الانتخابات الفلسطينية.. مشهد استثنائي أمام منعطف حاسم
الجزيرة.نت -

سياسي وبرلماني أردني، شغل عدة وزارات منها الداخلية، والزراعة.

Published On 25/8/2026

|

آخر تحديث: 20:40 (توقيت مكة)

شارِكْ

إن التمعن في المشهد الفلسطيني الراهن، ورصد حركة القوى والشخصيات، والاصطفافات الخاصة بالانتخابات بمستواها الأول (المجلس التشريعي)، والثاني (المجلس الوطني الفلسطيني بالانتخاب والتعيين)، تليها انتخابات الرئاسة التي لم يتحدد موعدها بعد، يكشف لنا أن الواقع اليوم يختلف جذريا عن أي مرحلة مضت. وخصوصا بعد تلك التبدلات المأساوية التي حلت بالوضع الفلسطيني، وتحديدا ما بعد تاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

فهذا المشهد الانتخابي تبرز فيه غزة التي تعرضت لتدمير شبه كامل؛ حيث تؤكد المنظمات الدولية أن 97% من منشآت ومساكن القطاع دمرت كليا أو جزئيا، ولم تعد أمكنة صالحة للحياة بحدها الأدنى.

الحقيقة أنه لم يبقَ للسلطة الفلسطينية أثر حقيقي وفاعل في حياة الفلسطينيين؛ فقد أنهكهم الجوع بعد إغلاق المعابر مع الداخل الفلسطيني وانعدام فرص العمل، ناهيك عن سلب إسرائيل مليارات العائدات الضريبية

فالشعب الفلسطيني في غزة اليوم يعيش بين خيام مهترئة أو في العراء، بعد أن فقد ربع أبنائه بين شهيد وجريح ومعاق، وفي غياب كلي للدولة والنظام العام، حيث يتضور الناس جوعا جراء حصار خانق تفرضه إسرائيل على الغذاء، وكل ما يتصل باستمرار الحياة.

كما أن الوضع في الضفة الغربية ليس بأفضل حال؛ فإسرائيل ماضية في استخدام شتى الأساليب للتضييق على الفلسطينيين، ودفعهم نحو الهجرة.

ففي هذا العام، صدر أكثر من 20 أمرا عسكريا، إضافة إلى ما يرشح من أخبار تكشف ما صُودر من آلاف الدونمات بذريعة دواعٍ أمنية غير مبررة؛ ناهيك عن إعلان وزير المالية اليميني المتطرف، أمس الأول، عن إقامة مستوطنة جديدة في غور الأردن على واجهة الحدود الأردنية تتسع لـ100 ألف مستعمر جديد. كما جُرفت مناطق شاسعة، وأُنهي الوجود العملي لعرب الكعابنة في السفح الفلسطيني المطل على الأغوار لتحل محلهم المستعمرات.

إعلان

ولا تتوقف هجمات المستوطنين -بحماية الجيش- في سلفيت، ونابلس، ورام الله، والخليل، يرافقها حرق وهدم للمباني، وقطع للأشجار والبساتين، وقتل للمواطنين.

وقد سبق ذلك، ومنذ بدء حرب الإبادة في غزة، تدمير أحياء ومخيمات كاملة في الضفة الغربية، كمخيمي جنين وطولكرم وغيرهما. ويعيش الفلسطينيون اليوم فعليا حالة من العزلة في قراهم وكأنها محاطة ببوابات تغلقها إسرائيل متى تشاء.

هذا فضلا عن الاعتقالات التي تطال الآلاف في ظروف تفتقر لأدنى معايير حقوق الأسرى، حيث تكتظ السجون الإسرائيلية بأبناء الضفة والقطاع، حتى إن وزير الأمن المتطرف حفر خنادق تحيط بالسجون لملئها بالماء والتماسيح!

والحقيقة أنه لم يبقَ للسلطة الفلسطينية أثر حقيقي وفاعل في حياة الفلسطينيين؛ فقد أنهكهم الجوع بعد إغلاق المعابر مع الداخل الفلسطيني وانعدام فرص العمل، ناهيك عن سلب إسرائيل مليارات العائدات الضريبية (المقاصة) التابعة للسلطة بأسلوب البلطجة، واستمرار التضييق على الجهاز المصرفي تمهيدا لانهيار اقتصادي وأمني وشيك في مناطق السلطة.

وفي هذه الأجواء الكارثية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، تأتي الانتخابات؛ ومع أنها استحقاق متأخر، إلا أنها تظل ضرورية كمقدمة لتقوية المؤسسات الفلسطينية لتستطيع مجابهة الوضع الراهن. وسؤالي هنا لقادة الفصائل، والسلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير، وتحديدا قادة حركة فتح -كبرى الفصائل- وقادة حماس وبقية الفصائل الأخرى: ماذا بقي لتختلفوا عليه؟

لم يعد أمام الفلسطينيين سوى توحيد الخطاب والصفوف، والذهاب إلى هذه الانتخابات بجبهة وطنية حقيقية تضم كافة الفصائل

والسؤال الأهم: ماذا بقي من شيء كي لا تتفقوا عليه في مواجهة الإجرام، واحتلال الأرض، والسعي لتجويع الناس وتهجيرهم، وبالتالي ولوج الاحتلال الصهيوني إلى الحلقة الأخيرة للسيطرة على كامل فلسطين التاريخية؟

وبالتالي، لا توجد أي مسألة يمكن الاختلاف عليها في اللحظة الراهنة أو فيما هو قادم، سواء في الجهد السياسي المنتظر، أو العمل المقاوم بشتى أشكاله، خصوصا بعد أن أبدت فصائل كحماس مواقف تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل، وهو ما يتطابق مع الموقف المعلن للسلطة الوطنية الفلسطينية.

حين نستمع إلى الخطاب السياسي لكل من فتح وحماس تجاه الاحتلال وجرائمه، لا نجد فرقا يذكر. وإذا غصنا في الشأن الداخلي لحركة فتح، فلا أدري ما الفارق اليوم بين ما يطرحه الرئيس أبو مازن وبين ما يطرحه ناصر القدوة، أو مروان البرغوثي، أو محمد دحلان، أو عباس زكي؛ فأراهم جميعا في خندق واحد من حيث نظرتهم للاحتلال، وأولويات العمل الوطني لمواجهة هذه الهجمة الشرسة.

فلم يعد أحد يتحدث عن سلام متوهم، أو دولة بالمعنى التقليدي، أو حكم ذاتي، في ظل انقسام الساحة الإسرائيلية بين يمين متشدد ويمين فاشي، وتلاشي قوى اليسار والسلام في إسرائيل، وتحول حزب العمل الذي وقع اتفاقية أوسلو إلى حزب هامشي غير مؤثر.

إذن، لم يعد أمام الفلسطينيين سوى توحيد الخطاب والصفوف، والذهاب إلى هذه الانتخابات بجبهة وطنية حقيقية تضم كافة الفصائل: حماس، وفتح، والجبهتين الديمقراطية والشعبية، وباقي التيارات الوطنية. بل ومن الأهمية بمكان أن تلتئم صفوف حركة فتح وينتهي هذا التشظي غير المبرر في هذه المرحلة المفصلية.

إعلان

إنني كمواطن عربي محب لفلسطين، أتفق مع الأشقاء على دقة هذه المرحلة وخطورتها وآثارها الكارثية إن تحقق -لا سمح الله- برنامج الهيمنة والسيطرة الاستيطانية إلى نهايته.

وعليه، أناشد الأشقاء الفلسطينيين أن يحققوا وحدتهم اليوم قبل الغد على برنامج وطني مرحلي متفق عليه. وأتمنى على الرئيس عباس ومحمد دحلان وناصر القدوة ومروان البرغوثي وعباس زكي وغيرهم أن يعيدوا الوحدة للجسم الفتحاوي؛ لأن فتح تمثل العمود الفقري للحركة الوطنية تاريخيا. إنكم جميعا تواجهون المصير ذاته، ومطالبون بأن ترتقوا بوحدتكم وبقراراتكم إلى مستوى تطلعات هذا الشعب المجاهد الذي يدفع ضريبة الدم بلا حساب في سبيل حريته واستقلاله.

"والله ومصلحة فلسطين من وراء القصد"

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد