الجزيرة.نت - 8/25/2026 6:58:53 PM - GMT (+3 )
Published On 25/8/2026
في أغسطس/آب 2001، عرض المخرج "جون كاربنتر" فيلم الخيال العلمي والرعب "أشباح المريخ" (Ghosts of Mars)، متخيلا مستقبلا يصبح فيه المريخ موطنا للبشر بعد تنفيذ عملية هائلة لتغيير بيئته، أو ما يعرف بـ"تهيئة الكواكب" (Terraforming). وبعد 25 عاما، يبدو أن الواقع العلمي لا يزال بعيدا جدا عن ذلك المستقبل السينمائي.
ففي الفيلم، أصبح المريخ مهيأ بنحو 84% للعيش، وبدأ البشر في إنشاء مستوطنات ومناجم على سطحه، لكن خبراء يرون أن تحويل الكوكب الأحمر إلى عالم صالح للحياة البشرية ما زال يتجاوز قدرات التكنولوجيا الحالية بفارق كبير.
ويقول بروس بيتس، كبير العلماء في "جمعية الكواكب" (Planetary Society)، إن تهيئة المريخ بأكمله غير ممكنة حاليا بسبب نقص الموارد وثاني أكسيد الكربون الضروري لتدفئة الكوكب وزيادة ضغط غلافه الجوي.
"لا أعتقد أننا في وضع يسمح لنا بتهيئة المريخ بأكمله، بسبب التكنولوجيا ونقص الموارد"
-بروس بيتس، كبير العلماء في جمعية الكواكب.
ويشير بيتس إلى دراسة أجراها بروس ياكوفسكي وكريستوفر إدواردز عام 2018، خلصت إلى أن تهيئة المريخ ليست ممكنة باستخدام التكنولوجيا المتاحة حاليا. وحتى الأفكار التي تقترح استخدام مواد متقدمة، مثل الهلام الهوائي (Aerogel)، تبدو أكثر ملاءمة لإنشاء مناطق محلية صغيرة بدلا من تغيير الكوكب بأكمله.
وتضاف إلى ذلك كلفة هائلة تتطلب مشروعات تمتد سنوات وربما أجيالا، فضلا عن ضرورة وجود توافق سياسي واقتصادي عالمي طويل الأمد.
الجاذبية والصحة.. جسم الإنسان أمام اختبار مجهوللا تتعلق المشكلة بالغلاف الجوي وحده. فالمريخ يمتلك جاذبية تعادل نحو 38% من جاذبية الأرض، ولا يعرف العلماء بصورة كافية كيف سيؤثر العيش الطويل في هذه الجاذبية المنخفضة على جسم الإنسان.
إعلان
ويحذر عالم الفلك مارك غالواي، مؤسس "ستارلايت بلانيتاريوم" (Starlight Planetarium)، من أن البشر قد يواجهون مشكلات صحية خطيرة بعد قضاء فترات طويلة على المريخ، وربما يجدون صعوبة في العودة إلى الحياة الطبيعية على الأرض.
كما أن العيش في بيئات مغلقة فترات طويلة قد يسبب مشكلات نفسية واجتماعية. ويشير غالواي إلى تجارب أجريت في بيئات معزولة على الأرض شهدت توترات وصدامات بين أفراد المجموعات، وهي مشكلة قد تصبح أكثر تعقيدا في مستوطنة بعيدة ومعزولة على المريخ.
حتى زراعة البطاطا ليست سهلة"إن لم نستطع حتى الحفاظ على مناخ الأرض بالطريقة التي نريدها، فمن الصعب تصديق أن معرفتنا الحالية تسمح لنا بتحويل المريخ إلى عالم صالح للحياة"
-جيفري بينيت، عالم فلك ومؤلف كتاب "الحياة في الكون" (Life in the Universe)
قدمت أفلام الخيال العلمي، ومن بينها "المريخي" (The Martian)، صورة أكثر تفاؤلا لقدرة البشر على الزراعة فوق سطح المريخ. لكن غالواي يشير إلى أن تربة المريخ نفسها قد تكون سامة للحياة، مما يجعل زراعة النباتات مباشرة فيها أمرا شديد الصعوبة.
وهذا يعني أن المستوطنين المحتملين قد يحتاجون إلى جلب التربة المناسبة أو معالجة بيئة الزراعة بالكامل، وهو تحد كبير من حيث النقل والموارد.
ولا تتوقف الصعوبات عند التكنولوجيا؛ إذ تبرز أيضا أسئلة أخلاقية مهمة: هل يملك البشر الحق في تغيير غلاف المريخ وبيئته بالكامل، خصوصا إذا كانت هناك احتمالات لوجود حياة أو آثار حياة سابقة عليه؟
هل تكون المستوطنات الفضائية بديلا عن المريخ؟يرى غالواي أن الحل ربما لا يكون في تحويل كوكب كامل إلى نسخة من الأرض، بل في بناء بيئات صناعية في الفضاء. ويقترح مستوطنات تدور في الفضاء، يمكن التحكم في ظروفها وتوفير جاذبية اصطناعية داخلها، بدلا من محاولة تغيير بيئة كوكب كامل.
ويطرح هذا التصور سؤالا أكثر واقعية: ربما لا يحتاج البشر إلى جعل المريخ شبيها بالأرض حتى يعيشوا خارجها؛ فقد يكون بناء بيئات صغيرة ومغلقة أسهل بكثير من تغيير كوكب بأكمله.
أما عالم الفلك جيفري بينيت، مؤلف كتاب "الحياة في الكون"، فيرى أن على البشرية أولا أن تتعلم كيفية التعامل مع مناخ الأرض قبل التفكير في تغيير كوكب آخر. ويقول إن صعوبة إدارة مناخ كوكبنا تجعل فكرة تحويل عالم غير صالح للحياة مثل المريخ إلى عالم مأهول أكثر تعقيدا.
وبعد 25 عاما من "أشباح المريخ"، يظل العيش على الكوكب الأحمر هدفا علميا بعيد المدى، لكن البحث فيه يظل مهما. فكل مهمة ومركبة وتجربة على المريخ تقرب العلماء من فهم بيئته وحدود قدرة الإنسان على البقاء خارج الأرض.
إعلان
وربما لا يكون الإنجاز الحقيقي هو تحويل المريخ إلى أرض ثانية، بل اكتشاف كيفية استكشاف عوالم أخرى مع الحفاظ على عالمنا الأول.
إقرأ المزيد


