الزواج في غزة أحلام بسيطة بتكاليف مستحيلة
الجزيرة.نت -

غزة- على عتبات منزله التي دمرت آلة الحرب الإسرائيلية أجزاء منه، وعلى بعد 300 متر فقط من الخط الأصفر في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، يتخذ الشاب سامح عليان من بيع المثلجات مصدر رزق جديد له، عله يتمكن من توفير مصروفاته اليومية له ولزوجته، اللذين مضى شهر واحد فقط على زفافهما.

ويواجه المواطن الثلاثيني الذي أنهى دراسته الجامعية قبل قرابة 10 أعوام دون أن يحصل على فرصة عمل دائمة تفاصيل يومية معقدة، بعدما تراكمت عليه الديون، ولم يتمكن من الوفاء بالالتزامات التي أثقلت كاهله.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وذات الحال ينعكس على آلاف الشباب الغزيين حيث تشير آخر البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن قرابة 4 من كل 5 مشاركين بالقوى العاملة في غزة كانوا عاطلين عن العمل عام 2025، إذ بلغت نسبة البطالة في القطاع 78%.

ارتفاع تكاليف الزواج

التحق عليان في وقت سابق من العام الجاري ببرنامج تشغيل مؤقت لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" يعمل بموجبه مرشدا نفسيا في المدارس التابعة لها، حيث قرر الزواج في ذلك الوقت، لكن كل ما تقاضاه خلال الأشهر السابقة لم يُلبِ نصف متطلبات زواجه.

ويدون الشاب التكاليف التي دفعها منذ عقد قرانه حتى انتهاء مراسم زفافه والتي بلغت أكثر من 10 آلاف دولار، ولم يكن يقوى على تسديدها دون مساهمة ذويه.

وفي التفاصيل فإن متوسط مهر العرائس في غزة يبلغ قرابة 6 آلاف دولار، يتبعه حجز صالة بمواصفات بدائية، بعدما دمرت قوات الاحتلال معظمها، بمتوسط 600 دولار، واستئجار فستان زفاف وحجز صالون تجميل وتصوير المناسبة بمتوسط 1000 دولار، وتوفير وجبات غذائية لأعداد محدودة من أقرباء العروسين بمتوسط 1000 دولار، واستئجار سيارة الزفاف ونقل المدعوين بحد أدنى 400 دولار، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى أبرزها تجهيز غرفة أو خيمة للإقامة بأدنى المقومات من فراش وأغطية وأدوات منزلية.

إعلان

بالإضافة إلى عدم تمكن المقبلين على الزفاف من شراء غرفة نوم بسبب فقدانها من السوق في ظل منع الاحتلال إدخال الأخشاب إلى قطاع غزة، مع التأكيد أن معظم المقبلين على الزواج يقطنون في الخيام أو بقايا منازل مدمرة.

يذكر أن أسعار السلع والمواد الغذائية في قطاع غزة قفزت بشكل ملحوظ منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث توصلت ورقة سياسات أعدها الباحث الاقتصادي الدكتور سيف الدين عودة إلى أن كل 100 دولار كانت الأسرة تنفقها خلال الحرب كانت تعادل من حيث السلع والخدمات التي تستطيع شراءها نحو 33 دولاراً فقط بأسعار ما قبل الحرب.

مصروفات باهظة من دون عمل

بعد أسبوعين فقط من زفافه انتهت فرصة عمل الشاب الفلسطيني المؤقتة لدى وكالة الغوث، مما دفعه إلى البحث عن مصدر بديل من خلال بيع المثلجات في مكان إقامته، لكن دخله اليومي الذي بالكاد يصل إلى 10 دولارات يكشف قسوة الحياة اليومية التي يعيشها أكثر من مليوني مواطن في قطاع غزة.

وتقول وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية -في بيان- إنه في إطار الرصد الميداني الذي تنفذه بشكل مستمر، أظهرت البيانات الموثقة في أسواق شمال القطاع المنكوب أن تكلفة إعداد وجبة طعام واحدة بسيطة لعائلة مكونة من 5 أفراد بلغت 141 شيكلاً، أي ما يعادل نحو 39 دولاراً أمريكياً، وهو رقم يعكس الارتفاع الحاد وغير المسبوق في أسعار السلع الأساسية، ويجعل من تأمين وجبة واحدة يومياً عبئاً يفوق قدرة غالبية الأسر.

وشددت الوزارة الفلسطينية على خطورة هذه الأرقام في ظل الانهيار شبه الكامل لمصادر الدخل، وتوقف الأنشطة الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي يجعل توفير مبلغ 141 شيكلاً يومياً لوجبة واحدة أمراً مستحيلاً بالنسبة لأكثر من 95% من الأسر.

الشاب سامح عليان استصلح جزءا من منزله المدمر للسكنى بعد زفافه (الجزيرة)
مبالغ طائلة لا يمكن توفيرها

يشغل التفكير بال الشاب خميس بكر الذي عقد قرانه مؤخرا، ويسعى إلى إتمام ترتيبات زفافه، لكن عمله في مسمكة بالكاد يوفر احتياجاته اليومية دون أن يتمكن من توفير المبالغ الطائلة المطلوبة منه خلال أشهر محدودة.

ويقارن الشاب التكاليف المنتظرة بدخله الشهري الذي يتجاوز 300 دولار بقليل، ولا يعلم حتى الآن كيف سيتدبره.

ويقول بكر للجزيرة نت: أواجه أنا وكثير من الشباب المقبلين على الزواج في غزة مشكلات وصعوبات كبيرة، أبرزها عدم توفر السكن، وارتفاع تكاليف المعيشة وتجهيز بيت الزوجية، بعدما دمّر جيش الاحتلال منزلنا بعد نحو 5 أشهر من بداية الحرب على غزة، مما جعلني أمام أعباء إضافية في الوقت الذي أحاول فيه بناء حياتي الزوجية.

وبحسب بكر فإن استئجار أي شقة حاليا يحتاج ما بين 500 دولار و700 دولار شهريا، وهذا مبلغ كبير جدًا في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.

أما تجهيز البيت بغرفة نوم، فتصل تكلفتها حاليا إلى ما يزيد عن 4 آلاف دولار، وهو ما لا يمكن توفيره، مما جعل بكر يكتفي بتوفير فراش أرضي وبعض المستلزمات فقط.

المواطن خميس بكر يشتكي من ارتفاع تكاليف الزواج (الجزيرة)

ويشتكي الشاب كغيره من ارتفاع تكاليف الزواج مع تراجع الدخل وفرص العمل، ومع هذا يسعى إلى تأسيس بيت متواضع، في وقت أصبحت فيه قدرة الشباب على الادخار شبه معدومة.

إعلان

ويشير بكر إلى أنه كان بإمكانه ادخار جزء من دخله قبل الحرب، وجمعه تدريجيًا لتجهيز نفسه للزواج، أما اليوم فدخله الشهري لا يكفي إلا لأسبوع واحد من الطعام والاحتياجات الأساسية، ولا يبقى منه شيء يمكن ادخاره للمستقبل.

ويطالب الجهات والمؤسسات المعنية والمجتمع بتقديم حلول للشباب المقبلين على الزواج، ومساعدتهم على توفير الاحتياجات الأساسية التي تمكنهم من بناء حياتهم، خصوصًا أن كثيرًا منهم خاضوا ظروف الحرب القاسية وخرجوا منها دون أن يتمكنوا حتى من تأسيس أنفسهم أو تأمين أبسط مقومات الحياة.

ومن الجدير بالذكر أن عدد حالات الزواج المسجلة في المحاكم الشرعية بقطاع غزة بلغ 57 ألفا و251 حالة زواج منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 31 مايو/أيار 2026، وذلك بحسب ما قاله -للجزيرة نت- الدكتور حسن الجوجو رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة، في وقت سابق.



إقرأ المزيد