل أن تتناقله حسابات يمينية متطرفة أوسع انتشارا.
ويبرز حساب "Radio Genoa" اليميني، كأبرز ناشر للفيديو، إذ وصف المشاركين بـ"الغزاة" واعتبر ما يحدث نذيرا باندلاع "حرب دينية في أوروبا".
كما كان الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون من أوائل من أعادوا نشر المقطع عبر حسابه على منصة إكس. وحصد منشوره قرابة نصف مليون مشاهدة خلال ساعات، فضلا عن تفاعل واسع من حسابات ذات توجهات مشابهة.
ورافق انتشار المقطع سيل من التعليقات والمنشورات التي استخدمت صياغات متقاربة تربط مباشرة بين الهوية الدينية والعرقية للمشاركين وبين رفض القانون البريطاني، وطرحت أسئلة استنكارية، مثل: "ماذا سيحدث لاحقا؟" في محاولة لدفع المتابعين إلى استنتاجات تصور المسلمين على أنهم مصدر تهديد للهوية البريطانية.
ماذا قال الشاب حقا؟بالعودة إلى الفيديو، يتضح أن حديث الشاب لا يتضمن دعوة لاستبدال القانون البريطاني بالشريعة الإسلامية، فقد قال: "نحن لا نريد أن نكون جزءا من هؤلاء الناس، نحن مسلمون ونتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- ونتبع الشريعة الإسلامية، ونتبع قانون هذا البلد كما أمرنا الله"، قبل أن ينقطع حديثه فجأة بعد عبارة تتعلق بتطبيق الشريعة، ثم يردد المشاركون عبارة "الله أكبر".
لافتة تكشف مكان التصويرساعدت لافتة ظهرت في خلفية المقطع، تحمل رقم هاتف يبدأ بمقدمة الاتصال "01642"، على تحديد مكان التصوير.
وبالرجوع إلى بيانات هيئة الاتصالات البريطانية "Ofcom"، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن تخصيص رموز المناطق الهاتفية، تبين أن هذا الرمز يُستخدم في منطقة ميدلزبره شمال شرقي إنجلترا.
كما قاد البحث عن اسم النشاط التجاري الظاهر على اللافتة "Eazy Air Travel" إلى عنوان في منطقة واترلو بميدلزبره.
إعلان
وبمقارنة واجهة المكان في المقطع بصور أرشيفية من خرائط غوغل، تبيّن تطابق الموقعين.
ويقع المبنى مقابل "مسجد المدينة" (Jamia Masjid Al Madina)، وهو أحد المساجد المعروفة في ميدلزبره، إذ افتتح عام 1976 وكان ثاني مسجد يؤسس فيها، ويضم 4 قاعات تستوعب نحو ألفي شخص تستخدم لمناسبات دينية ومجتمعية متنوعة.
مقاطع أخرى تكشف السياقوبالبحث في منصة "تيكتوك" باسم المسجد، توصلنا إلى مقاطع أخرى موثقة للتجمع نفسه يعود تاريخها إلى الخامس من أغسطس/آب 2024، مما يؤكد أن المقطع قديم ولا يمت بصلة لأي احتجاج أو دعوات جديدة في بريطانيا.
وبمقارنة الأشخاص الظاهرين في تلك المقاطع بمن يظهرون في المقطع المتداول حاليا على أنه "حديث" تبين أنهم نفس الأشخاص.
كما أظهرت مقاطع أخرى من التوقيت نفسه مشاركة مسلمين في توزيع الطعام والمشروبات على المشاركين في الفعالية بمحيط المسجد.
المصدر الأصلي للمقطعوبالعودة إلى النسخة الأصلية الأطول من المقطع، التي نشرها حساب "Azeem Arain" على تيك توك في أغسطس/آب 2024 تبين أن الشاب لم يطالب بتطبيق الشريعة.
ووجه الشاب رسالة لبعض المسلمين طالبهم فيها بتمثيل الإسلام في أفضل صورة والالتزام بقوانين البلد، مؤكدا اتباع الشريعة طالما أنها "لا تتعارض مع القانون البريطاني"، والوقوف إلى جانب الشرطة. وهذا يعزز أن الحسابات اليمينية تعمدت اجتزاء المشهد من سياقه.
حيلة للتضليلوعند مقارنة المقطع الأصلي بالمشهد المتداول نجد أن الأخير 17 ثانية بينما الحقيقي 50 ثانية، مما يعزز وجود اقتطاع بصري.
وبالتدقيق، كشفت وحدة المصادر المفتوحة أن المقطع المتداول يتضمن قطعا مفاجئا عند الثانية 13 تحديدا، ليبدأ التكبير بعد عبارته عن "تطبيق الشريعة" مباشرة.
لكن المقطع الأصلي يؤكد أن الشاب استكمل حديثه في سياق على عكس هذه الرواية تماما، لكن الحسابات اليمينية تعمدت التضليل.
السياق الحقيقي للتجمعويعود التجمع إلى الأيام التي أعقبت أعمال شغب اندلعت في عدة مدن بريطانية، من بينها ميدلزبره، خلال أغسطس/آب 2024، بعد أحداث عنف شهدتها مدينة ساوثبورت القريبة من ليفربول.
وطالت الأحداث مساجد ومناطق ذات كثافة سكانية من المسلمين والمهاجرين، بهجمات مدعومة من متظاهرين ينتمون إلى تيارات يمينية متطرفة.
ووثقت تقارير إعلامية بريطانية أن سكان ميدلزبره، مسلمين وغير مسلمين، خرجوا في تجمعات سلمية لحماية المسجد من هجمات محتملة، بدعم وحماية من الشرطة، وليس في مواجهة معها.
وأفادت وسائل إعلام بريطانية حينئذ بأن عددا من الناشطين المناهضين للعنصرية طردوا متظاهرين من اليمين المتطرف بالقرب من المسجد، وأن أعمال العنف التي شهدتها ميدلزبره ومدن بريطانية أخرى طالت أيضا عناصر من الشرطة ومتظاهرين مناهضين للعنصرية.
رسالة للتحلي بالمسؤوليةويعزز هذا السياق مقطع فيديو آخر منشور على صفحة مسجد "Central Masjid Middlesbrough" على فيسبوك بتاريخ 6 أغسطس/آب 2024، أي في اليوم التالي مباشرة للتجمع، ظهر فيه أحد القائمين على المسجد موجّها رسالة إلى شباب ميدلزبره والمدن البريطانية الأخرى دعاهم فيها إلى "التحلي بالمسؤولية وأن يكونوا قدوة حسنة".
إعلان
وأوضح أن الحشود تجمعت لحماية المساجد والتضامن مع المجتمع المحلي عقب اشتباكات ساوثبورت، وحثهم على تجنب أي فوضى أو مواجهات في الشوارع، محذرا من العواقب القانونية لمن ينجرف وراء العنف، ومؤكدا أن هذا السلوك لا يمثل الجالية المسلمة في المدينة.
وتؤكد هذه الكلمة الإطار الزمني وسياق تصوير المقطع المتداول: أجواء دفاعية سلمية في ميدلزبره لحماية المساجد، لا مواجهة مع القانون البريطاني ولا دعوة لفرض الشريعة، كما صورته الحسابات اليمينية.
كيف استُغل الحدث؟ويكشف مسار انتشار المقطع المضلل نمطا متكررا في خطاب اليمين المتطرف الأوروبي، يعتمد على تدوير مشاهد قديمة وإخراجها من سياقها كلما احتاج إلى "دليل بصري" يعزز خطابه القائم على فرضية الخطر الإسلامي وتهديد الهوية.
فالتجمع الدفاعي السلمي، الذي شارك فيه مسلمون وغير مسلمين لحماية مسجد من هجمات عنصرية تحول بعد عامين وبمعزل عن سياقه وتوقيته الحقيقي إلى دليل على محاولة مزعومة لـ"أسلمة" بريطانيا ودعوة مزيفة لتطبيق الشريعة بدلا من القانون البريطاني.
إقرأ المزيد


