الجزيرة.نت - 8/25/2026 9:39:00 PM - GMT (+3 )
وسط حرب إيران وارتفاع أسعار الطاقة واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مرحلة معقّدة داخل حزبه، بعدما بدأت الانقسامات التي ظل يخفيها نفوذ حركة "ماغا" تظهر إلى العلن.
فالرجل الذي نجح منذ عام 2015 في تصوير نفسه على أنه القائد الأوحد للحركة المحافظة الشعبوية، يواجه اليوم تحديا من شخصيات تنتمي إلى التيار الأيديولوجي ذاته، لكنها تتهمه بالتخلي عن المبادئ التي قامت عليها الحركة.
وبحسب مقال نشرته صحيفة "آي بيبر" البريطانية للمعلق السياسي سايمون ماركس، فإن المعضلة الأساسية التي يواجهها الرئيس هي أن "ماغا" التي بنيت أصلا على فكرة التمرد على النخبة الجمهورية والمؤسسة السياسية، بدأت تشهد تمردا جديدا ضد النخبة التي أصبح ترمب نفسه يتزعمها.
وتصاعدت المواجهة بعدما شن ترمب هجوما حادا على شخصيات يمينية بارزة، من بينها المؤثر اليميني تاكر كارلسون، والنائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، والنائب السابق توماس ماسي، على خلفية اجتماع جمع معارضين لسياساته.
ووصف ترمب المشاركين في الاجتماع بأنهم "فاشلون"، خاصة مع تنامي قلقه من محاولات تشكيل تيار يميني مستقل عن قيادته.
لكن غرين ردت باتهام الرئيس بأنه هو الذي ابتعد عن مبادئ "ماغا"، قائلة: "نحن لم نتغير، ترمب هو من تغير". وترى أن هجومه على منتقديه يعكس تحويله خطاب "أمريكا أولا" إلى سياسات تخدم المصالح الكبرى والمتبرعين والشركات، وفق المقال.
ويكشف هذا السجال عن أزمة أعمق -بحسب المقال- فبعض الأصوات في اليمين لم تعد ترى أن ترمب يمثل أجندتها في عدة ملفات، منها الانحياز للمصالح الإسرائيلية على حساب مصالح الشعب الأمريكي.
وتبرز ولاية وايومنغ مثالا واضحا على هذا التحول، ففي الانتخابات التمهيدية الأخيرة، انقسم تصويت المحافظين بين مرشحين مرتبطين بأجنحة مختلفة من اليمين، مما سمح للمرشح إريك بارلو بالفوز على مرشحة ترمب ميغان ديغنفيلدر، وفق ما نقلته الصحيفة.
إعلان
وفي فلوريدا ظهرت الديناميكية نفسها -طبقا للمقال- إذ تمكّن المرشح الشعبوي دان بيلزيريان من الحصول على نحو 19% من الأصوات، متفوقا بذلك على مرشح ترمب، ويصر بيلزيريان على أن الرئيس نفسه خان "ماغا" وخضع لنفوذ إسرائيل.
ويضيف الكاتب أن جيمس فيشباك -المعروف أيضا بانتقاده العلاقات الأمريكية الإسرائيلية- حل ثالثا في سباق حاكم الولاية، لكنه حصل رغم خسارته على دعم ملحوظ بين الناخبين الجمهوريين الشباب.
وتتزامن هذه الانقسامات مع ما وصفه الكاتب خوان ويليامز -في مقال رأي نشره موقع "هيل"- بتحول المعايير الأخلاقية والسياسية داخل الحزب الجمهوري.
ويشير ويليامز إلى أن مرشحين جمهوريين تواجههم اتهامات خطيرة بالتحرش أو التهجم على ذويهم في حياتهم الشخصية، لكنهم لا يزالون يحظون بدعم قيادات الحزب، معتبرا أن هذا الأمر كان سيُعَد استثنائيا في الحزب الجمهوري قبل سنوات، لكنه أصبح أقل إثارة للدهشة في عهد ترمب.
ويستشهد ويليامز بالنائب الجمهوري ماكس ميلر، الذي لا تزال قيادات الحزب تدعمه رغم اتهامات وجهتها إليه زوجته السابقة بالعنف، وكذلك بمرشح الحزب لمنصب حاكم كولورادو فيكتور ماركس، الذي أدلى بادعاءات غير موثقة بترأسه عمليات إنقاذ ومهمات عسكرية.
ويرى الكاتب أن استمرار الدعم في مثل هذه الحالات يعكس معيارا سياسيا جديدا يقوم بدرجة كبيرة على الولاء لترمب، خصوصا أن الرئيس نفسه حافظ على دعم قاعدته رغم القضايا والأحكام التي لاحقته.
ويشير المقال كذلك إلى فجوة كبيرة بين شعبية ترمب داخل قاعدته وبين شعبيته على المستوى الوطني؛ إذ تستمر نسبة التأييد بين الجمهوريين عند مستويات مرتفعة، في حين تبقى شعبيته بين جميع الناخبين أقل بكثير.
وبذلك، تصبح القاعدة الموالية للرئيس -وفقا للكاتب- عامل الحماية الأساسي الذي يسمح له بالحفاظ على نفوذه رغم الجدل المحيط به وبعدد من حلفائه.
أما أنتوني سكاراموتشي، المدير السابق للاتصالات في البيت الأبيض، فقد قدم في مقابلة مع صحيفة "تايمز" البريطانية تفسيرا أوسع لصعود ترمب و"ماغا".
فسّكاراموتشي، الذي عمل مع ترمب 11 يوما فقط عام 2017 قبل إقالته، يقول إن صعود الحركة كان نتيجة تراكم أخطاء سياسية واقتصادية سابقة، أبرزها إدخال الصين إلى منظمة التجارة العالمية، والحروب المكلفة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، ثم إنقاذ وول ستريت خلال الأزمة المالية العالمية في 2009 من دون تقديم الدعم نفسه للأمريكيين الذين خسروا منازلهم.
ويرى سكاراموتشي أن هذه التطورات غذّت الغضب الشعبي، وأسهمت في صعود حركات مثل "احتلوا وول ستريت" و"حزب الشاي"، قبل أن تتلاقى لاحقا في حركة "ماغا"، وبذلك، فإن ترمب لم يخترع كل أسباب الغضب الذي أوصله إلى السلطة، لكنه نجح في تحويله إلى قوة سياسية واسعة.
ومع ذلك، يعتقد سكاراموتشي أن المشكلة تكمن في شخصية ترمب وطريقة إدارته للسلطة، مؤكدا أنه لم يجد شخصا "يحب ترمب حقا" حتى داخل محيطه العائلي، كما يؤكد أن الرئيس حساس جدا تجاه الانتقاد، وأن مخالفة رأيه أمام الآخرين قد تكون لها عواقب سياسية كبيرة.
إعلان
الشعبية والانتخابات
وتكشف المقالات الثلاثة رغم اختلاف زواياها، عن صورة واحدة: "ماغا" التي ساعدت ترمب على الصعود بدأت تتحول إلى ساحة صراع على تعريف الحركة نفسها.
وبينما يتمسك جزء من القاعدة بولائه الشخصي للرئيس، يسعى تيار يميني آخر إلى تجاوز ترمب بدعوى أنه لم يعد يمثل الأجندة التي أوصلته إلى السلطة.
وفي المقابل، يرى منتقدو الحزب أن هذا التحول ترافق مع تراجع واضح في المعايير السياسية والأخلاقية.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يبقى السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كان الجمهوريون سيحافظون على أغلبيتهم، بل هل سيظل ترمب قادرا على احتكار تمثيل "ماغا".
إقرأ المزيد


