الحركة الناكسالية.. التمرد الماوي المسلح في صورته الهندية
الجزيرة.نت -

حركة التمرد الماوي، والتي تعرف أيضا بالحركة الناكسالية، هي حركة شيوعية ثورية مسلحة في الهند، تتكون من طيف واسع من الفصائل التي تكافح من أجل العدالة الاجتماعية والثورة الزراعية.

تمثل انتفاضة قرية ناكسالباري بولاية البنغال الغربية شرقي الهند عام 1967 البداية الرمزية للحركة، لأنها نقلت العمل الشيوعي التاريخي بالبلاد من السجال النظري نحو الممارسة الفعلية والاستيلاء المسلح على الأرض.

يوازن هذا التيار في طرحه بين عقيدة العنف المسلح ومطالب الفلاحين والأديفاسي (سكان الهند القبليين) المهمشين، مما منحه حاضنة ريفية واسعة في شرق البلاد ووسطها.

ويعدّ هذا التيار التاريخي مختلفا عن الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) المعاصر، الذي تأسس عام 2004 ويعاني اليوم من تراجع كبير وسريع في نفوذه الجغرافي وقدرته التنظيمية العسكرية، مع بقاء جيوب صراع محدودة في مناطق الغابات.

في 2026، أعلن وزير الداخلية الهندي أميت شاه أمام البرلمان خلو الهند من التمرد الناكسالي، وذلك بعد استسلام رئيس اللجنة العسكرية المركزية تيبيري تيروباتي -المعروف باسم ديفوجي- في أواخر فبراير/شباط 2026، ثم وفاة القيادي التاريخي براجانتا بوز في السجن، وتوالي عمليات الاستسلام والاعتقال لبعض الكوادر النشطة، حتى أعلن رئيس الوزراء الهندي مودي في أغسطس/آب 2026 بأن العنف الماوي في الهند يلفظ أنفاسه الأخيرة.

وبالرغم من إعلان الحكومة الهندية " النصر الكامل"، يرى خبراء وحقوقيون أن الجذور الهيكلية الكامنة وراء الصراع -مثل نزاعات الأراضي وحقوق القبليين وتوسع أنشطة التعدين- لا تزال قائمة دون تسوية كاملة، مما قد يدفع ما تبقى من عناصر الحركة إلى التحول نحو العمل السياسي أو الاندماج في الاحتجاجات الشعبية.

يستعمل مصطلح الناكسالية (Naxalism) للدلالة على طيف تاريخي من الحركات الشيوعية الثورية في الهند، ارتبط اسمه بانتفاضة ناكسالباري عام 1967، ولا يتطابق مع تنظيم واحد. أما الماوية (Maoism) فهي المرجعية الفكرية الأوسع المستندة إلى إرث الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي يونغ، في حين يشير الحزب الشيوعي الهندي الماوي (CPI) إلى التنظيم المسلح الأبرز في العصر الحالي. ويمثل مصطلح التطرف اليساري (Left-Wing Extremist) الإطار الإداري والأمني المستخدم من جانب الدولة الهندية.

نساء ناكساليات في نارايانبور بولاية تشاتيسغار الهندية في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (غيتي)
النشأة والمسار التاريخي

بدأت الحركة نتيجة لاختلالات زراعية عميقة بعد الاستقلال، حيث عانى الفلاحون المعدمون والأديفاسي من سيطرة الملاك، والديون الربوية، ومصادرة الأراضي، والتهميش الاجتماعي، مما جعل الدعوة للاستيلاء المسلح على الأرض وسيلة فاعلة للتعبئة.

إعلان

وفي خضم ذلك، تأثر الشيوعيون الهنود بنجاح الثورة الصينية وتبنوا استراتيجية "حرب الشعب المطولة" لمحاربة الإقطاع. وبهذا وُلدت الحركة من استلهام بنية أيديولوجية فكرية ومن المظالم الاجتماعية التي وُجدت بعد الاستقلال.

كان الشرارة الرمزية لانطلاق الحركة هي انتفاضة ناكسالباري في مايو/أيار 1967 إثر نزاع على الأرض، وتوسعت رقعة الانتفاضة توسعا سريعا بعد تبرؤ قيادة الحزب الشيوعي (الماركسي) المشارك في الحكومة منها وقمعها عسكريا، مقابل تأييد الصين واستلهام نموذجها في المقاومة. ومع أن الانتفاضة الفعلية قُمعت خلال أشهر، فقد اكتسبت ناكسالباري رمزية ثورية باقية.

ولم تكن الحركة موحّدة بل تشكلت من شبكة فصائل متباينة أيديولوجيًا، وانتقلت لاحقا نحو غابات وسط وشرق الهند الوعرة؛ نتيجة النزاعات على الأرض وتوسّع التعدين وضعف الخدمات الحكومية. وشكّل اندماج فصيلي حرب الشعب والمركز الماوي عام 2004 في الحزب الشيوعي الهندي (الماوي) محطة مفصلية، وحّدت القيادة والتمويل لزيادة مركزية التمرد وقوته.

أنصار جماعة "حرب الشعب" الناكسالية في طريقهم لحضور تجمع عام في غوثيكوندا بولاية أندرا براديش الهندية في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2004 (غيتي)
الصراع المعاصر مع الدولة الهندية

يرتبط صراع التمرد الماوي مع الحكومة الهندية بمناطق الغابات الغنية بالثروات الطبيعية، حيث يتصادم سعي الدولة وشركات التعدين مع حقوق القبليين التقليدية في الأرض والمياه والغابات. ورغم التراجع الجغرافي والعملياتي للحزب الشيوعي الهندي (الماوي) مؤخرا بفعل الحملات الأمنية المكثفة وبرامج التنمية الاستهدافية، لا تزال الغابات الوعرة بيئة خطرة ومحتملة الكمائن. لذلك يطلق على مناطق سيطرة الحركة بأنها "الممر الأحمر".

إذ يستخدم المتمردون الماويون العنف ضد خصومهم كالاغتيال وتصفية المخبرين المحليين وتفجير الألغام واستهداف المنشآت، كما توجّه إلى قوات الأمن الحكومية اتهامات بارتكاب انتهاكات إنسانية أيضا كالتعذيب والقتل خارج القانون تحت غطاء المواجهات، بحسب تقارير حقوقية مستقلة رغم صعوبة التحقق الميداني بسبب القيود الأمنية.

وشهد الصراع منذ مطلع الألفية محطات مهمة، فقد اندمجت فصائل كبرى من المتمردين الماويين عام 2004 لتأسيس الحزب الشيوعي الهندي (الماوي)، تلاها إطلاق لجان "سالوا جودوم" الأهلية المثيرة للجدل عام 2005 في ولاية تشاتيسغار وسط الهند لمواجهة التمرد، قبل أن يصف رئيس الوزراء مانموهان سينغ (2004-2014) الحركة عام 2006 بأنها أكبر تهديد للأمن الداخلي.

أسلحة صودرت من متمردين ماويين قُتلوا في 30 مارس/آذار 2026 (غيتي)

ومع تبني حكومة مودي منذ 2014 استراتيجية هجومية وتنموية منسقة، تلقت الحركة ضربات قاصمة شملت تدمير قيادتها المركزية ومقتل أمينها العام نامبالا كيشافا راو في 2025.

فقد كانت الحكومة الهندية حددت في 2024 "القضاء التام على الناكسالية" هدفا رسميا يجب تحقيقه بحلول 31 مارس/آذار 2026. وقبيل هذا الموعد، توالت الانهيارات باستسلام كوادر وقيادات في الحركة من أهمها رئيس لجنتها العسكرية، مما مهد لإعلان وزير الداخلية الهندي أميت شاه في 30 مارس/آذار 2026 خلو الهند رسميا من "المديريات المتضررة بالناكسالية".

إعلان

ثم توالت الاعتقالات أو الاستسلامات حتى أكّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في خطاب عيد الاستقلال 79، يوم 15 أغسطس/آب 2026 من القلعة الحمراء في نيودلهي، أن العنف الماوي المسلّح يلفظ أنفاسه الأخيرة في الغابات، بفضل السياسات الأمنية والتنموية لحكومته.

غير أن مودي نبّه إلى تحد جديد يتمثل في "الناكساليين الفكريين" الذين يتبنون الأيديولوجيا دون الانخراط في القتال، وقد طالب بكشفهم وعزلهم لمنعهم من السعي لدفع المجتمع نحو المسار الخاطئ وإثارة الفوضى، بحسب وصفه.

عناصر من قوات الشرطة الاحتياطية المركزية الهندية في منطقة باستار بولاية تشاتيسغار حيث ينشط الناكساليون في 2 مارس/آذار 2025 (غيتي)
الأفكار والحاضنة الشعبية

تميزت الناكسالية الماوية عن اليسار الشيوعي البرلماني الهندي بتبنيها الصارم لاستراتيجية "حرب الشعب المطولة" والاستيلاء المسلح الفعلي على الأرض وتأسيس سلطة موازية بالأرياف، رافضة المسار الدستوري والانتخابي لإدارة الوضع الراهن.

غير أن صلاحية الاستراتيجية الريفية تراجعت وأصبحت موضع مراجعة وإعادة نظر في الهند المعاصرة، نظرا للتوسع الحضري الهائل وتنامي عمالة الترحيل غير الرسمية وتغير ملامح البنية الاقتصادية.

ويرتبط الانضمام المحلي إلى الحركة بسعي القبائل ومجتمعات الأديفاسي الأصلية لحماية أراضي الغابات ومواردها ومقاومة تمدد شركات التعدين فيها، بينما يعارضها آخرون من السكان لتضرر مصالحهم والخشية من بطش قوات الأمن.

وتؤثر سلبا في شرعية الحركة محليا: ممارستها الجباية القسرية من الشركات، وتصفية خصومها في المحاكم الشعبية، وتحوّلها إلى تنظيمات ابتزازية نفعية معزولة عن النضال الجماهيري الشعبي، تطغى فيها الممارسة العسكرية على المبادئ الفكرية.



إقرأ المزيد